(من الصحاح)
[٨٥] حديث أنس أن النبي - ﷺ - قال: (إذا وضع العبد في قبره .. الحديث) فمنه قوله: - ﷺ -: (فيقعدانه) الأصل فيه أن يحمل على الحقيقة، على حسب ما يقتضيه الظاهر، ويحتمل أن يراد به التنبيه لما
[ ١ / ٧٠ ]
يسأل عنه والإيقاظ عما هو فيه [١٩/ أ] بإعادة الروح المميز الإنساني إليه، كالنائم الذي يوقظ، ومن الجائز أن يقال: أجلسته عن نومه أي: أيقظته عن رقدته، على المجاز والاتساع؛ لأن الغالب من حال النائم إذا استيقظ أن يجلس، فجعل الإجلاس مكان الإيقاظ، والظاهر أن بعض الرواة جعل الإقعاد بدل الإجلاس في روايته بالمعنى؛ لأن الحديث ورد بهما ففي هذا الحديث: (فيقعدانه) وفي حديث البراء (فيجلسانه) وهذا اللفظ أولى اللفظين بالاختيار؛ لأن الفصحاء إنما يستعملون القعود في مقابلة القيام، فيقولون القيام والقعود، ولا يسعهم أن يقولوا القيام والجلوس، يقال: قعد الرجل عن قيام، وجلس عن ضجعة واستلقاء، وقد حكى أن النضر بن شميل دخل على المأمون عند مقدمه مرو، فمثل بين يديه وسلم، فقال المأمون: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، لست بمضطجع فأجلس، قال: فكيف أقول؟ قال: قل: اقعد.
فعلى هذا، المختار من الروايتين هو الإجلاس؛ لما أشرنا إليه من دقيق المعنى وفصيح الكلام، وهو الأحق والأجدر ببلاغة الرسول - ﷺ - ولعل الاختلاف وقع في اللفظين من بعض من روى الحديث بالمعنى، فظن أنهما ينزلان في هذا الموضع من المعنى بمنزلة واحدة.
ومن هذا الوجه أنكر كثير من السلف رواية الحديث بالمعنى خشية أن يزل في الألفاظ المشتركة، فيذهب عن المعنى المراد جانبا.
قوله - ﷺ - (لا دريت ولا تليت) هكذا يرويه المحدثون، والمحققون منهم على أنه غلط، والصواب مختلف فيه، فمنهم من قال: صوابه: لا أتليت- ساكنة التاء، دعا عليه بأن لا تتلى إبله. أي: لا يكون لها أولاد تتلوها، فهذا اللفظ على هذه الصيغة مستعمل في كلامهم، لا يكاد يخفى على الخبير باللغة العربية، فإن قيل: هذا الدعاء لا يناسب حال المقبور؛ قلنا: الوجه أن يصرف معناه إلى أنه مستعار في الدعاء عليه بأن لا يكون لعمله نماء وبركة. وقال بعضهم: أتلي: إذا أحال على غيره، وأتلى: إذا عقد الذمة والعهد لغيره. أي: ولا ضمنت وأحلت بحق على غيرك، لقوله: (سمعت الناس) ومنهم من قال: (لا ائتليت) على أنه افتعلت، من قولك: ما ألوت هذا، فكأنه يقول: لا استطعت، ومنهم من قال: (تليت) أصله: تلوت، فحول الواو ياء لتعاقب الياء في دريت.
قوله - ﷺ - (يسمعها من يليه غير الثقلين) إنما صار الثقلان/ ١٩ ب عن سماع ذلك بمعزل لقيام التكليف ومكان الابتلاء، ولو سمعوا ذلك لارتفع الإيمان به ضروريا، فأخفى عنهم ذلك؛ كيلا يفوتهم حظهم من الإيمان بالغيب.
[ ١ / ٧١ ]
[٨٦] ومنه قوله - ﷺ - في حديث ابن عمر ﵄: (إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة) تقدير الكلام: إن كان من أهل الجنة مقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه، وفيه (حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) والهاء ترجع إلى المقعد، ويجوز أن يعود الضمير إلى الله تعالى، هذا لفظ المصابيح.
وقد روى أيضا في الأحاديث الصحاح: (حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة) أي هذا مستقرك إلى يوم القيامة، ويجوز أن يكون التقدير: حتى يبعثك الله إلى محشر يوم القيامة، فحذف المضاف.
[٨٧] ومنه حديث عائشة ﵂ فما رأيت رسول الله - ﷺ - بعد صلى صلاة، إلا تعوذ من عذاب القبر) فالشكل من هذا الحديث: أنا لا ندري: أكان النبي - ﷺ - يعلم ذلك ولا يتعوذ أم كان يتعوذ ولم تشعر به عائشة، أو سمع ذلك فتعوذ منه، ولقد وجدت في مسموعات أبي جعفر الطحاوي أن النبي - ﷺ - سمع يهودية في بيت عائشة تقول: إنكم تفتنون في القبور فارتاع رسول الله - ﷺ - وقال: (إنما تفتن يهود) قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله - ﷺ - (أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور) فلو صح هذا لذهبنا إلى أنه - ﷺ - توقف في شأن أمته في فتنة القبر، إذ لم يوح إليه شيء، فلما أوحي إليه تعوذ منه، ووجدنا في حديث آخر، أن عائشة﵂- قالت: فلا أدري: أكان رسول الله - ﷺ - يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به أو تعوذ لقول اليهودية) فعلى هذا يحتمل أنه كان يتعوذ ولم تشعر به عائشة﵂- فلما رأى استغرابها لهذا القول وتعجبها منه أعلى بالتعوذ؛ ليترسخ ذلك في عقائد أمته، ويكونوا من فتنة القبر على خيفة، والله أعلم.
[٨٨] ومنه قوله - ﷺ - في حديث زيد بن ثابت﵁-: (لولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر) هذا كلام مجمل، والذي يسبق منه إلى الفهم هو: أنهم لو سمعوا ذلك لتركوا التدافن؛ حذرا من عذاب القبر. وفي هذا المعنى نظر؛ لأن المؤمن لا يليق به ذلك، بل يجب عليه
[ ١ / ٧٢ ]
أن يعتقد أن الله تعالى إذا أراد تعذيب أحد عذبه، ولو في بطون الحيتان وحواصل الطيور، وسيان دون القدرة الأزلية بطن الأرض/ ٢٠ أوظاهرها، وبعد ذلك فإن المؤمنين أمروا بدفن الأموات، فلا يسعهم ترك ذلك، إذا قدروا عليه، والذي نهتدي إليه- بمقدار علمنا ومبلغ فهمنا- هو أن الناس لو سمعوا ذلك، لهم كل واحد منهم خويصة نفسه، وعمهم من ذلك البلاء العظيم، حتى أفضى بهم إلى ترك التدافن، وخلع الخوف أفئدتهم، حتى لا يكادوا أن يقربوا جيفة ميت.
ويحتمل وجها آخر: وهو أن الأحياء مازالوا يوارون سوءات الأموات طبعا وجبلة، ثم ندبوا إلى ذلك شرعا وملة، فلو سمعوا صياح المعذبين، لكان فيهم من يحمله العصبية وخوف الفضيحة في ذويه وقرابته على أن ينبذهم بالعراء؛ لئلا يخبر عن حالهم مخبر، فإن القبور كالمنازل، لا تكاد تدرس معالمها، أو تنسى مواضعها.
[٨٩] ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (إذا قبر الميت؛ أتاه ملكان أسودان أزرقان الحديث) يحتمل أن يكون (أسودان) على الحقيقة؛ لما في لون السواد من الهول والنكر،
[ ١ / ٧٣ ]
ويحتمل أن يكون كناية عن قبح المنظر، وفظاعة الصورة، يقال (كلمت) فلانا فلا رد على سوداء ولا بيضاء، أي: كلمة قبيحة ولا حسنة، وأما (أزرقان) فليس المراد منه الزرقة فحسب، بل المراد منه وصفهما بتقليب البصر فيه، وتحديد النظر إليه، يقال: زرقت عينه نحوي: إذا انقلبت وظهر بياضها، ولهذا يوصف العدو بالزرقة، فيقال: أسود الكبد، أزرق العينين؛ لأن من عادة العدو إذا نظر إلى من يبغضه ويعاديه- أن ينظر إليه شذرا؛ بحيث تنقلب عينه ويظهر بياضها، وقد ذهب بعضهم إلى أن العرب إنما وصفوا الأعداء بالزرقة؛ لأن الروم أعداؤهم وهم زرق العيون، والتعليل الذي ذكرنا أوجه، ثم إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب، والعين إذا (ذهب أزرقت)، قال الله تعالى ﴿يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا﴾ أي: عميا عيونهم لا نور لها، ويجوز أن يكون وصفهما بالعمى، والدليل عليه قوله - ﷺ - في حديث آخر: (أبيض أعمى أصم) قوله: (نم كنومة العروس) العروس: نعت يستوي فيه الرجل والمرأة، ما داما في أعراسهما، يقال: رجل عروس، ورجال عرس وامرأة عروس، في نساء عرائس.
ومنه الحديث: (كان رسول الله - ﷺ - عروسا بزينب) وإنما ضرب المثل بنومة العروس؛ لأن الإنسان أعز [٢٠/ ب] ما يكون في أهله وذويه، وأرغد وأنعم وهو في ليلة الأعراس، وفي أمثالهم: (كاد العروس أن يكون أميرا).
[ ١ / ٧٤ ]
ومنه قوله - ﷺ - في حديث البراء بن عازب﵁-: (فأفرشوه من الجنة) فأفرشوه: بألف القطع، أي: اجعلوا له فرشا من فرش الجنة، ولم نجد الإفراش على هذا المعنى في المصادر، وإنما هو أفرش، أي: أقلع عنه وأقفل فأفرش [بهذا] اللفظ من الباب القياسي، الذي ألحق الألف بثلاثيه، ولو كان من الباب الثلاثي، لكان من حقه أن يروى بألف الوصل، والمعنى: ابسطوا له، ولم نجد في الرواية إلا بالقطع.
قوله - ﷺ -: (ويفتح له مد بصره) أي: مداه، وهي الغاية التي ينتهي إليها البصر، فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله: (ويفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين) وبين قوله: (فيفتح له مد بصره) قلنا: إنما عبر بقوله: (ويفسح له) عند توسيع مرقده عليه، وبقوله: (ويفتح له مد بصره) عما يعرض عليه وينظر إليه من رياض الجنة ومروجها، ويحتمل أن يكون الكلمتان عبارة عن فسحة القبر، ويكون الفسحة المقدرة بالأذرع لعوام المؤمنين، وذلك أدناها، والفسحة مد البصر لخواص عباد الله الصالحين، فالأول إخبار عن مبدأ الرتبة، والثاني عن منتهاها.
قوله - ﷺ -: (فيقيض له أعمى أصم معه مرزبة) يقيض: أي يقدر، وأصل الكلمة من القيض، وهو: القشر الأعلى من البيض، فقولك: قيض الله لي فلانا. أي أتاحه، فاستولى على استيلاء القيض على البيض، وأما (أعمى أصم) أي: من لا يرى عجزه فيرحمه، ولا يسمع عويله فيرق له، وأما (المرزبة) فإن المحدثين يشددون الباء منها، والصواب تخفيفه، وإنما يشدد الباء، إذا أبدلت الهمزة من الميم، وهي الإرزبة، وهي التي يكسر بها المدر، وأنشد الفراء:
ضربك بالمرزبة العود النخر
[٩٣] ومنه حديث أبي سعيد الخدري﵁- عن النبي - ﷺ - قال: (يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا .. الحديث) التنين: ضرب من الحيات والوقوف على فائدة التخصيص في تسع وتسعين على الحقيقة، إنما يحصل بطريق الوحي، ويتلقى من قبل الرسول - ﷺ - ثم إنا نجد وجها من جهة الاحتمال، وهو أن نقول: قال النبي - ﷺ -: (إن لله تسعة وتسعين اسما الحديث) وقال - ﷺ -: (إن لله تعالى مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة، بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده)
فتبين لنا من الحديث الأول أن الله- تعالى- بين لعباده معالم معرفته بهذه الأسماء، وعرفنا من
[ ١ / ٧٥ ]
الحديث الثاني: أن ما خص الله به المؤمنين من رحمته في الآخرة، بالنسبة إلى ما عم به الخلائق من رحمته في الدنيا نسبة تسعة وتسعين جزءا إلى الجزء الأول من جزء واحد، والكافر حيث كفر بالله، ولم يؤد حق العبودية في هذه الأسماء، ولا في بعضها، حرم الله عليه أقسام رحمته في الآخرة، المعبر عنها بتسع وتسعين، فجعل الله مكان كل عدد في هذه الأعداد تنينا يسلط عليه في قبره، وإن ذهب ذاهب إلى أن النبي - ﷺ - عبر عما يلحق به من التبعات، وينزل به من المكروهات بالتنانين، ففيه من طريق العربية مساغ، على وجه المجاز والاتساع، ولكن الأخذ بالظواهر في أمثال هذا الحديث أولى بأولي الألباب حتى تتبين الحقيقة عن المجاز، وأما استحالة أن يكون ذلك على الحقيقة ومدافعته من طريق المعقول، فإنه سبيل من لا خلاق له في الدين، والله يعصمنا من عثرة العقل وفتنة الصدر، ويسلك بنا محجة الكتاب والسنة.