(من الصحاح)
[١٣١٤] حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)
[ ٢ / ٤٥٠ ]
سئل بعض السلف عن معناه فقال: ما فضل عن العيال. وكأنه أراد بذلك المعنى المراد منه ولم يدع لفظ الحديث بتفسيره هذا على منهاج واضح. وقد فسره الخطابي فقال: أي عن غني يعتمد عليه ويستظهر به على النوائب التي تنوبه لقوله في حديث آخر: (خير الصدقة ما أبقت غنى).
قلت ولم يصدر عن قوله هذا من رى لأنا وجدنا النبي - ﷺ - حمد صنيع أبي بكر﵁- لما انخلع من ماله أجمع ولما سأله عما أبقي لنفسه فقال: الله حمد ذلك ولما سئل عن أفضل الصدقة قال: (جهد من مقل) فلو حملنا الحديث على الجدة وكثرة العرض انتهي بنا إلى القول بالتضاد والتضاد والتناقض في تلك الأحاديث ونظائرها. والسبيل في السنن الثابتة لا يضرب بعضها ببعض فيوهن بعضها ببعضا، بل يأول كل منها على منوال يشد بعضه بعضا.
فنقول وبالله التوفيق: (عن ظهر غني) عبارة عن تمكن المتصدق عن غني ما وذلك مثل قولهم: هو على ظهر سير وراكب متن السلامة وممتط غارب العز ونحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها عن التمكن من الشيء والاستواء عليه، وإنما قلنا عن غني ما لمجيئه في الحديثين منكرا، وإنما لم يأت به معرفا ليفيد أحد المعنيين في إحدى الصورتين أما استغناءه عما بذل بسخاوة النفس وقوة العزيمة ثقة بالله سبحانه كما كان من أبي بكر﵁ [١٥٤/ب] وأما استغناءه بالعرض الحاصل في يده فبين النبي - ﷺ - بقوله
[ ٢ / ٤٥١ ]
هذا أن لابد للمتصدق من أحد الأمرين: إما أن يستغني عنه ماله أو يستغني عنه بحاله وهذا أفضل اليسارين لما ورد في الحديث الصحيح: (ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس) ألا ترى كيف رد على المتصدق جاءه بمثل بيضة من ذهب؛ فقال يا رسول الله - ﷺ -. (أصبت هذه من عدن فخذها فهي صدقة ما املك غيرها فأعرض عنه) الحديث بطوله .. فعلم النبي - ﷺ - من قوله: (ما أملك غيرها) خلو يده عن المال، وعرف بالفهم الذي أتاه الله أو بغير ذلك من أسباب التأييد السماوي والتعريف الإلهي فقر النفس وقلة الصبر وضعف العزيمة منه، ولهذا قال: (يأتي أحدكم بما يملكه يقول هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس) أي: يأخذ الصدقة ببطن كفه وهو كناية عن التصدي للسؤال، فكره له التخلي عن ذات يده مع وجود تلك العلل، وأمره أن تصدق إلا وهو على حال من الغنى ويبدأ إذا تصدق بمن يعوله يقال: عال الرجل عياله عولا وعيالة أي: قاتهم وأنفق عليهم من قوله: (وابدأ بمن تعول) أي: لا تكن مضيعا لمن وجب عليك رعايته متفضلا على من لا جناح عليك من حاحته.
[١٣٢١] ومنه قوله - ﷺ - في حديث أبي ذر﵁- (وتعاهد جيرانك) أي: تفقدهم بزيادة طعامك وتجدد عهدك بذلك واحفظ به حق الجوار، والتعهد: التحفظ بالشيء وتجديد العهد به، والتعاهد ما كان بين اثنين من ذلك
[ ٢ / ٤٥٢ ]
[١٣٢٥] ومنه حديث ابن عباس﵄- أن النبي - ﷺ - قال: (ألا أخبركم بخير الناس) الحديث. يحمل قوله على أن قال أنه خير الناس، أراد" أنه من خير الناس، إذ قد علمنا أن في القاعدين من هو خير من هذا الذي أمسك بعنان فرسه، إذ كان أعلم بالله وأخشي لله ولم يكن الجهاد عليه فرض عين.
وقد يقول القائل: خير الأشياء كذا، لا يريد تفضيله في نفسه [١٥٥/أ] على جميع الأشياء، بل يريد أنه خيرها في حال دون حال ولو أحد دون آخر، مثل قوله - ﷺ -: (خياركم خيركم لأهله) فلا يصح أن يحمل ذلك على أن من أحسن معالجة أهله فهو أفضل الناس، وقد علمنا أن من كان أعلم بالله وأزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منه فهو خير منه، وأنه لم يبلغ في حسن المعاشرة محله، وعلى نحو هذا المعني يأول قول من قال: شراركم عزابكم، أي: من شراركم؛ لأنه وإن كان صالحا فهو بمرقبة الفتنة غير آمن من شر نفسه من قبل العزوبة، وقد علمنا أن الآهل الفاسق أقرب إلى الشر منه، وكذلك قوله: (ألا أخبركم بشر الناس؟ يسأل بالله العظيم ولا يعطى به) أي بمن هو من شر الناس؛ لأن تلك الخصلة قد توجد في بعض المسلمين، والكافر شر منه، وقوله: (يسأل) على بناء ما لم يسم فاعله ولا يعطى على بناء الفاعل.
[١٣٢٦] ومنه حديث أم نجيد النصارية الحارثية﵂- عن النبي - ﷺ -: (ردوا السائل ولو بظلف محرق) هذا القول إنما قصد به المبالغة في رد السائل بأدنى ما يتيسر، ولم يرد به صدور هذا الفعل من المسئول فإن الظلف المحرق غير منتفع به وقد مر بيانه.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
ومن باب فيه
(من الصحاح)
[١٣٣٢] حديث عائشة﵂- أن رجلا قال للنبي - ﷺ - (إن أمي افتلتت نفسها)، افتلت فلان على ما لم يسم فاعله، وافتلتت نفس أيضا أي: مات فجأة، يقال كان ذلك الأمر فلتة أي فجأة، والرجل هو سعد بن عبادة.
وفيه: (فهل لها أجر إن تصدقت عنها) ونحن نرويه فهل لها من أجر وقوله: (إن تصدقت) من رواه بفتح الهمزة فقد أخطأ؛ لأنه فعل لم يقع بعد، ولو كان سؤاله بعد الصدقة تفتح لا غير.
[١٣٣٤] ومنه حديث سعد﵁- لما بايع رسول الله - ﷺ - النساء. قالت امرأة: إنا كل على أبائنا وأبنائنا وأزاوجنا) الحديث الكل أي [١٥٥/ب] نحن ثقل وعيال على من يلي أمرنا ويعولنا، والكل: الثقل من كل ما يكلف، ومنه الحديث (وتحمل الكل).
وفيه (الرطب) بفتح الراء وسكون الطاء وأراد به اللبن والفاكهة والبقول والمرق، ومما يسرع إليه الفساد من الأطعمة ولا يتقوى على الخزن، أذن لهن أن يتعهدن بذلك الضيف والزائر والقانع والمعتر، ولم يأذن لهن في اليابس من الطعام؛ لأنه يبقي على الخزن والادخار وينتفع به إذا رفع. ويرى هذا الاستقصاء؛ لمكان ذكر الأزواج في الحديث؛ لئلا يفضي تركه بهن إلى التسرع في إتلاف أموالهم واستهلاك أطعمتهم من غير استئذان فأما الآباء والأبناء فإن الخطب في أموالهم أيسر لما بينهم من الإنفال والاتحاد والشركة
[ ٢ / ٤٥٤ ]
النسبية. فإن قيل: فكيف التوفيق بين هذا الحديث، وبين حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره)؛ قلنا: نحمل ذلك على إنفاقها من النوع الذي سومحت فيه من غير استئذان وإلى هذا المعني أشار (- ﷺ -) بقوله في حديث عائشة (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة) فإنها إذا تجاوزت الحد الذي لها في ذلك كانت مفسدة، ثم إن الأمر في ذلك راجع إلى عادة الناس باديهم وحاضرهم- فإنه قلما يوجد من ذوى الأموال من يعسر عليه أن يبذل الميسور من ماله بيت زوجته ومن يعوله من مواليه وخزنته، فيكون ذلك من جملة ماعفى عنه، وإن أنتهي الشح بصاحبه إلى المنع والتشدد حتى في الشيء التافه، فعلى المنفق أن ينتهي وعلى الآخذ أن يمتنع.
فإن قيل فكيف بحديث عمير مولى آبى اللحم (أمرني مولاي أن أقدد لحما فجاءني مسكين فأطعمته منه فعلم بذلك مولاي، فضربني فأتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له فدعاه فقال: لم ضربته، قال: يعطي طعامي بغير أن آمره فقال: (الأجر بينكما).
قلنا لم يرد النبي (- ﷺ -) [١٥٦/أ] بذلك إطلاق يد العبد في مال سيده، وإنما كره صنيع مولاه في ضربه العبد على الأمر الذي تبين رشده فيه، فحث السيد على اغتنام الأجر ورغبه فيه ولم يرد أن يمهد له فيما كان سبيله العفو والتسامح.
فإن قيل فهل يجوز أن يسكت النبي (- ﷺ -) في موضع الحاجة إلى البيان. قلنا: قد بين ذلك في غير موضع، ومنه قوله (- ﷺ -): العبد راع على مال سيده وهو مسئول عن رعيته.