(من الصحاح)
[١٧٢٦] حديث علي ﵁، قال رسول الله - ﷺ -: (قل: اللهم اهدني وسددني الحديث):
ذكر له مثلًا يهتدي به إلى تصوير مسألته، وتحصيل طلبته من الهداية والسداد، وذلك أن السالك إنما يهتدي إلى المقصد إذا لزم الجادة، واقتفى نهجها، والرامي إنما يصيب بسهمه الغرض: إذا سدده وأصلحه، وقوم رميته، ووجه به مرماه.
والمعنى: كن في سؤالك الهداية والسداد كالسهم المسدد، والراكب متن المنهج المستقيم، أو سل الله سدادًا وهداية يشبهان في المعنى سداد السهم واستقامة الطريق في الشاهد.
(ومن الحسان)
[١٧٢٩] قوله - ﷺ - في حديث ابن عباس ﵁: (لك مخبتًا، إليك أواها):
الخبت: المطمئن من الأرض، وأخبت الرجل: قصد الخبت، أو نزله، نحو: (سهل)، ثم استعمل الخبت استعمال اللين والتواضع؛ قال الله تعالى: ﴿أخبتوا إلى ربهم﴾ أي: اطمأنوا وسكنت نفوسهم إلى أمره، فالمخبت: هو المتواضع الذي اطمأن قلبه إلى ذكر به.
والأواه: فعال من آواه، وهو الذي يكثر التأوه، وكل كلام يدل على حزن يقال له: التأوه، ويعبر بـ (الأواه) عمن يظهر ذلك خشية لله.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وفيه: (واغسل حوبتي):
الحوبة: مصدر حبت بكذا، أي: أثمت، تحوب حوبًا وحوبة وحيابة، والحوب- بالضم- الإثم، والحياب مثله، وتسميته بذلك مزجورًا عنه، والأصل الحوب لزجر الإبل.
وذكر الغسل، ليفيد معنيين:
أحدهما: إزالة الشيء عنه إزالة تلحقه به حكم التطهير.
والآخر: التنزه والتفصى عنه [٢٤ جـ]، كالتنزه عن الشيء القذر الذي يستنكف عن مجاورته، وينبرم.
وإتيانه بالمصدر- أعني: حوبتي- أتم وأبلغ من الحوب الذي هو الاسم، لأن الاستبراء من فعل الذنب واكتسابه أتم وأبلغ من الاستبراء من نفس الذنب.
وفيه: (واسلل سخيمة صدري):
(سللت كذا وكذا) أي: أخرجته، والأصل فيه: سل السيف، وهو: إخراجه من الغمد.
والسخيمة: الضغينة والموجدة في النفس: من السخمة، وهو السواد، ومنه سخام القدر. وإنما أضاف السخيمة إلى الصدر إضافة الشيء إلى محله، والمعنى: أخرج من صدري وانزع عنه ما ينشأ منه ويستكن فيه، ويستولي عليه من مساوئ الأخلاق.
[١٧٣٠] ومنه: قول أبي بكر الصديق﵁- في حديثه: (سلو الله العفو والعافية)، وفي حديث أنس ﵁ الذي بعده: (سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة): وقد قدمنا بيانه.
[١٧٣٢] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث عبد الله بن يزيد الخطمي ﵁: (اللهم، ما زويت عني
[ ٢ / ٥٨٣ ]
مما أحب، فاجعله فراغًا لي فيما تحب): زويت الشيء: جمعته وقبضته، يقال: زوى فلان المال عن وارثه زيًا، وفي حديث، قال عمر ﵁ للنبي - ﷺ -: (عجبت لما زوى الله عنك من الدنيا) أي: لما نحى عنك، وفي الحديث: (أعطاني ربي ثنتين، وزوى عني واحدة) أي: صرفها عني، فلم يعطني.
ومعنى الحديث: اجعل ما نحيته عني من محابى عونًا لي على شغلى بمحابك؛ وذلك أن الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوى عن الدنيا ليتفرغ لمحارب ربه، كان ذلك الفراغ عونًا له على الاشتغال بطاعة الله.
[١٧٣٣] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث ابن عمر ﵄ (ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحيينا، واجعله الوارث منا):
حقيقة الوارث اذي يرث ملك الماضي؛ وعلى هذا: ففي تأويل هذا الحديث عسر، ومن الله التيسير، وقد ذكر الخطابي وغيره في تأويله؛ أنه سأل الله تعالى أن يبق له السمع والبصر إذا أدركه الكبر، وضعف منه سائر القوى، ليكونا وارثي سائر القوى والباقين بعدها.
قلت: وعلى هذا فالإشكال بحاله؛ لأن قوله: (واجعله الوارث منا) بعد قوله: (ما أحييتنا) يحقق أنه أراد بذلك الإرث الذي يكون بعد فناء الشخص، وكيف يتصور فناء الشخص مع بقاء بعضه؟!
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وقيل: أراد به: الأولاد والأعقاب، وهذا وجه لولا قوله: (واجعله الوارث منا) [٢٤].
فإن رد الضمير إلى أحد الأشياء الثلاثة المذكورة أو إلى سائرها غير مستقيم، وقد ذكر أبو سليمان الخطابي في ذلك وجهين، ولكن لفظ الحديث الذي أوله على غير لفظ هذا الحديث، فإنه أو الحديث الذي يقول فيه: (اللهم عافني في سمعي بصري ما أبقيته، واجعله الوارث مني) ثم قال في قوله: (واجعله): إنه رد الضمير إلى واحد منهما، والعرب تفعل ذك، وقال فيه وجهًا آخر، فقال: كل شيئين تقاربًا في معنييهما: فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر.
قلت: ولفظ الحديث الذي نحن نتكلم فيه غير محتمل لأحد الوجهين على ما بينا، وقد روى هذا الحديث- أيضًا- عن النبي - ﷺ - من غير الوجه الذي أوردناه وهو قله - ﷺ -: (اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني).
قلت: وقد ذهب بعض العلماء في تأويله أنه أراد بالسمع والبصر: أباب بكر وعمر﵄- واستدل بقوله: (لا غنى بي عنهما)؛ فإنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر من الرأس، وبقوله: (هذان بمنزلة السمع والبصر) قالوا: فكأنه - ﷺ - دعاء بأن يمتع بهما في حياته، وأن يرثاه بعد وفاته.
وأبى جمع من العلماء أن يكن لهذا الحديث تأويل غير ذلك، ولا مرد عليهم، فإن هذا الحديث حديث صحيح، والتأويل مستقيم؛ غير أن الحديث على ما في (كتاب المصابيح) لا يحتمل ذلك، ولا نجد عنه مخلصًا إلا من فرد وجه، وهو أن نقول: الضمير في قوله: (واجعله) راجع إلى التمتع الذي دل عليه قوله: (متعنا) والتقدير: متعنا، واجعل تمتعنا به الوارث منا، ويكون (الوارث منا) على أحد المعنيين: الباقي بعدنا؛ لأن وارث المرء لا يكون إلا الذي يبقى بعده، ومعنى بقائه: دوامه إلى يوم الحاجة إليه، أو الذي يرث ذكرنا فنذكر به بعد انقضاء الآجال وانقطاع الأعمال، وهذا المعنى شبيه بسؤال خليل الرحمن- صلوات الله عليه- ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾.
وفيه: (وجعل ثأرنا على من ظلمنا):
الثأر والثورة [الذحل]، والأصل فيه: الحقد والعداوة، يقال: ثأرت القتيل، وبالقتيل، أي: قتلت قاتله، والثائر: الذي لا يبقى على شيء حتى يدرك ثأره، والحديث محتمل لمعنيين.
أحدهما: اجعل إدراك ثأرنا على من ظلمنا، فندرك ثأرنا منهم، ويكون في معنى قوله: (وانصرنا على من عادانا).
والآخر: لا تجعلنا [٢٥] ممن إذا ظلم تعدى على جانيه في إدراك ثأره بنوع من التعدي؛ كما كان معهودًا من أهل الجاهلية، فيرجع ظالمًا بعد أن كان مظلومًا، بل صبرنا على ما أصابنا، وأجرنا من التعدي حتى يكون الثأر لنا عليه لا له علينا.
[ ٢ / ٥٨٥ ]