(من الصحاح)
[٣١٠] حديث السائب بن يزيد﵁- (ذهبت بي خالتي إلى النبي - ﷺ -) الحديث. أبو السائب هو يزيد بن عبد الله الكناني وهو صحابي وخالته هي أخ النمر بن قاسط الكندي، ولم يقيض لنا الوقوف على اسمها فيما انتهى إلينا من كتب أصحاب الحديث.
وفيه وجه الوجع المرض، وجع فلان يوجع وييجع وياجع فهو وجع أي: مريض
وفيه (فنظرت إلى خاتم النبوة مثل زر الحجلة) خاتم النبوة طابعه الذي ختمت به النبوة وسمي أيضا خاتما؛ لأنه كان يصون النبوة عن فرية المفترين صيانة الخاتم للكتاب وقد كان علما من أعلام نبوته مذكورا في الكتب المنزلة و(زر الحجلة) الرواية بتقديم الزاي المنقوطة على (٥٦/أ) الراء المهملة المشددة، والحجلة بتحريك الجيم، فذهب قوم إلى أن المراد به واحد الأزارار التي تشد على ما يكون في حجال العرائس من الكلل والستور ونحوها، وهذا وصف مستبعد من طريق البلاغة قاصر في فن التشبيه والاستعارة ثم إنه لا يلائم الأحاديث التي ذكرت في وصف خاتم النبوة، وذهب آخرون إلى أن المراد منه بيضة الحجلة، بتسكين الجيم والذكر منها يقال له يعقوب، وهي القبجة وهذا القول يوافق بعض الأحاديث التي وردت في هذا الباب ويقارب بعضها غير أن الزر بمعنى البيضة لم يوجد في كلام العرب، وقال إبراهيم بن حمزة: إنما هو
[ ١ / ١٥٩ ]
رز بتقديم الراء المهملة يعني أنه مأخوذ من قولهم رزت الجرادة وهو أن تدخل ذنبها في الأرض فتلقى بيضها، وهذا أشبه لما في الحديث (مثل بيضة الحمامة) ولا تباعد بين اللفظين في التشابه إلا أن الرواية لم تساعده، ومما روى في وصف خاتم النبوة حديث عائشة﵂- (كان مثل التينة يضرب إلى الدهمة مما يلي الفقار من أصله كتفه اليمنى) وحديث أبي سعيد الخدري﵄- فيما سأله أبو بصرة (كان بضعة ناشرة) وحديث جابر بن سمرة﵁- (كان خاتم رسول الله - ﷺ - يعني الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمام) وحديث عبد الله بن سرجس﵁- (كان مثل الجمع يعني: الكف حوله حيلان كأنها كأنها الشآليل على نغض كتفه)، وحديث عبد الله بن جعفر ﵄ (كان شعرات مستطيرات متفرقات كأنهن في عرف فرس) وفي حديث العبد الصالح بحيرا الراهب (كأنه تفاحة أسفل من غضروف كتفه) فهذه جوامع ما وجدناه في وصف خاتم النبوة وهي مبينة لما أخبرنا عما قيل في زر الحجلة.
(ومن الحسان)
[٣١٢] حديث أبي سعيد الخدري﵁- (قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة) الحديث. بضاعة دار بني ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج، وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها، والمحفوظ في الحديث الضم، وقد حكى عن بعضهم بالصاد المهملة، وليس ذلك بالمحفوظ.
وفيه (وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن) الحيض جمع حيضة بكسر الحاء وهي الخرقة التي تستثفرها المرأة في المحيض، ومنه حديث عائشة﵂- (ليتني كنت حيضة ملقاة) وتسمى تلك الخرقة أيضا، المحيضة، والنتن: الرائحة (٥٦/ب) الكريهة، وقد نتن الشيء وأنتن منتن، وأراد به ههنا الشيء المنتن، كالعذرة والجيفة، ووجه قول القائل: يلقى فيها، هو لأن البئر كانت بمسيل من بعض
[ ١ / ١٦٠ ]
الأودية التي تحل بها البادية، فتلقى تلك القاذورات بأفنية منازلهم، فإذا جاء السيل وكسح الوادي، احتمل الحيض والنتن ولحوم الكلاب فأنهت بها إلى البئر، فعبر السائل عن ذلك بقوله على وجه يوهم أن الإلقاء كان من الناس، وأن الناس كانون لا يتدينون بصيانة الماء عن العذر والنتن، وهذا مما لا يجوزه مسلم؛ بل لا يرتضيه المجوس وعبدة الأوثان. وقد جرت العادة بخلاف ذلك في الناس مسلمهم وكافرهم، فأني يظن ذلك بمن هم أفضل القرون وأزكاهم وأطهرهم، وعلى هذا النحو فسره أبو سليمان الخطابي.
وفيه: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) اللام فيه للعهد، أي الماء الذي وقع السؤال عنه طهور لا ينجسه شيء؛ لكثرته ثم لكونه في حكم المياه الجارية، فإن السيل إذا ألقى في مثل تلك البئر قذرا ونتنا ثم طفح عليها، احتمل بعيابه ما ألقى فيها، فلا يسلب إذا من ذلك الماء حكم الطهورية.
[٣١٦] ومنه: حديث أبي قتادة﵁- الذي ترويه كبشة بنت كعب وكانت تحت ابن أبي قتادة وهو عبد الله، وفي اسم أبي قتادة اختلاف كثير وهو مشهور بكنيته، وهو أبو قتادة بن ربعي الأنصاري السلمي فارس رسول الله - ﷺ -.
وفيه: (إنها ليست بنجس) قال أبو جعفر الطحاوي: يحتمل أنه أراد أنها ليست بنجس في كونها في البيوت هو في مماستها الثياب لا في طهارة سؤرها، والذي يدل على طهارة سؤرها من هذا الحديث فعل أبي قتادة، وقد خالفه في ذلك ابن عمر وأبو هريرة وجمع من علماء التابعين.
وذكر أبو جعفر في حديث عائشة ﵂: (رأيت النبي - ﷺ - يتوضأ بفضلها) أن مداره على أم داود بن صالح وليست هي من ذوي الرواية بمكان يؤخذ عنها أمثال ذلك.
وقد استدل أيضا بحديث جابر﵁-: (نهى النبي - ﷺ - عن ثمن الكلب والسنور) وإنما تكلم على هذا النمط بناء على ما كان يذهب إليه من مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، ونظرا لأنها تأكل الميتة، وأما أصحاب الحديث، وكثير من أهل الاجتهاد فإنهم يذهبون إلى طهارة سؤرها لهذا الحديث، وجوابهم عن التأويل الذي ذكرناه عن الطحاوي هو أن الصحابي بين معنى الحديث بالعمل، والصحابي أعرف. [٥٧/أ] بتأويل ما يرويه، ولكل وجهة هو موليها.
وفيه: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، قال أبو الهيثم: الطائف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية، وجمعه الطوافون. قال الخطابي: ويجوز أن تكون شبيهة بالطوافين من ذوي الحاجة والمسكنة لطلب الرزق، والمراد منه التنبيه على الرفق بها واحتساب الأجر في مواساتها.
[ ١ / ١٦١ ]
قلت: ويحتمل أنه قال هذا القول على وجه البيان، لقوله: (إنها ليست بنجسة) والمعنى أنها تطوف عليكم في منازلكم ومساكنكم [فتمسحونا بأيديكم] وثيابكم، ولو كانت نجسة لأمرتم بالمجانبة عنها والاحتراز عن مماستها وتخلية البيوت عنها، وهذا المعنى أشبه بنسق الكلام.
[٣١٧] ومنه حديث جابر﵁-: (سئل رسول الله - ﷺ -: أنتوضأ بما أفضلت الحمر الحديث) أفضلت، أي: أبقت من فضالة الماء الذي تشربه، وهو مثل أسأرت من السؤر. قلت: وأصحاب الحديث لم يذهبوا إلى العمل بهذا الحديث ذهابهم إلى العمل بحديث أبي قتادة، وذلك لمكان اختلافهم في الجرح والتعديل. فربما كان الحديث ثابتا عند قوم متروكا عند آخرين. وكلمة (بما) في الموضعين بمعنى بالذي وقد رواه بعض الناس بالمد في الموضعين ولا أراه إلا تصحيفا.