(من الصحاح)
[٧١٤] قوله - ﷺ - في حديث ابن عمر﵁-: (لا يتحرى أحدكم) الحراة والساحة والعقوة الناحية، وكذلك الحرى بالقصر وفتح الحاء، يقال حريت الشيء أي قصدت جانبه، وكذلك تحريت، وتحرى فلان بالمكان ليتمكث، وفلان يتحرى الأمر أي: يتوخاه ويقصده، ومنه قوله تعالى: ﴿فأولئك تحروا رشدا﴾ أي توخوا وعمدوا. ويحدث الرجل فيقول: بالحرى أن يكون كذا، وهذا الأمر محراة لذلك أي: مقمنة، مثل محجاة، وما أحراه مثل ما أحجاه، وأحر به مثل أحج به، ويقال: هو حري
[ ١ / ٢٧٩ ]
أن يفعل كذا، مفتوحة الراء منونة: أي خليق وجدير، وهذا لا يثنى ولا يجمع، ويقال: هو حر بكسر الراء، وحرى على فعيل، ولهذا يثنى ويجمع، ومن الحرى اشتق التحري في [الأناين] ونحوهما، وهو طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن، كما اشتق التقمن من القمن، فلفظ الحديث محتمل لوجهين:
أحدهما: التحري بمعنى التوخي والقصد، أي لا يقصد الوقت الذي تطلع فيه الشمس أو تغرب، ويتوخاه فيصلي فيه.
والآخر: التحري بمعنى طلب ما هو أحرى بالاستعمال، أي لا يصلي في ذلك الوقت ظنا منه أنه قد عمل بما هو الأحرى، والأول أوجه وأبلغ في المعنى المراد منه؛ لأنه دال على النهي عن الصلاة في الوقتين على الإطلاق، والثاني مشعر بالنهي عن الصلاة فيه على وجه التحري، وفي معنى الوجه الأول قوله - ﷺ - في رواية: (ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها).
يقال: حينت الشيء: أي جعلت له حينا، وأحينت بالمكان: أي أقمت به حينا، وحينت الناقة: إذا جعلت لها في كل يوم وقتا تحلبها، وبمعناه جاء التحين، ومنه الحديث: (تحينوا نوقكم) وقد فسر فقيل: هو أن تحلبها [٩٨ م/ب] مرة واحدة في وقت معلوم. ومعنى قوله: (لا تحينوا بصلاتكم) أي لا تجعلوا ذلك الوقت حينا للصلاة، بصلاتكم فيه، يقال: تحين الوارش إذا انتظر وقت الأكل ليدخل. وعلى هذا فالمعنى: لا تنتظروا بصلاتكم حين طلوع الشمس، ولا حين غروبها، وبين القضيتين- أعني قضية الواغل الذي يدخل إلى الطعام لم يدع إليه، وقضية من يصلي في وقت لم يؤذن له فيه- مناسبة لا تخفى على من تدبرها.
وقد جاء التحين بمعنى ترقب الحين، ومنه حديث ابن عمر﵄-، حين سئل عن وقت رمي الجمار؟ (قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا).
[٧١٥] ومنه قول عقبة بن عامر في حديثه الذي يرويه عن النبي - ﷺ -: (وحين يقوم قائم الظهيرة) أي تقوم الشمس وقت الزوال. قال الأزهري: هو من قولهم: قامت به دابته أي: وقفت، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ أي وقفوا قال: وسمعت العرب تقول للدابة إذا أفلتت: قومي قومي، أي: قفي. قلت: والمعنى: الشمس إذا بلغت كبد السماء في أوان امتداد النهار في الطول لا تزول إلا بعد ريث وبطوء في مدرك الحس، فيقال: قام قائم الظهيرة، فيحسب المتأمل أنها وقفت وقفة؛ ولا وقوف لها في الحقيقة، فأحرى لفظ القيام على حسب ما يخيل إلى الناظر إليها.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وفيه: (وحين تضيف الشمس): أصل الضيف: الميل، يقال: ضفت إلى كذا، وأضفت كذا إلى كذا، وضافت الشمس للغروب وتضيفت، وضضاف السهم عن الهدف يضيف، وسمى الضيف ضيفا لميله إلى الذي ينزل عليه.
[٧١٧] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث عمرو بن عبسة السلمي﵁: (فإن الصلاة مشهودة
[ ١ / ٢٨١ ]
محضورة): أي يشهدها ويحضرها أهل الطاعة من سكان السموات والأرضين وفي غير هذه الرواية عن عمرو بن عبسة: (مشهودة مكتوبة) أي: يشهدها الملائكة، فيكتب أجرها للمصلين، وهذه الرواية أبلغ في المعنى لما فيها من التنبيه على أن الصلاة المتقبلة المثاب عليها ما أقيمت في تلك الساعة المشهودة فيها، وأن ما أقيمت منها في الأوقات المنهي عنها لا يكتب لها ثواب، ولا يرفع لها ميزان.
وفيه (حتى يستقل الظل بالرمح)،كذا وجدناه في سائر نسخ المصابيح، وفيه تحريف، وصوابه: حتى يستقل فيه، وكنت أرى أن الغلط وقع في المصابيح حتى رأيته في بعض نسخ كتاب مسلم على هذا (٩٩/أ) الوجه، فعرفت أن الاختلاف فيه من بعض الرواة. وقد ذكر الحافظ أبو موسى في كتابه الموسوم بمجموع المغيث ولفظه: (حتى يستقل الرمح بالظل) وعلى نقله كل المعول، وذكر في تفسيره أن (استقل) هاهنا بمعنى (قل)، وذكر كلاما حاصله: أن المراد منه أن ظل الرمح يرجع إلى أدنى غاية النقصان وذلك وقت الزوال. والمراد: المعنى صحيح ولكن في تفسير الاستقلال على معنى القلة كلام؛ لأنه لم يوجد في كلامهم وأراه قد نقله عن بعض الحفاظ ولم يأت فيه بحجة واستشهاد، قلت: وإنما يستعمل الاستقلال على وجوه:
أحدها: استقله إذا عده قليلا كقولهم.
والثاني: استقلت السماء أي: ارتفعت وربما قيل: تقالت، ومنه الحديث (حتى تقالت الشمس) أي: ارتفعت في السماء كذا فسروا.
الثالث: استقل القوم أي: ارتحلوا ومضوا ومعناه راجع إلى الاستقلال الذي هو بمعنى الارتفاع ومنه قولهم أيضا: استقل بالشيء إذا رفعه وحمله.
ومعنى قولهم: (يستقل الرمح بالظل) أي: يرفع ظله من الأرض وهو على المجاز والاتساع كقولهم: ألقت الشجرة ظلها ورفعته، ومن المعلوم أن المراد من الاستقلال في هذا الحديث أن الظل يرفع بارتفاع الشمس إلى أن تبلغ في الزوال ويتفاوت ذلك في البلدان على حسب قربها وبعدها من خط الاستواء بتفاوت ارتفاع الشمس وانحطاطها في مجاريها من الفلك.
ووجه اختصاص الرمح بالذكر في بيان الزوال- والله أعلم- أن القوم في غالب أمرهم كانوا يسكنون البوادي ويستقيلون المفاز فإذا أرادوا معرفة الوقت ركزوا رماحهم في الأرض، ثم إن الرمح أصلح شيء لذلك لاستوائه واعتداله وامتداد ظله، وقد روي هذا الحديث بطرق مرضية على غير هذا السياق فرواه أبو داود وفيه روايته (حتى يعدل الرمح ظله)، ومعناه: حتى يصرفه عن النقصان إلى الاستواء الذي لا نقصان بعده.
وفي كتاب النسائي (حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار) وكل هذه الألفاظ راجعة إلى معنى واحد، وإنما وقع الاختلاف في ألفاظ الحديث من جهة الرواية بالمعنى من قبل الرواة ومن قبل الصحابي لأنه تحدث به كرة بعد وأخرى فاختلفت ألفاظه على حسب ذلك.
[ ١ / ٢٨٢ ]
(ومن الحسان)
[٧٢٠] حديث جبير بن مطعم﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال: (يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر الناس شيئا (٩٩ م/ب) الحديث) أورد أبو داود هذا الحديث في باب الدعاء، فرأى معنى قوله: صلى أي: دعا أي ساعة شاء، وقد استدل بظاهره من جوز الصلاة بمكة في الأوقات المنهية، مع اختلاف أقاويل الصحابة في المنع والجواز، فمنهم من لا يجوز ذلك أصلا، منهم عمر بن الخطاب﵁- طاف بالبيت بعد الصبح فلم يركع، فلما صار بذي طوى وطلعت الشمس صلى ركعتي الطواف. وقد روي ذلك عن معاذ بن عفراء وغيرهم. ومنهم من يرى للطائف أن يصلي ركعتي الطواف بعد العصر قبل اصفرار الشمس، وبعد الصبح قبل طلوع الشمس، ولا يرى ذلك في الساعات الثلاث منهم ابن عمر﵁- وقد اختلف عليه في ذلك، ومنهم من يجوزه في سائر الأوقات، منهم أبو الدرداء﵁- وقد روى عنه عبد الله بن باباه أنه طاف بعد العصر، وصلى قبل مغارب الشمس، فقال له عبد الله: أنتم أصحاب محمد - ﷺ - تقولون: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؟! فقال: إن هذا البلد ليس كسائر البلدان. قلت: ولم يكن أحد منهم ليذهب إلى ما ذهب إليه إلا وعنده متمسك، وإن كان بعضه أقوى من بعض وبعضهم أولى من بعض.
وأما هذا الحديث فإن الاحتجاج به- في الصلاة بمكة في الوقت الذي نهى عنه أن يصلى فيه- هين لين، وإنما كان الاستدلال يصح به أن لو كان المنع المنهى عنه من أجل الصلاة في الأوقات المكروهة وليس الأمر على ذلك.
ووجه الكلام ومجمله إنما يعرف من أصل القضية وصيغة الحادثة، وهذا الأمر إنما صدر عن النبي - ﷺ -؛ لأن بطون قريش وعمائرها كانوا يسكنون حوالي المسجد محدقين به، ولكل بطن منهم باب يدخل منه المسجد وإلى الآن له أبواب تنسب إليهم، كباب بني شيبة، وباب بني سهم، وباب بني مخزوم، وباب
[ ١ / ٢٨٣ ]
بني جمع، وكان من وراءهم من حلا الحرم والقادمين عليهم يمرون عليهم إذا دخلوا المسجد فربما أغلقوا تلك الأبواب إذا جن عليهم الليل فلم يستطع الزائر أن يجوس من خلال ديارهم في هجعة من الليل فيدخل المسجد فيطوف بالبيت؛ فأعلمهم النبي - ﷺ - أن ليس لهم أن يصنعوا هذا الصنيع وأن يمنعوا عباد الله عن منسكهم ويحولوا بينهم وبين متعبدهم، وأباح للزائرين التمتع بالبيت المبارك في سائر الأوقات ونهى أصحاب الديار الواقعة حوله أن يحتجزوا دورهم، فموقع قوله - ﷺ -: أي وقت شاء من ليل أو نهار هو المعنى الذي ذكرناه لإباحة الصلاة في أوقات نهينا عن الصلاة فيها.
قلت: وإنما خص بني عبد مناف بهذا الخطاب دون بطون قريش لعلمه بأن ولاية الأمر متأول إليهم، مع أنهم كانوا رؤساء مكة وساداتها وفيهم كانت السدانة والحجابة واللواء والسقاية والوفادة؛ فخصهم بالخطاب ليمتنعوا بأنفسهم عن هذا الصنيع، ويأخذوا على يدي من يبتغيه، ويحتمل أنه أشفق عليهم من الابتداع بمنع الناس عن الطواف ليخلو لهم المطاف والبيت؛ فحذرهم عن ذلك، وقد كان الأمراء من بني مروان ومن حج من الخلفاء من بني العباس يصنعون ذلك.
قلت: وهذا القول إن كان صدر عن النبي - ﷺ - زمن الفتح فالأظهر أنه أشار به إلى الذي أراد أن يوليه أمر مكة، وهو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، استعمله رسول الله - ﷺ - على مكة، حين خروجه إلى حنين فلم يزل أميرا عليها حتى قبض رسول الله - ﷺ - والخليفة من بعده، فتوفي بمكة يوم توفي الصديق بالمدينة.