ومنه حديث يعلى﵁- أن نبي الله - ﷺ - قال: (إن الله حيى ستير) الحديث. المعنى: إن الله ﵎ تارك للمقابح ساتر للعيوب والفضائح يحب الحياء والتتر من العبد؛ لأنهما خصلتان تفضيان به إلى التخلق بأخلاق الله، ويعلى راوي هذا الحديث هو يعلى بن أمية أبو صفوان التميمي وقد ينسب أيضا إلى أمه فيقال يعلى بن منية.
[٢٨٩] ومنه حديث ابن عباس﵁- (خرج النبي - ﷺ - من الخلاء فأتى بطعام فذكر له الوضوء فقال: أريد أن أصلي فأتوضا) المعنى: أريد أن أصلي حتى أفتقر إلى الوضوء، حذف عنه همزة
[ ١ / ١٥٥ ]
الاستفهام إيثارا للتخفيف، والفاء في قوله (فأتوضأ) هي الناصبة بعد الاستفهام أشار بقوله هذا إلى أن الوضوء شرع لإقام الصلاة لا لأكل الطعام، وإنما قال لذلك لئلا يشق على الأمة، وليفتح عليهم باب التيسير والرخصة، ولم يرد به نفي الفضيلة كيف وقد علمنا بأصل السنة (٥٣/ب) أن النبي - ﷺ - كان يحب أن يذكر الله على طهر، ومن سنته أن يبدأ عند الطعام بذكر الله ويختم الأمر فيه الحمد الله وثنائه، فعرفنا بذلك استحباب الطهارة حالة الأكل، وأنها من أبواب العزيمة، وأن الثواب مرجو فيها والبركة مغتنمة.
[٢٩٩] ومنه قوله - ﷺ - في حديث ميمونة﵂- (إن الماء ليس عليه جنابة) معناه: إن الماء إذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس، وإنما قال ذلك؛ لأن القوم كانوا حديثي عهد بإسلام، وقد أمروا بالاغتسال عن الجنابة كما أمروا بتطهير البدن عن النجاسة، فربما يسبق إلى فهم أحدهم أن العضو الذي عليه الجنابة في سائر الأحكام كالعضو الذي عليه النجاسة فيحكم بجنابة الماء من غمس عضو الجنب فيه كما يحكم بنجاسته من غمس العضو النجس، فبين لهم أن الأمر بخلاف ذلك.
[٣٠٠] ومنه حديث عائشة﵂- (كان رسول الله - ﷺ - يجنب فيغتسل ثم يستدفئ بي قبل أن أغتسل) جنب الرجل وأجنب واجتنب وتجنب إذا صار جنبا، ورجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب، وربنا قالوا في جمعه أجناب وجنبون، وسميت جنابة لكونها سببا لتجنب الصلاة؛ ولأن الجنب نهى أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، فتجنبها وأجنب عنها أي: تباعد منها تقولها يجنب بضم الياء وكسر النون، ويجوز أن يفتح منه الياء ويضم النون.
وقولها (يستدفئ بي) الدفء السخونة يقال منه دفئ الرجل دفاءة مثل كره ودفأ مثل ظمئ ظمأ واستدفأ به وهو افتعل أي لبس ما يدفئه، ومعنى اللفظ أنه كان يجعلها من نفسه مكان الثوب الذي يستدفئ به ليجد السخونة من يديها، وإنما ذكرت ذلك في استدفاء الرجل بامرأته وهي جنب في حالة التعري بحيث تمس بشرتها- وهي جنب- بشرته، وقد اغتسل؛ لأن استدفاءه بها بن البشرتين ما يمنع عن الامتساس مما لا حاجة إلى بيانه.
[ ١ / ١٥٦ ]
[٣٠١] ومنه حديث علي﵁- (وكان لا يحجبه أو يحجزه عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابة) يعني إلا الجنابة، وقد يستثنى بليس تقول: جاءني القوم ليس زيدا بضم اسمها منها وبنصب خبرها كأنك قلت: ليس ما جاءني زيدا مكان قولك: جاءني القوم ليس زيدا، وقد زعم بعض المعتبرين من علماء البيان وأهل المعرفة بالحديث (٥٤/ب). أن ليس ههنا بمعنى: غير وهي تجر ما بعدها كما تجر غير فروى الجنابة مجرورة، ولم نجد لقوله هذا سنادا في كتب علماء العربية.
[٣٠٣] ومنه: حديث علي﵁- عن النبي - ﷺ - (لا تدخل الملائكة بيتا) الحديث. ظاهر اللفظ يقتضى عموم الملائكة، وقد عرفنا بنص الكتاب أن كتبة الأعمال غير داخلين في جملتهم، وذلك قوله سبحانه ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ في آيات أخر، وقد بينها قوله - ﷺ - (فإن معكم من لا يفارقكم فاتقوا الله واستحيوا منهم) وأن المرادين بذلك هم الذين ينزلون بالبركة والرحمة ويطوفون على عباد الله المؤمنين ويستمعون الذكر ويؤمنون على دعاء المؤمنين ويزورون عباد الله الصالحين فإذا رأوا في موضع منكرا أو شيئا لا يناسب حالهم امتنعوا عن دخول ذلك الموضع.
ويحتمل أن يكون المعنى: لا يدخله بالخير، وامتناعهم عن دخول البيت الذي فيه الصورة لما في الصورة من التشبه بخلق الله والإقدام على المنكر الفظيع الذي منع منه الشرع، وظاهر هذا اللفظ يقتضى تناول سائر التصاوير المنصوبة القائمة التي لها شخص والتي لا شخص لها من المنقوشة في الجدر والمصورة فيها وفي الفرش والأنماط، وقد رخص من التصاوير فيما لا شبح لها وكان منبوذا توطأ وتداس لأحاديث دلت على الرخصة لمن كانت في بيته، فأما في حق المصور فلا، وأما البيت الذي فيه الكلب؛ فلأن الكلب نجس خبيث بلغ في المرتبة الحيوانية إلى النهاية في الخساسة، والملائكة أشراف خلق الله، وهم المكرمون المتمكنون من أعلى مراتب الطهارة، وبين الحالين تضاد كما بين النور والظلمة، ثم إن الذي يؤوى الكلب في بيته من غير حاجة إنما يتخذه للهو والاستئناس به مع ترك الاحتراز عن رجسه وتسامحه في أمر في بيته من غير حاجة إنما يتخذه للهو والاستئناس به مع ترك الاحتراز عن رجسه وتسامحه في أمر الدين. ومن سوى نفسه بالكلاب ولم يمتنع عن مقاربتها بالزاجر الشرعي فحقيق أن ينفر الملك عن منزله
[ ١ / ١٥٧ ]
ويأنف عن إتيانه وزيارته، وقد استثنى من جملتها ما دعت المصلحة إليه ككلب الزرع والماشية والصيد، وأما الذي فيه الجنب فلأن الجنب ممنوع عن معظم العبادات، وهذا الجنب هو الذي يتهاون بإزاحة العلة عن نفسه بعد أن يتجاوز الوقت فيها عن الحد المحدود مع الإمكان عرفنا ذلك بأصل السنة وهو أن النبي - ﷺ - (٥٥/ب) كان يطوف على نسائه بغسل واحد وفي هذا تأخير الاغتسال، وقد صح عن عائشة﵂- أنها قالت (كان النبي - ﷺ - ينام وهو جنب) فعلمنا أن المراد من الجنب في هذا الحديث هو الذي يتخذ ترك الاغتسال دأبا وديدنا حتى يمر عليه وقت صلاة مفروضة.
[٣٠٤] ومنه قوله - ﷺ - في حديث عمار﵁- (والمتضمخ بالخلوق) التضمخ التلطخ والإكثار منه حتى يكاد يقطر، والخلوق: طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره، وإنما استحق أن لا يقربه الملائكة؛ لأنه توسع في الرعونة وتشبه بالنساء مع أنه خالف الرسول - ﷺ - فلم ينته عما نهاه.
[٣٠٦] ومنه حديث ابن عمر﵄- (مر رجل على النبي - ﷺ - وهو يبول) الحديث. التوفيق بين هذا الحديث وحديث علي﵁- (كان النبي - ﷺ - يخرج من الخلاء فيقرأ بنا القرآن) هو أن نقول: النبي - ﷺ - كان مبعوثا بالحنيفية السهلة: بحب التيسير على الأمة فلو أخذ في هذه القضية ونظائرها بالعزيمة لشق على الأمة وتعذر اتباعه بما شرع على أكثر الناس، فشرع لهم الرخصة فيما رواه على﵁-، وبين لهم سبيل العزيمة بما رواه ابن عمر﵄- ليأخذ كل منهم بحظه، ويحتمل أن يكون آخر الأمرين ما رواه ابن عمر﵁- والمسلم به قيل: هو المهاجر بن قنفذ بن عمير جذعان القرشي التيمي، وهو من مسلمة الفتح وعلى هذا فحديث ابن عمر غير حديث أبي
[ ١ / ١٥٨ ]
الجهيم بن الحارث بن الصمة وهو في باب التيمم من هذا الكتاب ويلزم من الحديثين أن هذا لم يكن بالنادر من أمر الرسول - ﷺ - بل فعله كرة بعد أخرى.