(من الصحاح)
[١٦٠١] حديث الأغر بن يسار المزني -﵁- عن النبي - ﷺ -: (إنه ليغان على قلبي الحديث) الغين لغة في الغيم، قال الشاعر يصف فرسًا:
كأني بين خافيتي عقاب أصاب حمامة في يوم غين
وغين على كذا، أي: غطى عليه، وقال أبو عبيد في الحديث، أي يتغشى قلبي ما يلبسه، وقد بلغنا عن الأصمعي عبد الملك بن قريب أنه سئل عن هذا الحديث، فقال للسائل: عن قلب من يروي هذا؟ فقال: عن قلب النبي - ﷺ - فقال: لو كان غير قلب النبي - ﷺ -، لكنت أفسره لك.
ولله دره في انتهاجه منهج الأدب، وإجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه، ومنزل تنزيله، وبعد فإنه مشرب سُدّ عن أهل اللسان موارده، وفتح لأهل السلوك مسالكه، وأحق من يعرب أو يعبر عنه مشايخ الصوفية الذين نازل الحق أسرارهم ووضع الذكر عنهم أوزارهم ونحن بالنور المقتبس من مشكاتهم نذهب في الوقوف عليه مذهبين:
[ ٢ / ٥٣٩ ]
أحدهما أن نقول: لما كان النبي - ﷺ - أتم القلوب صفاء، وأكثرها ضياء وأعرقها عرفانًا) وكان معنيًا مع ذلك بتشريع الملة، وتأسيس [السنة] ميسرًا غير معسر، لم يكن له بد من النزول إلى الأخص والألفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحنًا به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئًا من ذلك أسرع [كدورتها] إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته، فإن الشيء كلما كان أرق وأضفى كان ورود التأثيرات عليه أبين وأهدى. وكان - ﷺ - إذا أحسن بشيء من ذلك عدّه على النفس ذنبًا فاستغفر منه، ولهذا المعنى كان استغفاره عند خروجه من الخلاء فيقول غفرانك.
والآخر أن نقول: إن الله تعالي كما فناه عن العالين، أراد أن يبقيه لهم لينتفعوا به، فإنه - ﷺ - لو ترك وما هو عليه وفيه من الحضور والتجليات الإلهية لم يكن ليتفرغ لتفرغ لتعريف الجاحد وتعليم الجاهل فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد إليهم الفينة بنوع من الحجبة والاستتار ليكمل حظهم فيرى ذلك من سيئات حاله فيستغفر منه، والله أعلم.
[١٦٠٣] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي ذر﵁- (إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر)، المخيط بكسر الميم بعدها خاء مجزومة: الإبرة، وكذلك الخّياط.
قلت: وهذا كلام خرج مخرج المعهود من كلام الناس على سبيل الاتساع، فإن الذي تناه الإبرة من بلل البحر، وإن دق لا يخلو من نقصان ما، ومثل ذلك وما هو أدنى منه، لا مدخل له في سعة فضل الله وغناه.
وفيه: (إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها)، أحصيها أي: أحفظها عليكم، فلا تعزب عن علمه مثقال ذرة، ومنه قوله سبحانه: ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ وقوله: (أوفيكم إياها) أي: (أجزيكم) بها كاملة موفرة وأطلعكم عليها بالتمام. وتوفية الشيء: بذله وافيًا، واستيفاؤه: تناول وافيًا.
[١٦٠٤] ومنه: قوله صلى الله عليه في حديث أبي سعيد الخدري -﵁-: (فنأى بصدره نحوها)
[ ٢ / ٥٤٠ ]
(١٩٣/أ) ناء بحمله، مثل ناع، إذا نهض به متثاقلًا، أي: نهض بصدره. وفيه تنبيه على [عجزه] النهوض بالكلية، ويجوز أن يكون مثل [تعني] أي تباعد بصدره ونحوها، وقد قرئ بهما في الكتاب﴾ ونأي بجانبه ﴿[والوجه] في الحديث هو الأول وقد وردت به الرواية، وقال عبد (الظاهر) الفارسي: يحتمل أن يكون ناء بمعنى نأى كقولهم: رأي وراء.
[١٦٠٥] ومنه: حديث أبي أيوب الأنصاري -﵁- عن النبي - ﷺ -: (لو لم تذنبوا لجأ الله بقوم يذنبون ) لم يرد هذا الحديث مورد تسلية [للمنهكين] في الذنوب وتوهين أمرها على النفوس، وقلة الاحتفال منهم بمواقعهتها على ما يتوهمه أهل [الغرة] بالله، فإن الأنبياء -صلوات الله عليهم- إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غثيان الذنوب، واسترسال نفوسهم فيها، بل ورد مورد [التنبيه والبيان] لعفو الله عن المذنبين، وحسن التجاوز عنهم، ليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار.
والمعني المراد من الحديث هو أن الله تعالى كما أحب أن يحسن إلى المحسن، أحب أن يتجاوز عن المسيء، وقد دل على ذلك من أسمائه غير واحد من الأسماء، ولما كان من أسمائه الغفار، الحليم، التواب العفو، لم يكن ليجعل العباد شأنًا واحدًا كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب، بل يحلق فيهم من يكون بطبعه ميالًا إلى الهوى مفتتنًا بما [يقتضيه] ثم يكلفه التوقي عنه، ويحذره عن مداناته، إنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب فيتخلى عليهم بتلك الصفات على مقتضي الحكمة، فإن الغفار يستدعي مغفورًا، كما أن الرزاق يستدعي مرزوقًا.
[١٦٠٦] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي موسى -﵁- (يبسط يده بالليل) بسط اليد عبارة
[ ٢ / ٥٤١ ]
عن التوسع في الجود، والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة، ومنه الباسط، وقد ذكرناه وهو في الحديث تنبيه على سعة رحمة الله، وكثر تجاوزه عن الذنوب، والله أعلم.
[١٦٠٩] ومنه: حديث أنس -﵁- عن النبي - ﷺ -: (لله أشد فرحًا الحديث) اللام المفتوحة التي تدخل على الكلمة للتوكيد، وقد فسروا الفرح -هاهنا- بالرضا. (١٩٣/ب) [واستدلوا بقول] بعض أهل التفسير في قوله ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ أي رضوان فإن [مال مائل] فلم يأت بالبيان على صيغته [فقد يمكنه أن يقول: أفرح] أشد رضي ثم إن استدلا له بقول أهل التفسير قول غير مقنع؛ لأنه في الآية عدول عن الظاهر من غير ضرورة.
قلنا: نحن نسلك في بيان الحديث [غير] هذا المسلك وهو أنا نقول: هذا القول وأمثاله إذا أضيف إلى الله سبحانه وقد عرف أنه مما يتعارفه الناس في نعوت بني آدم على ما تقدم في غير هذا الموضع أن النبي - ﷺ - إذا أراد بيان المعاني الغيبية ولم يطاوعه رسمه [المسلك فله أن يأتي فيه يقع دونه] وأنه المعنى المراد ولما أراد أن يبين للعباد أن التوبة عند الله أحسن موقع عبر عنه بالفرح الذي عرفوه من أنفسهم في [أولى] الأشياء، وأحبها إليهم؛ ليهتدوا إلى المعنى المراد منه ذوقًا وحالًا، وذلك بعد أن عرفهم أن إطلاق تلك الألفاظ في صفات الله تعالى على ما يتعارفونه في نفوسهم غير جائز وهذا باب [يعرف في] كثير من وجوه المتشابهات، ولا يجوز لأحد أن يتعاطى هذا النوع في كلامه ويتسع فيه إلا للنبي ﷺ فإنه يجوز له مالا يجوز لغيره لبراءة نطقه عن الهوى؛ ولأنه لا يقدم على ذلك إلا بإذن من الله تعالى، وهذه رتبة لا تنبغي لأحد إلا له - - ﷺ -.
[١٦١٠] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة -﵁- (غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)
[ ٢ / ٥٤٢ ]
قلت: قوله: (فليفعل ما شاء). كلام يستعمل تارة في معرض السخط والنكر وطورًا في صورة التلطف والحفاوة وليس المراد منه في كلتا الصورتين الحث على الفعل والترخص فيه؛ بل التعرض والترك له والتنبيه على الردع عنه وأكثر ما يوجد ذلك في التهديد والأعراض عن المخاطب وقلة الاحتفال به وعلى هذا الوجه يأول قوله سبحانه: ﴿اعملو ما شيءتم إنه بما تعملون بصير﴾ وأما في هذا الحديث فإنه ورد مورد الحفاوة بالمخاطب وحسن العناية به، وذلك مثل قولك لمن توده وترى منه الجفاء: اصنع ما شيءت فليس بتارك لك. وعلى هذا المعنى يحمل قوله - ﷺ - - في حديث حاطب بن أبي بلعتة: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شيءتم فقد غفرت لكم).
ومنه قوله - ﷺ - في حديث شداد بن أوس -﵁- (أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي) أي أقر لك بما أنعمت به علي وأعترف بما اجترحت من الذنب من قولهم باء بحقه أي أقر، وذا يكون أبدًا بما عليه لا له قال لبيد:
أنكرت باطلها وبؤت بحقها عندي ولم تفخر على كرامها
[١٦٣١] ومنه: حديث أنس ﵁عن النبي - ﷺ - (ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء)
[ ٢ / ٥٤٣ ]
العنان: السحاب وإضافته على هذا المعنى إلى السماء غير فصيح وأرى الصواب أعنان السماء وهي صفائحها والمعترض من أقطارها كأنها جمع عنن فلعل الهمزة سقطت عن بعض الروايات أو الروايات أو ورد العنان بمعنى العنن.
وفيه: (لو لقيتني بقراب الأرض خطايا) قراب الأرض: ماؤها، ومثله: طاقها وطلاعها وقد مر تفسيره.
[١٦١٧] ومنه قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة -﵁- (فذلكم الران ذكره الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾ أدخل الألف واللام في (ران) فأقام الكلمة مقام المصدر وذلك مثل قول الصحابي (نهى عن القيل والقال) و(كلا): ردع للمعتدي الأثيم: (بل ران) أي: غلب على قلوبهم فركبها كما يركب الصدأ الحديد. قال أبو عبيد: كل ما غلبك فقد ران بك ورانك وران عليك. ورين بالرجل: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ويقال: ران عليه الذنب وغان علينا رينًا وغينًا.
[١٦١٨] ومنه حديث ابن عمر -﵁- عن النبي - ﷺ - (إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) الغرغرة: تردد الماء وغيره في الحلق، والغرغرة: صوت معه بحح. ويقال: الراعي يغرغر بصوته أي: يردده في حلقه وتغرغر صوته في حلقه أي: يتردد، ومعناه في الحديث: تردد النفس في الحلق عند نزع الروح وذلك في أول ما يأخذ في سياق الموت، وفسره بعض أهل الحديث: فقال: قبل أن يغرغر أي: قبل أن يبلغ الروح إلى الحلق.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وفيه نظر؛ لأنه تفسير غير مشهود به من ظاهر اللغة، بل هو غير سديد لمخالفته ظاهر النص قال الله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت﴾ ﴿قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار﴾ دلت الآية على أن التوبة ممن حضره الموت من ذوي المعاصي غير معتد بها كالإيمان من أهل الكفر عند معاينة الموت ولا يصح ذلك المعنى الذي لا يصح له الإيمان ثم إن التوبة إنما يتحقق مع إمكان النادم من العمل الذي يعزم على تركه [بعد] وبقاء الطمع في الحياة [] إذا تحقق الموت وأيقن بانقطاع المدة، فتوبته غير معتد بها للمعنى الذي ذكرناه وقد حمل بعض المفسرين قوله: ﴿للذين يعملون السيئات﴾ على أهل النفاق [تحققًا] لصحة توبة المؤمن عند مشاهدة الموت، ولم يصنع شيئًا؛ لأنه عدول عن ظاهرة النص بغير دليل ثم إن قوله تعالى: ﴿ولا الذين
يموتون وهم كفار﴾ ينقص عليه دعواه؛ لكون أهل النفاق من جملتهم، وإنما حمل الذاهب إلى هذا القول مع وهنه التشدد في العصبية مع من يفرط في الطرف الآخر من [] والحق أولى أن يتبع، والأخذ بالقول الجامع بين ظاهر الآية والحديث أولى من الذهاب إلى قول يفرق بين الآية والحديث، وإذا قرنا الغرغرة بتردد النفس في الحلق عند النزع، فلا شك في [] وبين الآية، ويكون معنى قوله: (ما لم يغرغر) ما لم يحضره الموت، فإنه إذا حضره الموت يغرغر، بتردد النفس في الحلق ونحن نسعى في محافظة نص الكتاب وتقرير معنى الحديث على الوجه الذي يوافق الكتاب بعد أن عرفنا صحة ما يذهب إلية الشواهد التي ذكرناها ثم إنا وإن أنكرنا صحة التوبة ممن حضره الموت وأيقن بالهلاك وتحقيق انعدام إمكان المراجعة، فإنا لا نقول والحمد لله بسد باب الرحمة عنه وتحريم المغفرة عليه بل نخاف [عليه] ونرجو له العفو من الله فإن الله -تعالى- يقول: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
[١٦١٩] ومنه: حديث []-﵁- عن النبي - ﷺ -: (إن الله جعل بالمغرب بابًا
[ ٢ / ٥٤٥ ]
عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة الحديث. والمراد منه [والله أعلم- أن أمر التوبة هين] والناس عنه في فسحة وسعة ما لم تطلع الشمس من مغربها فإن باب [سعة] عرضه مسيرة سبعين عامًا لا يكاد يتضايق عن الناس إلا أن يغلق (١٩٥/ ١) وإغلاقه بطلوع الشمس من مغربها وذلك أن الناس [ترفع منهم] الأمانة ويصرون على المعاصي ويكثر فيهم الخبث، فلا تؤثر فيهم النذارات فيفجأهم تعالى بهذه الآية الملجئة إلى التوبة فيضطرون إلى الإيمان والتوبة في غير أوان التكليف، فلا ينفعهم ذلك، ويتحمل أن يكون الباب الموصوف عرضه بمسيرة سبعين عامًا هو المقدار [الذي] يتسع لجرم الشمس في طلوعها.
[١٦٢٣] منه حديث ابن عباس - ﵁- في قوله تعالي: ﴿إلا اللمم﴾ الحديث اللمم: ما قل وصغر، ومنه قولهم: ألم بالمكان إذا قل فيه ليثه وألم بالطعام: إذا قل منه تناوله ويقال: زيارته لمام، أي قليلة، ومنه قول القائل:
لقاء أخلاء الصفاء لمام
وإلى هذا المعني أشار ابن عباس - ﵁- بما نقله عن رسول الله - ﷺ - (إن تغفر اللهم تغفر جمًا وأي عبد لك لا ألما)، وقوله تعالى ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ الاستثناء فيه منقطع ويجوز أن يكون قوله: ﴿إلا اللمم﴾ صفه إي: كبائر الإثم فالفواحش غير اللمم، قد تنوعت أقاويل أهل التفسير فيه، فمن قائل: هو النظرة والغمزة والقبلة، ومن قائل: الخطرة من الذنب ومن قائل: كل ذنب لم يذكر الله تعالى فيه حدًا ولا عذابًا، ومن قائل عادة النفس الحين بعد الحين. ولا خفاء بأن المراد منه صغائر الذنوب لما ذكرناه من الشواهد اللغوية. فإن قيل فما وجه قول ابن عباس فيما أحال إلى النبي - ﷺ - من الشعر وكان لا يقول شعرًا.
قلنا: البيت لأمية بن أبى الصلت الثقفي وكان - ﷺ - يعجبه شعره وكان يقول فيه: أسلم شعره فيلفظ به على إرادة الدعاء والاستحان له، فاستشهد به ابن عباس معنى اللمم من قول النبي - ﷺ - وهو من الرجز وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الرجز ليس بشعر، وإنما الشعر ما كان مقفى آخره بعد تمام أوصاله على إحدى الأعاريض المشهورة من أنواعه فلهذا كان يجري هذا النوع على لسانه وكان يتجنب عما
[ ٢ / ٥٤٦ ]
عداه إما بالاكتفاء عن البيت بالمصراع الواحد كقوله (أصدق كلمة قالتها العرب، قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) وإما بتحريفه عن سنن الوزن كصنيعه في بيت طرفة:
ويأتيك من لم تزود بالأخبار
وذلك لتنزهه عن أن يضاف إليه ما نفى الله عنه قال الله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ والصحيح أن جريان الشيء اليسير منه على لسانه لا يلزم الاسم المنفي عنه.
[١٦٢٤] قوله - ﷺ - في حديث أبي ذر ﵁: (عطائي كلام وعذابي كلام) وقد فسر بما بعده: (إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون)، والمعنى أن الخلق يعتريهم العجز في أحوالهم ويعتورهم العوز في إعطائهم ثم إنهم يفتقرون فيه إلى مادة فينقطع بهم انقطاع المادة، وأنا الغني والقادر الذي لا يفتقر إلى المواد ينقص ما عنده بالعطاء، وإني إذا أرادت إيجاد شيء لم يتأخر كونه عن الأمر. والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ورضي الله عن أصحابه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل (١٩٥/ب).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم رب تم بالخير.
الحمد لله رب العاملين حمد الشاكرين، وصلى الله على خير خلقه ومظهر حقه محمد وآله الطيبين وأصحابه الطاهرين:
ومن الفصل
(من الصحاح)
[١٦٢٨] حديث أبي هريرة -﵁- قال رسول الله - ﷺ -: (لما قضي الله الخلق الحديث) القضاء: فصل الأمر، قولًا كان ذلك أو فعلًا، فقوله: (قضي الله الخلق) أي خلقهم ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾.
وفيه: (فهو عنده فوق العرش) يحتمل أن يكون معناه: فعلم ذلك عنده، ويحتمل أن يكون المراد من الكتاب الشيء المكتوب نفسه، وأيًا أراد به، فقوله: (فوق العرش) تنبيه على جلال قدر ذلك الكتاب، واستئثار الله إياه بعلمه، وتفرده بعلم ما تضمنه، [ومحيطه] الذي [] فيه، حيث وضعه بأكرم موضع، ورفعه أعز مرفع.
وفيه: (إن رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية (غلبت): المراد من هذا الكلام بيان سعة الرحمة وشمولها على الخلق، حتى كأنها السابق والغالب، وهو جار مجرى الاستعارة على مجاز كلام العرب في المبالغة، يقال: غلب فلان المنع، وغلب على فلان العطاء، أي أن الشيء الموصوف بالغلبة أكثر أفعاله وأظهر خصاله، وإنما أولنا الحديث على هذا؛ لأن غضب الله ورحمته صفتان من صفاته راجعتان إلى إرادته الثواب والعقاب، وصفاته لا توصف بالسبق والغلبة لإحديهما على الأخرى.
[١٦٢٩] ومنه حديثه الآخر عن النبي - ﷺ -: (إن لله مائة رحمة ) الحديث، رحمة الله تعالى غير متناهية، فلا يعتورها التجزئة والتقسيم، وإنما أراد النبي - ﷺ - أن يضرب لأمته مثلًا، فيعرفوا به التناسب
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الذي بين الجزئين، ويجعل لهم مثالًا فيفهموًا به التفاوت (١/أجـ ٢) الذي بين القسطين؛ قسط أهل الإيمان منها في الآخرة، وقسط كافة المربوبين في الأولى فجعل مقدار حظ الفئتين من الرحمة في الدارين على الأقسام المذكورة تنبيهًا على المستعجم، وتوفيقًا على المستبهم، ولم يرد به تحديد ما قد جل عن الحد، أو تعديد ما تجاوز عن العد.
[١٦٣٢] ومنه حديثه الآخر عن النبي - ﷺ - قال: (قال رجل لم يعمل خيرًا قط لأهله ) الحديث. المشكل من هذا الحديث قوله: (لئن قدر الله عليه ليعذبنه)، ولقائل أن يقول: معناه: لئن ضيق الله عليه الأمر بالمؤاخذة والمعاتبة، من القدر لا من القدرة، قال الله تعالى: ﴿ومن قُدِرَ عليه رزقه﴾، أي ضُيق، غير أن هذا الحديث روى من غير وجه وفي وجه وفي بعض طرق الصحاح: (فعلى أُضِلّ الله) يريد: فلعلي أفوته. ومنه قولة تعالى: ﴿في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ أي لا يفوته. وقوله هذا [ينبئ] انه أراد التمنع بالتحريق عن قدرة الله عليه في هذا، ونحن وقد علمنا من سياق الحديث، أنه لم يكن من منكري البعث، وأخبرنا الصادق المصدوق صلوات الله عليه بأن الله غفر له فنحن ملجأون بأن نشهد له بالإيمان وأن الله لا يغفر لمن يشرك به، مع دلالة الكلمتين -أعني (لئن قدر الله عليه) وقوله: (فلعلي أضل الله) على أنه كان جاهلًا بصفتين من صفات الله: العلم والقدرة، فلابد من وجه يسلم لنا معه القول بإيمانه. وقد سبق الأولون في بيانه بتأويلات لم تترك للآخرين مقالًا، ونحن ذاكرون منها ما هو أوجه وأنفى للشبهة.
فمنه قولهم: إن الرجل ظن أنه إذا فعل هذا الصنيع ترك فلم ينشر، ولم يعذب، وأما تلفظه بالكلمتين؛ فلأنه كان جاهلًا بذلك. وقد اختلف في مثله: هل يكفر أم لا؟ بخلاف الجاحد للصفة. ومنه أن كلامه هذا ورد مورد التشكك فيما لا يشك فيه، وله نظائر في كلام العرب، وهو المسمى عند أهل البلاغة يتجاهل العارف، وبه تأولوا قوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾.
قلت: ويقرب من هذا الباب قول الحواريين: ﴿يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾.
ومنه أن الرجل لقي من هول المطّلع ما أدهشه وسلب عقله، فلم يتمكن من تمهيد القول وتخميره، فبادر يسقط من القول، وأخرج كلامه مخرجًا لم يحصله [] ويعتقد حقيقته، وهذا أسلم الوجوه من المعارضات، وأحقها عندي بالتقديم.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
[١٦٣٣] ومنه حديث (١/ب جـ ٢) عمر -﵁-: قدم على النبي - ﷺ - سبي ) الحديث.
السبي: النساء والولدان يسبون عن العدو؛ تقول: سبيت العدو سبيًا وسبأ.
وفيه: (قد تحلب ثديها تسعى).
تحلب من باب تفعل، أي سأل.
ومنه حديث ابن عمر -﵄-: (رأيت عمر يتحلب) أي يتهيأ رُضابه من السيلان. وتسعى أي تعدو، وروى في كتاب مسلم (تبتغي). وري أيضًا في كتاب البخاري (تسقي) وليس بشيء. وقوله (تعي) فيما تكلف من العمل، أو تسعى في طلب الولد فتجيء وتذهب، وهذا أمثل لما في الرواية الأخرى: (تبتغي إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته) إنما نكر صبيًا على 'رادة أنه لم يكن يعلم أنه ولدها، أو على إضمار لها، فكأنه قال: صبيًا لها. ومن رواة الكتابين من يرويه: (إذا وجدت صبيًا فأخذته)،وهذه الرواية أحسنها سياقًا، لاتساق نظم الكلام فيها وإذا هما أصوب الروايات.
وقوله: (عباده) عموم أريد به الخصوص، وأكثر ما ورد العباد في الكتاب بمعنى الخصوص، قال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وقال: ﴿يا عبادي لا خوف عليكم اليوم﴾ وقال﴾ وعباد الرحمن﴾ وقال: ﴿فوجدا عبدًا من عبادنا﴾ وإنما يذهب فيه إلى الخصوص لما قد عرفنا من أصل الدين أن من أهل الإيمان من يعذب بذنوبه في النار.
[١٦٣٤] ومنه حديث أبى هريرة -﵁ - عن النبي - ﷺ -: (لن ينجي أحدًا منكم عمله)، الحديث. [فما] المراد من هذا الحديث نفي العمل وتوهين أمره، بل توقيف العباد على أن العمل إنما يتم بفضل الله وبرحمته؛ لئلا يتكلوا على أعمالهم اغترارًا بها، فإن الإنسان ذو السهو والنسيان عرضته الآفات
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ودرته للغفلات، قلما يخلص له عمل من شائبة رياء أو شهوة خفية أو فساد نية، أو قصد غير صالح، ثم إن سلم له العمل من ذلك فلا يسلم إلا برحمة من الله، فإن أرجى عمل من أعماله لا يفي بشكر أدنى نعمة من نعم ربه، فأنى له أن يستظهر بعمل لم يهتد إليه [] إلا برحمة من الله وفضل.
وفيه (إلا أن يتغمدنى برحمة منه): أي يستر [عوراتي. ولعلها] من قولهم: غمدت السيف. أي جعلته في غمده، وهو غلافه، وتغمده برحمته أي غمده بها (٢/ أجـ ٢) وتغمدت فلانًا أي سترت ما كان منه وغطيته.
وفيه: (فسدوا وقاربوا): سدد الرجل: إذا صار ذا سداد، وسدد في رميته إذا بالغ في تصويبها وإصابتها. وقارب الإبل: أي جمعها حتى لا تتبدد. ويقال: قارب فلان فلانًا: إذا كلمه بكلام حسن، والمقاربة أيضًا القصد في الأمور التي لا غلو فيها، ولا تقصير. والمراد منه طلب الإصابة فيما يتوجه به إلى الله، والأخذ بما لا إفراط فيه ولا تفريط. ويدل عليه ما بعده أي خذوا في طريق المعاملة مأخذ الخبير بقطع المسافة، فيغدو في طاعة الله، ثم يوفى نفسه حقها، ثم يروح ثم يستريح، ثم يستعين بسير بعض الليل. والدلجة: سير الليل، وهو الدرج أيضًا. قوله: (وشيء من الدلجة) مجرور بالعطف على قوله: (واستعينوا بالغدوة والروحة)
وفيه (القصد القصد) أي الزموا القصد أو التمسوه، ويأول على معنيين أحدهما: الاستقامة فإن القصد هو استقامة الطريق. والآخر: الأخذ بالأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير، فإن القصد يستعمل فيما بين الإسراف والتقتير، وقد مر بيان هذا الحديث فيما قبل.
[١٦٣٦] ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها ..) الحديث. زلفها: أي قدمها، قال أبو عبيد: الزلف التقدم، يقال: تزلف وازدلف: إذا تقدم.
[ ٢ / ٥٥١ ]
وفيه: (وكان بعد القصاص) قصاص- ههنا- المجازاة وإتباع كل عمل بمثله وأخذ القصاص من القصص الذي هو تتبع الأثر، وهو رجوع الرجل من حيث جاء، قال الله تعالى: ﴿فارتدا على آثارهما قصصًا﴾ فالقصاص أن يؤخذ الجاني في السبيل الذي جاء منه فيجرح مثل جرحه، أو يقتل كقتله صاحبه، وذلك يفيد معنى المماثلة والمجازاة، فلهذا استعمال في الحديث بمعنى المماثلة والمجازاة، وجاء قوله: (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها) مجيء التفسير للقصاص.
[١٦٤٠] ومنه حديث عامر الرام قال: بينا نحن عنده يعني عند النبي - ﷺ - (٢/ ب جـ ٢) إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه ..) الحديث. التف عليه أي رد عليه بثوبه أو كسائه أو ما أشبه ذلك، والأشبه أن يكون لفظ الحديث قد لفف عليه، فإن المستعمل: تلفف في ثوبه ولففت ثوبه، ولفف الشيء ولففته- بالتشديد- إذا أراد المبالغة.
قلت: ومثل هذا الحديث روي عن ابن مسعود﵁- وذكر فيه أنه أخذ أفراخ طائر. فإن كان الحديثان في قضية واحدة فالرجل المذكور في هذا الحديث هو ابن مسعود.
وفيه (مررت يا رسول الله - ﷺ - بغيضة شجر) البغيضة الأجمة وهي مغيض ماء مجتمع ينبت فيه الشجر فيلتف بعضه ببعض، ومنه قيل للشجر الملتف غيضة.
وفيه: (وأبت أمهن إلا لزومهن) أي ألمت بفراخها وأبت أن تفارقهن.
وفيه: (أتعجبون لرحم أم الأفراخ فراخها). الرحم بالضم: مصدر كالرحمة، ويجوز تحريكه، مثل عر وعر، قال زهير:
ومن ضريبته التقوى ويعصمه من سيئ العثرات الله والرحم
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وأرى امتناعه أن يجئ بالكلمة الثانية على وزان الأولى- أعني الأفراخ والفراخ- لوجهين: أحدهما: اختيار الأبلغ من الكلام في تكرار الكلمة الثانية على غيرة وتيرة الأولى. والآخر: أن الأفراخ الأفراخ جمع قلة، والفراخ جمع كثرة، والطير لما كانت مختلفة الأحوال في البيض والإفراخ على حسب نوعها وقليل من المصيدة منها ما تزيد على الفرخين، والنادر منها ما يبلغ إلى السبعة سوى طيور الماء؛ أضاف [الأم] إلى جمع القلة لتعم الأنواع كلها، وذكر أفراخها بلفظ الجمع الذي هو [الفراخ] ليدل على كثرتها. فإن قيل: الفراخ وإن كانت من جموع الكثرة فإنها خالية عن علامة الجمع، وبناؤها على صورة الواحد كالكتاب والحجاب، وما كان من الجموع على هذه الصيغة ساغ فيها توهم الواحد. كقول الشاعر:
مثل الفراخ [نبتت] حواصله
فما الدلالة فيها على الكثرة؛ وقد جوز فيها توهم الواحد؟ قلنا: لا خلاف في كون الفراخ جمع كثرة، والقول في البيت مبني على الشذوذ، ثم إن اضمائر المتعاقبة في الحديث [تأبى] إلا الكثرة، [كقول الرجل: (فأخذتهم فوضعتهم]: فجاءت أمهن)، وقوله: (وأمهن معهن): مرفوع بالابتداء (٣/ أجـ ٢) والواو فيه واو الحال، وعامر الرام يقال له: أخو الخضر، والخضر قبيلة من قيس غيلان، ويقال له أيضًا: عامر الرامي بإثبات الياء.
ومن باب []
(من الصحاح)
[١٦٤١] حديث عبد الله بن مسعود﵁- عن النبي - ﷺ -: (اللهم إنى أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر) الكسل: التثاقل عما لا ينبغي التثاقل عنه، ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير، مع ظهور الاستطاعة، فلا يكون معذورًا، بخلاف العاجز فإنه معذور لعدم القوة، وفقدان الاستطاعة، و(الهرم): كبر السن، الذي يؤدي إلى تهاون الأعضاء، وتساقط القوى، وإنما استعاذ منه
[ ٢ / ٥٥٣ ]
لكونه من الأدواء التي لا دواء لها. و(سوء الكبر): أراد بسوء الكبر ما يورثه كبر السن من ذهاب العقل، والتخبط في الرأي وغير ذلك، مما تسوء به الحال، ورواه بعضهم ساكنة الباء، وليس بصحيح، وروى من غير هذا الطريق عنه أيضًا: (وسوء الكفر) أي سوء عاقبة الكفر، ويحتمل أن المراد من الكفر: كفران النعمة.
[١٦٤٣] قال - ﷺ - حديث أبي هريرة: (فلينقض فراشه بداخله إزاره) قيل: لم يأمره بداخل الإزار دون خارجته؛ لأن ذلك أبلغ وأجدى، وإنما ذلك على جهة الخبر عن فعل الفاعل؛ لأن المؤتزر إذا ائتزر يأخذ أحد طرفي إزاره بيمينه، والآخر بشماله، فيرد ما أمسكه بشماله على جسده، وذلك داخلة إزارة، ويرد ما أمسكه بيمينه على ما يلي جسده من الإزار، فإذا صار إلى فراشه فحل إزاره، فإنما يحل بيمينه خارجة الإزار ويبقى الداخلة معلقة، وبها يقع النفض فإن قيل: فلم لا يقدر الأمر فيه على العكس؟
قلنا: لأن تلك الهيئة هي صنيع ذوي الآداب في عقد الإزار، ومناط الفائدة فيه أن المؤتزر إذا عاجله أمر فخاف سقوط إزاره أمسكه بالمرفق الأيسر، ودفع عن نفسه بيمينه، وفي رواية: (فلينفضه بصنفة ثوبه) صنفة الإزار بكسر النون طرفه، وهي جانبه الذي لا هدب له.
قلت: وذلك ملائم للقول الأول، فإن ذلك الجانب يجعل داخله الإزار وقيل: صنفة الثوب: حاشيته، أي جانب كان.
[١٦٤٤] ومنه قوله - ﷺ - في حديث البراء بن عازب﵁-: (وألجأت ظهري إليك) ألجأته إلى الشيء أي [أضطجعته] إليه [و(يستند)] في مثل (٣ ب/ جـ ٢).
[ ٢ / ٥٥٤ ]
هذا الموضع بمعنى الإسناد، يقال ألجأت أمري إلى الله أي: أسندته، وفيه تنبيه على أنه اضطر ظهره إلى ذلك، حيث لم يعلم له سنادًا يتقوى به غير الله، ولا ظهرًا يشتد به أزره سواه.
وفيه: (رغبة ورهبة إليك): الرغبة: السعة في الإرادة، والرهبة: مخافة مع تحرز واضطراب، وهما متعلقان بالإلجاء في معنى المفعول له. ومعنى (إليك) أي: صرفت رغبتي فيما أريده إليك قال الشاعر:
وإلى الذي يعطي الرغائب فارغبي
قيل إنه أعمل في الحديث لفظ الرغبة وحدها، ولو أعمل كل واحد منهما لكان من حقه أن يقول: رغبة إليك ورهبة منك، والعرب تفعل ذلك، ومنه قول الشاعر:
ورأيت بعلك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحا
وفي نظائره كثرة. قلت: ولو زعم زاعم احتمال أن يكون (إليك) متعلقًا بمحذوف، مثل قولك: متوجهًا بهما إليك، لم نستبعده.
وفيه: (بنبيك الذي أرسلت) في بعض طرق هذا الحديث عن البراء أنه قال: قلت: (وبرسولك الذي أرسلت) قال: (وبنبيك) وقيل: إنما رد عليه قوله؛ لأن البيان صار مكررًا من غير إفادة زيادة في المعنى: وذلك مما يأباه البليغ، ثم لأنه كان نبيًا قبل أن كان رسولًا، ولأنه اختار أن يثني عليه بالجمع بين الاسمين، ويعد نعمة الله في الحالتين، تعظيمًا لما عظم الله موقعه عنده من من الله عليه، وإحسانه إليه، وقيل: إنما رد عليه لاحتمال أن ينازعه في الاحتمال بعض رسل الله من الملائكة، قال الله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس﴾ فأراد بذلك تخليص الكلام من اللبس، والتصديق بنبوته، وهذا الوجه لا بأس به إن لم يعترض عليه معترض؛ فيقول: إن كان العلة فيه احتمال أن يراد به جبريل أو
[ ٢ / ٥٥٥ ]
غيره من رسل الملائكة- فإن مثل هذا الاحتمال غير منفي عن قوله: (ونبيك الذي أرسلت) لاحتمال أن يراد به رسول آخر من أنبياء الله ﷿، والوجه هو الاول.
(ومن الحسان)
[١٦٤٨] حديث أبي هريرة﵁- قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أصبح قال: (اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا ..) الحديث: السياء متعلق بمحذوف فكأنه يريد بنعمتك أصبحنا أو بحياطتك وكلاءتك] أو بذكرك واسمك، وبك نحيا وبك نموت أي: باسمك نحيا وباسمك نموت. ويكون في معنى الحال أي: مستجيرين ومستعيذين (٤/ أ/ جـ ٢) باسمك في جميع الأوقات، وسائر الأحوال، في الإصباح والإمساء، والمحيا والممات. ومثله في حديث حذيفة عن النبي - ﷺ -: (اللهم باسم أموت وأحيا) أي: لا أنفك عنه، ولا أهجره، محياي ومماتي.
[١٦٤٩] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة فيما أمر به أبا بكر الصديق﵁- من الدعاء: (ومن شر الشيطان وشرطه) ويروى (وشركه) بكسر الشين وسكون الراء أي: ما يدعو إليه من
[ ٢ / ٥٥٦ ]
الإشراك [بالله] ﷿، ويوسوس، وبفتح الشين والراء: ما يفتن به الناس من حبائله؛ والشرك حبالة الصائد، الواحدة: شركه.
[١٦٥٦] ومنه حديث ابن عمر﵄- قال: (لم يكن رسول الله - ﷺ - يدع هؤلاء
[ ٢ / ٥٥٧ ]
الكلمات حين يمسي وحين يصبح: (اللهم إني أسألك العافية ..) الحديث: عافاه الله وأعفاه بمعنى، والاسم العافية، وهي دفاع الله عن ابعد، ويوضع موضع المصدر، مثل راغية البعير، فإن العفو هو التجافي عن الذنب ومحوه والأصل فيه القصد لتناول الشيء يقال عفاه واعتفاه أي: قصده متناولًا ما عنده، وعفت الريح الديار قصدتها متناوله آثارها؛ والعافية: دفاع الله عن العبد الأسقام والبلايا ويندرج تحت قوله: (في الدنيا والآخرة) كل مشنوء ومكروه، وفي غير هذه الرواية: (أسألك العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة).
والمعافاة أن يعافيك الله عن الناس ويعافيهم عنك.
وفيه: (اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي): عورات ساكنة الواو جمع عورة، وأراد كل ما يستحي منه ويسوء صاحبه أن يرى ذلك منه وقرأ بعضهم ﴿عورات النساء﴾ بالتحريك، وإنما يحرك الثاني من فعله إذا لم يكن ياء أو واوًا، والروعات جمع الروعة وهي الفزعة. وفيه: (اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي): الجهات الأربع هي مأتى البليات من قبل الخلق لاسيما الشيطان وهو المخرج عباد الله بدعواه في قوله ﴿لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ في الآية والحديث: (من بين أيديهم ومن خلفهم) بحرف الابتداء، و(عن أيمانهم وعن شمائلهم) بحرف المحاوزة، وذلك لأن المفعول فيه عدى إليه بالواو وتعديته إلى المفعول به (٤/ ب/ جـ ٢) فلما اختلف حرف التعدية في ذاك اختلف في هذا، وأما جهة فوق فإن منها ينزل البلاء والصواعق والعذاب
[ ٢ / ٥٥٨ ]
وفيه: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) أي: أهلك بالخسف؛ والأصل في الاغتيال أن يؤتى المرء من حيث لا يشعر، وأن يدهى بمكروه ولم يرتقبه؛ قال الله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم﴾.
[١٦٦١] ومنه حديث علي ﵁، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول عند مضجعه: (اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامات ..) الحديث.
العرب تطلق الكريم على الشيء النافع الذي يدوم نفعه، ويسهل تناوله، وكل شيء يشرف في بابه يصفونه بالكرم، ولا يستعمل الكرم في وصف أحد إلا في المحاسن الكثيرة، ولا يقال كريم حتى يظهر ذلك منه، والمراد من الوجه قيل هو ذات الله تعالى، والعرب تقول: أكرم الله وجهك أي: أكرمك، ويستعمل الوجه في أشرف ما يقصد، وأعظم ما يبتغي، ووجه الله الكريم أشرف ما يتوجه إليه، وأكرم ما يتوصل به؛ ولهذا المعنى قال نبي الله ﷿ - ﷺ -: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) كراهة أن يسأل به السائلون عرضًا من أعراض الدنيا. تفسير كلمات الله التامات قد مر، فأما اختصاص وجه الله الكريم وكلماته التامات بالذكر عند الاستعاذة هو أن العوذ إنما يصح بمن انتهى كرمه، وعلا شأنه، وكملت قدرته، فلا يخذل المستعيذ به ولا يسلمه ولا يخيب رجاءه، ولا يعجزه عن أمره، ولا يحيله إلى غيره، وذلك مما لا يوجد إلا عند الله، ولا ينال إلا منه، وذكر كلمات الله تعالى ليعلم أن الاستعاذة بها كالاستعاذة بالله مع ما تتضمنه من الإشارة اللطيفة وهي أن الكلمة الواحدة منها تسد مسد الحاجة العبد ولو عظمت، قال اله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وفيه: ﴿أنت آخذ بناصيته﴾: الأخذ بالناصية تمثيل لكون كل شيء في قبضته وملكته، وتحت قهره وسلطانه، وإنما لم يقل: من شر كل شيء استغناء بوضوح البرهان على أن لا شيء في الموجودات إلا وقد اشتملت عليه، وهو تحت قدرته الأزلية موسوم بالذل والصغار (٥/ أ/ جـ ٢).
وفيه: (اللهم أنت تكشف المغرم والمأثم): الغرم والمغرم: ما ينوب الإنسان منه في ماله من ضرر لغير جناية منه، وكذلك ما يلزمه أداؤه. ومنه الغرامة، والغريم: الذي عليه الدين، والأصل فيه الغرام، وهو الشر الدائم، والعذاب، المراد من المغرم ما يلزم به الإنسان من غرامة، أو يصاب به في ماله من خسارة، وما يلزمه كالدين، وما يلحق به من المظالم. والمأثم مصدر كالإثم: وهو الوقوع في الذنب، وفيه: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) فسر الجد قبل ذلك بالغنى، وهو أكثر الأقاويل، وهو في المعنى بمنزلة قوله تعالى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى﴾. وقيل المراد منه الحظ، وهو الذي يسميه العامة البخت. وقد ورد في الحديث أن جمعًا من المسلمين في زمان النبي - ﷺ - تذاكروا فيما بينهم الجدود، فقال بعضهم: جدي في النخل، وقال الآخر: جدي في الإبل، وقال الآخر: جدي في كذا، فسمع به النبي - ﷺ - فدعا يومئذ بدعائه هذا؛ فإن صح فهو الوجه، لا معدل عنه؛ إلا أن فيه مقالًا، ورواه بعضهم بكسر الجيم، ورد عليهم أبو عبيد فقال: الجد: الانكماش، والله تعالى دعا الناس إلى طاعته، وأمرهم بالانكماش عليها على لسان نبيه - ﷺ -؛ فكيف يدعوهم إليه، ويأمرهم به، ثم يقول لا ينفعهم؟!
وقال ابن الأنباري: ما أظن القوم ذهبوا في معناه إلى الذي قاله أبو عبيد، بل ذهبوا إلى أن صاحب الجد على حيازة الدنيا الحريص عليها لا ينفعه ذلك، وإنما ينفعه عمل الآخرة.
[١٦٦٤] ومنه حديث ابن عمر﵁- عن النبي - ﷺ -: (خلتان لا يحصيهما رجل مسلم ..) الحديث: خلتان أي خصلتان لا يأتي عليهما رجل مسلم بالإحصاء كالعاد للشيء، ومعناه ما ذكره في
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الرواية الأخرى (لا يحافظ عليهما)، ويحتمل أن يكون من الإطاقة أي: لا يقوم بتحمل أعبائهما رجل مسلم، ويدل عليه قول السامعين لهذا الخطاب: (وكيف لا يحصيهما؟) وفيه: (فتلك مائة وخمسون باللسان) أي: إذا أتى بالعشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس فتلك مائة وخمسون. وأما قوله في الرواية الأخرى: (فتلك مائة باللسان) فإنما هي بعد كل صلاة.
[١٦٦٧] ومنه حديث أبي الازهر الأنماري ﵁ (٥/ ب/ جـ ٢) (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أخذ مضجعه من الليل، قال: باسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي، واخسأ شيطاني).
خسأت الكلب، فانخسأ، أي: زجرته مستهينًا به فانزجر، وخسأ الكلب بنفسه، يتعدى ولا يتعدى، والمعنى: اجعله مطرودًا عني كالكلب المهين، وإنما قال: (شيطاني) لأنه أراد به قرينه من الجن، وأراد: الذي ينبغي غوايته، فأضافه إلى نفسه.
وفيه: (وفك رهاني):
فك الرهن: تخليصه، وارهن: ما يوضع وثيقة الدين، والرهان مثله، وأكثرهم على أن الرهان يختص بما يوضع في الخطار.
[ ٢ / ٥٦١ ]
وأراد بـ (الرهان) - هننا-نفس الإنسان؛ لأنه مرهون بعملها؛ قال الله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾ أي: محبس بعمله.
وفيه: (واجعلني في الندى الأعلى):
الندى: أصله المجلس؛ لأن القوم يجتمعون فيه، وإذا تفرقوا لم يكن نديًا، ويقال- أيضًا- للقوم، تقول: ندوت القوم ندوا، أي: جمعتهم، والمعنى: اجعلني من القم المجتمعين.
ويريد بـ (الأعلى) الملأ الأعلى، وهم الملائكة أو من أهل الندى: إذا أريد به المجلس ويقال: لا يكون الندى إلا الجماعة من أهل الندى والكرم.
ويروى: (في النداء الاعلى) وهو الأكثر، والنداء: مصدر ناديته، ومعناه: أن ينادي به؛ للتنويه والرفع منه، ويحتمل أن يراد به: نداء أهل الجنة-فهم الاعلون رتبة ومكانًا- أهل النار، كما في القرآن: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا﴾.
[ ٢ / ٥٦٢ ]