[من الصحاح]
[١٢٦٤] قوله - ﷺ - في حديث أسماء﵂: (ولا تحصى، فيحصى الله عليك) الإحصاء:
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الإحاطة بالشيء حصرا وتعدادا. والمراد به هنا: عد الشيء للتبقية، وادخاره للاعتداد به، وترك الإنفاق منه في سبيل الله. وقوله: (فيحصي الله عليك) محتمل لوجهين:
أحدهما: أنه يحبس عنك مادة الرزق ويقلله بقطع البركة، حتى يصير كالشيء المعدود.
والآخر: أن نحاسبك عليه في الآخرة. (ولا توعى) الإيعاء: حفظ الأمتعة بالوعاء وجعلها فيه. والمراد به: أن لا تمنعة فضل الزاد عمن [١٤٩ أ] افتقر إليه (فيوعى الله عنك) أي: يمنع عنك فضله، ويسد عليك باب المزيد، وفي معناه: ما ورد في غير هذه الرواية: (ولاتوكى فيوكى عليك) وقوله: (ارضخى) يقال: رضخت له رضخا، وهو العطاء اليسير. وفي الحديث: (وقد أمرنا لهم برضخ فاقسمه بينهم) وإنما قال: (ارضخى) لما عرف من حالها ومقدرتها؛ ولأنه لم يكن لها أن تتصرف في مال زوجها بغير إذنه، إلا في الشيء اليسير الذي جرت فيه العادة بالتسامح من قبل الأزواج، كالكسرة والتمرة، والطعام الذي يفضل في البيت، ولا يصلح للخزن؛ لتسارع الفساد إليه، أو فيما سبق إليها من نفقتها وحصتها، ولهذا كانت تستفتيه فيما أدخل عليها الزبير. وفي كتاب أبي داود، أن أسماء﵂- قالت: (قلت: يا رسول الله - ﷺ - ليس لي من شيء، إلا ما أدخل على الزبير، فأعطى؟ قال: نعم، ولا توكى، فيوكي عليك).
[١٢٦٧] ومنه: حديث أبى هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد) الجنة- بالضم- ما استترت به من سلاح. والمعنى به هاهنا: الدرع. وقد رواه البخاري في بعض طرقه عن أبي هريرة بالباء، مكان النون، وهو تصحيف عن بعض الرواة لا حق به، ولا يلتبس على ذلك فهم لوجوه:
أحدهما: أن الجبة- بالباء- من حديد شيء لم يعهد ولم يعرف في كلامهم.
والآخر: أن في بعض طرق هذا الحديث عليه درعان، مكان عليه جنتان. والثالث أنه قال: قلصت أخذت كل حلقة بمكانها)، ومعنى هذا الحديث: الجواد الموفق إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره، وطاوعته نفسه وانبسطت حتى قطعت بالبذل والعطاء يداه، كالذي لبس درعا، فاسترسلت عليه، وأخرج منها يديه،
[ ٢ / ٤٣٨ ]
فانبسطت حتى خلصت إلى ظهور قدميه، فأجنته وحصنته، وأن البخيل إذا أراد الإنفاق حرج به صدره، واشمأزت عنه نفسه، وانقبضت عنه يداه، كالذي أراد أن يستجن بالدرع وقد غلت يداه إلى عنقه، فحال ما ابتلى به بينه وبين ما يبتغيه، فلا يزيده لبسها إلا ثقلا ووبالا، والتزاما في العنق، والتواء وأخذا بالترقوة [١٤٩/ب].
[١٢٧٠] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة﵁: (قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) وفي رواية (إلا وقد كان لفلان)، المراد بفلان هذا الوارث أي: صبر حتى أشرف على الموت ثم طفق يتصدق بما تعلق به حق الوارث.
[١٢٧٥] ومنه: حديث أبي سعيد الخدرى﵁، عن النبي - ﷺ - (خصلتان لا تجتمعان في
[ ٢ / ٤٣٩ ]
مؤمن، البخل وسوء الخلق) تأويل هذا الحديث أن يقول أراد به اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية منهما بحيث لا ينفك عنهما ولا ينفكان عنه، ويوجد منه الرضا بهما، فأما الذي يؤنس عنه شيء من ذلك بحيث يبخل حينا، وتقلع عنه حينا أو يسوء خلقه وقتا دون وقت أو في أمر دون أمر، أو يبدر منه فيندم عليه أو يحوز نفسه أو تدعوه النفس إلى فينازعها؛ فإنه بمعزل عن ذلك، ويحمل حديثه الآخر (لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا) على نحو ما ذكرناه من المعنى في هذا الحديث، وأرى له وجها آخر وهو أن نقول: الشح خصلة غريزية جبل عليها الإنسان وهو كالوصف اللازم، ومركزها النفس، قال الله تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ فإذا انتهي سلطانه إلى القلب واستولى عليه عرى القلب عن الإيمان؛ لأنه يشح بالطاعة فلا يسمح به ولا يبذل الانقياد لأمر الله، والشح بما بخل مع حرص، فهو أبلغ في المنع من البخل، فالبخل يستعمل في الضنة بالمال، والشح في سائر ما تمتنع النفس عن الاسترسال فيه من بذل مال أو معروف أو طاعة، ووجود الشح في النفس الإنسان ليس بمذموم؛ لأنه طبيعة خلقها الله تعالى في النفوس كالشهوة والحرص للابتلاء أو لمصلحة عمارة العالم، وإنما المذموم أن يستولى سلطانه على القلب فيطاع.
[ومن الحسان]
[١٢٧٧] حديث أبي بكر الصديق- عنه، عن النبي - ﷺ - (لا يدخل الجنة خب) الحديث، الخب: الرجل الخداع ومعناه في الحديث الذي يفسد الناس بالخداع، ويمكر ويحتال في الأمر يقال فلان خب ضب إذا كان فاسدا مفسدا مراوغا، ومعنى قوله لا يدخل الجنة أي: لا يدخلها مع الداخلين في الرعيل الأول من غير ما بأس بل يصاب منه بالعذاب حتى يذهب [١٥٠/أ] عنه آثار الخصال، هذا هو السبيل في تأويل أمثال الأحاديث ليوافق أصول الدين وقد هلك في التمسك بظواهر أمثال هذه النصوص الجم الغفير من المبتدعة، ومن عرف القول وأساليب البيان من كلام العرب هان عليه التخلص بعون الله عن تلك الشبه، ومما ينبغي الفطن أن يقدمه في هذا الباب ليكون من التأويل على بصيرة أن يعلم أن للشارع- صلوات الله عليه- أن يقتصر في مثل هذه المواطن على القول المجمل إبقاء للخوف في نفوس المكلفين وتحذيرا لهم عما فيه المنقصة في الدين بأبلغ ما يكون من الزجر ثم يرده العلماء الراسخون إلى أصول الدين.
[١٢٧٨] ومنه: حديث أبي هريرة﵁، عن النبي - ﷺ - (شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع) الهلع: أفحش الجزع وقد هلع بالكسر فهو هلع وهلوع وحكي يعقوب رجل هلعه مثل همزة إذا كان يهلع ويجزع ويستجيع سريعا، ومعناه في الحديث أنه يجزع من شحه أشد الجزع على استخراج الحق منه، وقوله (شح هالع) أي: ذو هلع كما يقال: يوم عاصف وليل نائم، ويحتمل أيضا أن يقول: هالع لمكان
[ ٢ / ٤٤٠ ]
خالع للازدواج، والجبن الخالع الذي كأنه يخلع فؤاده لشدته، وإنما قال: شرما في الرجل ولم يقل في الإنسان لأحد الوجهين: إما لأن الشح والجبن مما تحمد عليهما المرأة ويذم به الرجل، أو لأن الخصلتين تقعان موقع الذم من الرجال فوق ما تقعان من النساء.