(من الصحاح)
[٧٦٥] قوله - ﷺ - في حديث أبي مسعود البدري﵁- (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) السلاطة التمكن من القهر وهو التسلط، ومنه السلطان والسلطان يقال في السلاطة، وقد يقال لذي السلاطة والمراد بها ههنا السلاطة والمعنى: لا يؤمن الرجل الرجل في محل ولايته ومظهر سلطانه أو فيما
[ ١ / ٢٩٤ ]
يملكه أو في محل يكون في حكمه ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى (في أهله) وفيما يرويه مالك بن الحويرث (من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم) وكل ذلك راجع إلى معنى واحد وهو أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتألفهم وتوادهم وإذا أم الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع ربقة الطاعة عن الأعناق، وإذا أمه في أهله أو في قومه أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذي شرع لرفعه الاجتماع والنبي - ﷺ - لما بين أن الاستحقاق في التقدم يدور على أربع مراتب وهي المهارة في القراءة، والعلم بالسنة والقدم في الهجرة والكبر في السن ثم رأى أن الناس لو وكلوا في ذلك إلى اختيارهم لهام بهم الأهواء في كل واد وتعسف بهم اختلاف الآراء في كل مسلك فأعلمهم أن مراعاة هذه المراتب وإن كان هو الحق الأبلج فإن التقدم به على ذي السلطنة لاسيما في الأعياد والجمعات غير سائغ وكذا التقدم على إمام الحي ورب البيت للعلل التي ذكرناها إلا أن يؤذن لهم فيه ويدخل في معنى ما ذكرنا من التوقي عن مظان التنافر والتقاطع قوله - ﷺ -: (ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه) والتكرمة ما يعد للرجل إكراما له في منزله من وطاء وفراش وسرير ونحوه وزعم بعضهم أن تكرمته مائدته ولا سناد لهذا التفسير من نقل معتد به ولا من مأخذ مستقيم.
(ومن الحسان)
[٧٦٩] حديث أنس﵁- (أن النبي - ﷺ - استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى) قلت: وقد روي عنه أن النبي - ﷺ - استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين، وقد ذكر أهل العلم (١٠٥/أ) بأيام رسول الله - ﷺ - أنه استخلفه على المدينة في ثلاث عشرة غزوة من غزواته فالسبيل أن أنسا لم يحفظ من تارات الاستخلاف ما حفظه غيره وبهذا الحديث ونظائره التي ذكرناها من علماء النقل يستدل من يقيم الأعمى مقام البصير في الإمامة ومن لا يرى بإمامته بأسا وفي ذلك نظر؛ لأن النبي - ﷺ - إنما استخلف ابن أم مكتوم على المدينة لما خرج معه علماء الصحابة والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ولم يبق لها إلا أولو الضرر وذوو الزمانة، ولو تخلف عنه ذو علم أو سابقة فربما كان شاسع الدار كمن كان في بني عمرو بن عوف، وبني سلمة وبني حارثة، ومن كان منزله بالعوالي فيشق عليه تعاهد المسجد للصلوات الخمس مع أن الغالب من أمره أن يكون قد تخلف لعلة فتمنعه تلك العلة عن حضور المسجد وكان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله - ﷺ - ويلازم المسجد إذا غاب، وكان أقرأ من حضر المسجد، وأعلمهم بالسنة وأقدمهم هجرة وأكبرهم سنا، وقد عدم حينئذ من يناصبه في تلك الفضائل مع أن غمار القوم، بل الجمهور منهم كانوا أصحاب عاهات وذوي زمانة، فلتلك الأسباب والعلل استخلفه عليها وجمع له بين الأذان والإمامة ومن الدليل على ما ذهبنا إليه أنه - ﷺ - استخلفه عليها مخرجه إلى بدر، فلما كان ببعض الطريق رد
[ ١ / ٢٩٥ ]
أبا لبابة الأنصاري إليها مستخلفا عليها، فلو لم يكن البصير أولى وأحق بالإمامة من الأعمى لم يقدم أبا لبابة عليه بعد الاستخلاف هذا وقد سبقه ابن أم مكتوم بالإسلام، ثم إنه كان من المهاجرين الأولين وكان أسن منه وكان قرشيا، فإن قيل: فقد استخلفه النبي - ﷺ - على المدينة حين خروجه إلى تبوك وعلي﵁- بالمدينة. فالجواب أن النبي - ﷺ - أمر الناس في غزوته تلك أن يخرجوا فلا يتخلف عنه مستطيع، فاستخلف ابن أم مكتوم فلم يبق بها إلا معذر أو معذر أو منافق ثم خلف عليا﵁- في أهله حذر أن ينالهم عدو بمكروه ولم يستخلفه على إقام الصلاة كيلا يشغله شاغل عن القيام بحفظ ما استحفظ فإن قيل: فإن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى فالجواب (١٠٥ ب). أنه كان إمام قومه قبل أن (أصاب) ما أصابه فلما أنكر بصره أقر عليها كرامة له واستمالة لقلبه، ثم إن الأظهر أن القوم لم يروا ذلك؛ لأنه لم يكن فيهم من يقوم مقامه قراءة، وعلما وسنا.
[٧٧١] ومنه حديث أبي أمامة﵁- عن علي﵁-: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم). أي لا ترفع إلى الله رفع العمل الصالح، بل لا ترفع أدنى شيء من الرفع، وإنما خص الأذن بالذكر لما يقع في المسامع من التلاوة والتسبيح والدعاء، ولا يصل إلى الله قبولا وإجابة.
وهذا مثل قوه في المارقة (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم). عبر عن عدم القبول بأنها لا تجاوز آذانهم، ويدل عليه قوله في الحديث الذي يليه: (ثلاثة لا تقبل لهم صلاة). ويحتمل أن يراد به أن صلاتهم لا ترتفع عن آذانهم فيظلهم كما يظل العمل الصالح صاحبه يوم القيامة. ويحتمل أن يراد به أنها تكون ساقطة الذكر فلا يسمع بها غيرهم.
وفيه (وإمام قوم وهو له كارهون)، هذا إذا كره القوم تقدمه لفسق أو جهل بأحكام الصلاة وما يجري مجراه، من عدم الاستحقاق وقلة الاستعداد. فأما إذا كان الأمر بخلاف ما وصف فإنهم هم المسيئون وهو الملومون.
[٧٧٢] ومنه قوله - ﷺ - في حديث عبد الله بن عمر﵁-: (ورجل أتى الصلاة دبارا) والتفسير مذكور في متن الحديث، وهذا إذا اتخذه عادة، ويوجد ذلك عند من قلت مبالاته بالمحافظة عليها.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وفيه (ورجل اعتبد محررة) أي اتخذها عبدا، وفي معنى الاعتباد التعبيد والاستعباد، والمحررة: النفس المعتقة، يقال: حر الرجل يحر حرية من حرية الأصل، وحر العبد يحر حرارا، قال سلم الخاسر:
وما رد من بعد الحرار عتيق
ومنه تحرير العبد، وإنما قال: محررة على لفظ التأنيث، حملا على النفس المحررة؛ ليتناول العبيد والإماء ويؤخذ الاعتباد من وجهين: أحدهما: اعتباد من هو حر في الأصصل، والآخر: أن يعتق العبد ولا يضع [] ليستعمله استعمال العبيد.
[ ١ / ٢٩٧ ]