(من الصحاح)
[٩٤] قوله - ﷺ - في حديث عائشة: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد) لفظ الأمر عام في الأقوال والأفعال، وأراد به النبي - ﷺ - الدين يعني: دين الإسلام، وإنما عبر عنه بهذا اللفظ؛ تنبيها على أن الدين هو أمرنا الذي نهتم له، ونشتغل به، بحيث لا يخلو عنه شيء من أقوالنا ولا من أفعالنا، وقوله: (فهو رد) أي: مردود.
[٩٥] ومنه قوله - ﷺ - في حديث جابر ﵁: (أما بعد) هما كلمتان يؤتى بهما لفصل الخطاب.
قال سحبان بن وائل:
لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت: أما بعد، أني خطيبها
[ ١ / ٧٦ ]
والفاء لازمة لما بعد (أما) من الكلام؛ لما في (أما) من معنى الشرط، وقوله: (خير الهدى) هدى الرجل: سيرته وطريقته، يقال: فلان حسن الهدى، أي: حسن المذهب في الأمور كلها، ويقال: هدى هدى فلان: أي سار سيرته، ويستعمل ذلك في السيرة الحسنة والطريقة المرضية، وقوله: (خير الهدى) على معنى الجمع، و(هدى محمد) على معنى الوحدان، فكأنه [٢١/ ب] قال: خير الطرائق طريقة محمد - ﷺ - وفيه: (وشر الأمور محدثاتها) بالنصب عطفا على اسم إن أتمها معنى، وأكثرها رواية، ويجوز فيه الرفع على الابتداء.
[٩٦] ومنه حديث ابن عباس﵄- عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم- الحديث) أي ملحد في حق الحرم، وهو أن يستحل ما حرم منه، والإلحاد: الميل عن الحق، مشتق من اللحد، وهو الحفرة المائلة عن الوسط.
والإلحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب، فالأول ينافي الإيمان ويبطله، والثاني يوهن عراه ولا يبطله. وقوله (ملحد في الحرم) من هذا القبيل، قال الله: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ وإذا ذهبنا في التأويل إلى الوجه الذي ذكرناه، فلابد أن نقول: إن قوله - ﷺ - (أبغض الناس) لا يجري على معنى العموم، بل المراد منه: أبغض الناس إلى الله، من عصاة الأمة، وأهل الملة، قال الله تعالى: ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ قوله - ﷺ -: (ليهريق دمه) يهريق، بفتح الهاء وأصله: أراق، يريق، إراقة، وأصل أراق أريق، وأصل يريق: يأريق، فأبدلوا من الهمزة الهاء؛ لاستثقالهم الهمزتين في قولهم: أنا أأريقه، ومنه لغة أخرى: أهرق الماء، يهرقه، إهراقا.
[٩٨] ومنه قوله - ﷺ - في حديث جابر ﵁: (ومحمد فرق بين الناس) فإن كانت الراء مشددة، من التفريق، فالمعنى: أنه ميز بينهم، فتبين به المطيع عن العاصي، والعاصي عن المطيع، وإن كانت الراء ساكنة فالفرق بمعنى الفارق، وهو في الأصل مصدر، فوصف به كالعدل، ولا أحققه رواية.
[٩٩] ومنه حديث أنس﵁- (جاء ثلاثة رهط .. الحديث) الرهط: من الثلاثة إلى
[ ١ / ٧٧ ]
العشرة، وقال الجوهري: الرهط: ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة، وليس له واحد من لفظه، وإنما جاز تمييز الثلاثة بالرهط؛ لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قال: ثلاثة أنفس، وقد وجدت في بعض تعليقات أصحاب الحديث أن الرهط الثلاثة علي وعثمان بن مظعون وعبد الله بن رواحة﵃ ولا أثبته رواية فيه: (كأنهم تقالوها) أي: رأوها قليلا، ولم أجد هذا البناء بصيغته في شيء من كتب اللغة وهو وارد في هذا الحديث، وفي حديث آخر كان الرجل يتقالها) أي: يستقلها.
[١٠٢] ومنه حديث أبي موسى ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به الحديث) وفيه: (وإني أنا النذير العريان) هذا مثل سائر بين العرب قبل المبعث، وإنما تكلم به النبي - ﷺ - ضربا للمثل وفي قوله: (وإني أنا النذير) تنبيه على أنه هو المستحق لضرب هذا المثل له وهو الذي يختص في لإنذاره بالصدق الذي لا شبهة فيه وهو الذي يحرص حقا على خلاص قومه، وقد اختلف في أصل هذا المثل ومعناه، فمن قائل: إن الرجل كان إذا رأى العدو، وقد هجمت على قومه، والغارة قد فجئتهم، تجرد من ثيابه ولوح بها؛ لينذر قومه وينبئهم أن قد فجئهم أمر، وأرى هذا القول أمثل الأقاويل، ومن قائل إن امرأة رقبة بن عامر البهراني، لما أتت الشام من الحيرة منذرة قومها بهرا من الشهباء والدوسر كتيبتي المنذر بن ماء السماء، قالت لهم: أنا النذير العريان، فأرسلتها مثلا، وخص العريان بالذكر؛ لأنه أبين للعين، ومن قائل: إن النذير العريان رجل من خثعم، حمل عليه عوف بن عامر، يوم ذي الخلصة،
[ ١ / ٧٨ ]
- ﷺ - بمسميات الجنس، فيلزمنا الوقوف على الحد الذي أوقفنا عليه، والتسليم لما يخبر به عن الغيب، فمن ابتغى التجاوز عن الحد المحدود له في هذا القسم؛ فهو مبتغ للفتنة، مبتغ للمتشابه؛ للزيغ الذي في قلبه، عصمنا الله عن ذلك، ووفقنا للانتهاء عما نهينا عنه، والائتمار لما أمرنا به.
ومنه قول عبد الله بن عمرو﵁-: هجرت إلى رسول الله - ﷺ - ..) التهجير: السير في الهاجرة، وكذلك التهجر، ومنه قول النابغة:
خليلي غضا ساعة وتهجرا
والتهجير أيضا بلوغ النهار وقت الهاجرة، قال امرؤ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا
[١٠٦] ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (ذروني ما تركتكم .. الحديث) قلت: إنما كان كثرة السؤال والاختلاف على الأنبياء سببا للهلاك؛ لأنهما من أمارات التردد في أمر المبعوث، وإساءة الأدب بين يديه، ومن حق المبعوث إليه أن يعلم أن الله بعث نبيه إليه ليعرفه مصالح معاده ومعاشه، ويبصره بمعالم دينه، ولا جائز أن يسكت عند الحاجة، أو يتكلم على خلاف المصلحة، أو يغفل عن مواطن الضرورة، فإن الله- تعالى- لم يجعله مستعدا لنبوته ولا أمينا على وحيه، إلا وقد تكفل له بالإصابة، وأيده بالهداية إلى الأرشد والأصلح، فعلى المبعوث إليه أن يلقي سمعه إليه، ويشهد بقلبه بين يديه، ويغتنم سكوته إذا سكت، وكلامه إذا تكلم، ويسد دونه باب الاختلاف، ويجتنب معه عن مظان الاعتراض، فمهما عود نفسه كثرة السؤال، وفتح عليها باب الاختلاف؛ حرم بركة الصحبة، فابتلي بسوء الأدب، وذلك منشأ الوبال، ومطلع الهلاك، وهؤلاء الصوفية يقولون: من قال لأستاذه: لم، لا يفلح أبدا، فما ظنك بمن تولاه الله بالعصمة في أحواله، وأمر عباده بالتسليم والائتساء دون أقواله وأفعاله - ﷺ - أبد الآبدين.
[١٠٧] ومنه: حديث سعد بن أبي وقاص﵁- عن النبي - ﷺ -: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما الحديث) قد عرفنا- بنص الكتاب- أن قد كان من الطيبات ما حرمه الله- تعالى
[ ١ / ٧٩ ]
[١٠٥] ومنه حديث عائشة ﵂: (تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿هو الذي أنل عليك الكتاب﴾ الحديث) قد افتقرنا في بيان هذا الحديث إلى الكشف عن المراد بالحكم والمتشابه؛ ليتبين لنا المحق عن المبطل في أبواب التأويل، فنقول وبالله التوفيق: المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، فكأن عبارته أحكمته: بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه، ثم بأن عصمت عن النسخ. وقيل: المحكم، ما أجمع على تأويله. وأما قوله- تعالى-: ﴿هن أم الكتاب﴾ أي: أصله؛ فتحمل المتشابهات عليها، وترد إليها. وقيل: أم الكتاب أي معظمه. ويقال لمعظم الطريق أم الطريق.
وأما المتشابه، فإنه من حيث الاعتبار اللفظي: ما أشكل تفسيره؛ لمشابهة غيره، ومن حيث الاعتبار المعنوي: ما لا ينبئ ظاهره عن مراده الذي يقتضيه النظر، وأن المتشابه [٢٣/ ب] على أقسام:
فمنها ما يرجع إلى الألفاظ المفردة للاشتراك، ومنها ما يرجع إلى جملة الكلام المركب لاختصار الكلام أو لبسطه، أو للتقديم والتأخير في نظمه، ويدخل في جملتها العموم والخصوص والوجوب والندب، والناسخ والمنسوخ ومنها ما يشتبه من جهة المكان والأمور التي ترد فيها أو في جهة الشروط التي بها يصح الفعل، أو يفسد، وكل هذه أقسام يجوز للعلماء الفحص عنها، بل يجب عليهم بيانها، وكل ذلك متشابه من وجه، وغير متشابه من وجه فلا يسمى متشابها على الإطلاق، بل هو متشابه بالنسبة إلى من لم يتقنه رواية ودراية، وعليه أن يحذر من التعرض له.
وهناك قسم آخر، هو المتشابه على الإطلاق فيجب الإيمان به، وترك التعرض به للكيفية، والتوقي عن استعمال القياس فيه، فمنه صفات الله- تعالى- التي لا كيفية لها، وأوصاف القيامة التي لا سبيل إلى إدراكها بالقياس والاستنباط، ولا سبيل إلى استحضارها في النفوس، إلا أنها معرفة على لسان الشارع-
[ ١ / ٨٠ ]
وفيه: (فتغلبوني وتقحمون فيها) فتغلبوني: النون مشددة منه؛ لأن أصله: فتغلبونني، فأدغم إحدى النونين في الأخرى. وقوله: (تقحمون) أي: ترمون بأنفسكم فيها، والتقحم: الدخول في الشيء من غير روية، وأكثر ما يستعمل في الشدة والأهوال المخيفة، والأخطار الشاقة، فهذه أمثال ضربت لمن جل انتفاعه بالعلم والهدى، فعلم وعلم فانتفع بعلمه، وانتفع به غيره، ولمن قل حظه من الانتفاع بالعلم في نفسه، وانتفع به غيره، ولمن لم يستعد أصلا لقبول العلم والهدى، فلم ينتفع بهما.
[١٠٤] ومنه حديث أبي موسى عن النبي - ﷺ -: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ..)
يقال: مثل الشيء: إذا انتصب وتصور، وأصل المثول: الانتصاب، والممثل المصور، والمثل: عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر، بينهما مشابهة، ليبين أحدهما الآخر ويصوره، والغيث: المطر، وإنما ضرب المثل بالغيث؛ للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيي البلد الميت، والعلم يحيي القلب الميت، وقد كان الناس في الزمان الأول قبل المبعث، وهم على فترة من الرسل قد امتحنوا بموت القلب/ ٢٣ أونضوب العلم، حتى أصابهم الله برحمة من عنده، فأفاض عليهم سجال الوحي السماوي، فأشبهت حالهم حال من توالت عليهم السنون وأخلفتهم المخايل، حتى تداركهم الله بلطفه، وأرخت عليهم السماء خزاليها ثم كان حظ كل فريق من تلك الرحمة على ما ذكره من الأمثلة والنظائر، وفيه: (فكانت منها طائفة طيبة) الطائفة من الشيء: قطعة منه. وفيه: (وكانت منها أجادب) الأجادب: صلاب الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع إليه النضوب. وقد اختلف في هذا الحرف، فمنهم من رواه بالحاء والراء، وليس ذلك بشيء، ومنهم من قال: إنما هي: أجارد، بالجيم والدال، جمع جرداء وهي التي لا تنبت الكلأ فيسترها النبات، وقال بعضهم: إنما هي أخاذات، سقط منها الألف، فصحفت، والأخاذة: شيء كالغدير، وجمعها السماعي أخاذ، وقد رواها أناس أخاذات كذلك، حتى خرجت من جملة الشذوذ، وأوضح هذه الألفاظ من طريق الرواية الأجادب، وأقومها من طريق اللغة الأجارد، غير أنها لا تثبت رواية. وفيه: (إنما هي قيعان) القاع: المستوى من الأرض، والجمع: أقوع وأقواع وقيعان، لم نجد أهل اللغة يزيدون في تفسير القيعان على هذا شيئا، والذي يدل عليه نسق الحديث هو أن القاع هي الأرض المستوية الملساء، التي لا تنبت؛ لأن الغالب على هذا النوع أن لا تنبت، ومنها السراب اللامع، قال الله تعالى: ﴿كسراب بقيعة﴾ والقيعة، مثل القاع، وأصلها الواو، وكذلك القيعان، وإنما صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها.
[ ١ / ٨١ ]
فقطع يده ويد امرأته، فأتى قومه ينذرهم، فضرب به المثل، وأول أوجه؛ للمطابقة التي بين اللفظ والمعنى.
والظاهر أن قوما سمعوه من البهرانية، فأسندوه إليها، وقوم سمعوه من الخثعمي فأسندوه إليه، وقد كان مبنى القول على ما ذكرناه من التخريج، ثم صار مثلا لكل أمر يخاف مفاجأته، ولكل أمر لا شبهة فيه، والأمران معا اجتمعا في إنذار النبي - ﷺ - لظهور الصدق في قوله واستبانة مظان الخوف عن وقوع ما ينذر به.
وفيه: (النجا النجا) أي: انجوا انجوا، يقال: نجوت من كذا نجاء- ممدود- ونجا، مقصور. وفيه: (على مهلهم) أي: على هينتهم وسكونهم، والمهل- بالتحريك- التؤدة والسكون، والإمهال والتمهيل: الإنظار، والاسم منه المهلة وفيه: (واجتاحهم) أي: استأصلهم يقال: جاحتهم الجائحة واجتاحهم، وجاح الله﷿ ماله، وأجاحه بمعنى، أي أهلكه بالجائحة.
[١٠٣] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها الحديث) الإضاءة: فرط الإنارة، واشتقاقه من الضوء، وهو ما انتشر من الأجسام النيرة، يقال: ضاءت النار، واضاءت غيرها، يتعدى ولا يتعدى. وحول الشيء: جانبه الذي يمكنه أن يحول إليه، أو سمي بذلك اعتبارا بالدوران [٢٢/ ب] والإطافة، ويقال للعام حول؛ لأنه يدور، ويجوز أن يكون (أضاءت) غير متعدية، مستندة إلى (ما حولها) والتأنيث للحمل على المعنى؛ لأن ما حول النار أماكن وأشياء، وفي كتاب الله: ﴿ما حوله﴾ لأن المثل ضرب بحال المستوقد، فرجع الضمير إليه، وهاهنا ضرب المثل بوقوع الفراش في النار؛ لجهله بما يعقبه التقحم فيها، فرجع الضمير إلى النار، وفيه: (أنا آخذ بحجزكم).
حجزة الإزار: معقده، واستعير الأخذ بالحجزة للمنع الشديد؛ لأن الذي يمنع صاحبه عن الشيء يتمسك به؛ ليكون المنع أقوى وأشد، مع أن المأخوذ إذا أخذ بحجزته امتنع مما يمنع منه؛ حذرا من انحلال عقدة الإزار، وبدو السوءة، والحجزة أخذت من الحجز، وهو المنع بين الشيئين والفاصل بينهما، ومنه الحاجز.
وفيه: (هلم عن النار) قال الخليل: أصله: لم، أراد: لم نفسك إلينا بالقرب منا، و(ها) للتنبيه، وإنما حذفت الهاء لكثرة الاستعمال، وجعلا اسما واحدا، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في لغة أهل الحجاز، قال الله- تعالى-: ﴿والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾ وقيل: أصله: هل أم، أي: هل لك في كذا، أمه: أي اقصده، فركب الكلمتان، فقيل: هلم ومعناه: هلم إلى واغرب عن النار.
[ ١ / ٨٢ ]
- عقوبة للمكلفين على ما اجترحوه من الذنوب، وذلك قوله- سبحانه-: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ فالسائل عن شيء لم يحرم سلك في سؤاله ذلك ملك الاختلاف على الأنبياء، وهو في ذلك متعد طوره، متجاوز حده، التي ذكرناها قبل هذا الحديث.
ثم إنه أذنب حين أقدم على ما نهي عنه، ونطق حيث أمر بالسكوت، فأصبح مستحقا للعقوبة، على ما ارتكبه، فعاقبه الله بتحريم ما سأل عنه، فجنى على نفسه، وجر جريرة إلى من سواه من أهل دينه، بسؤاله ذلك، فصار أعظم المسلمين في المسلمين جرما، لا لأن جريمته أعظم الجرائم، بل لما عمهم من البلوى، وبيان ذلك: أن القتل أكبر الكبائر بعد الشرك، فلا يمكن أن يكون جرم هذا السائل أعظم من القتل، ولكنه لما جنى جناية تعدت منه إلى سائر المسلمين أولهم وآخرهم؛ صار أعظم المسلمين في حق المسلمين جرما، والقتل- وإن كان أعظم منه، فإنه يتعدى إلى القاتل وإلى عاقلته، وإلى قبيلته أو إلى أهل قريته، ولا كذلك جرم الذي حرم ما سأل عنه لأجل مسألته، فإنه تعدى إلى سائر المسلمين، فلا يمكن أن يوجد جرم ينتهي في معنى العموم إلى هذا الحد، فإن قيل: اليهود لما ظلموا عمهم الله بالعقوبة، فحرم عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا السائل إنما جنى جناية لم يشاركه في اجتراحها أحد، فما بال سائر المسلمين يشاركونه في العقوبة؟
قلنا: لقد كان أيضا في اليهود من لم يشاركهم [٢٤/ ب] في ظلمهم، كيف وقد كان فيهم الأنبياء والصديقون، ثم إن التحريم لم يختص بالظالمين منهم، بل كانوا سواء في حكم التحريم، وإنما عوقب به الظالم، وابتلى به الصابر، والظالمون قد جنوا على أنفسهم بالظلم، فاستحقوا العقوبة بالتحريم، وتعدى إلى غيرهم، ثم أضيف التحريم إلى الظالمين؛ لأن ظلمهم كان السبب، فكذلك ها هنا.
[١١١] ومنه حديث عبد الله بن مسعود﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي الحديث) هذا الحرف.
[ ١ / ٨٣ ]
أعني: (في أمة قبلي) - وجدناه في النسخ من المصابيح: (في أمته قبلي) بزيادة الهاء، ونحن نرويه بغير هاء عن كتاب مسلم وغيره، وهو الصواب والأمثل في فصيح الكلام.
وفيه (إلا كان له من أمته حواريون) يذهب كثير من أهل العلم إلى أن الأصل في تسمية الناصر بالحواري، أن أصحاب عيسى﵇- كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها، فلما كانوا أنصاره دون الناس؛ قيل لكل ناصر نبيه حواري، تشبها بأولئك، وقال بعض المتعمقة: إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوس الناس عن دنس الجهل وأوضار الذنوب، بإفادة الدين والعلم.
والمعنى المستقيم على الوضع اللغوي أنهم خلصان الأنبياء؛ لأن حواري الرجل صفوته وخلاصته الذي أخلص ونقى من كل عيب، ومنه قيل للحضريات: الحواريات؛ لخلوص ألوانهن ونظافتهن. قال أبو جلدة:
فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وفي وزنه الحواري، وهو: كثير الحيلة، ويحتمل أنه سمي حواريا؛ لأنه روجع في اختياره مرة بعد أخرى، كالدقيق الحواري، الذي نقى ونخل.
وفيه: (ثم يخلف من بعدهم خلوف) خلف فلان فلانا: إذا كان خليفته، قال الله تعالى-: ﴿وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي﴾ ويقال: خلفه، أي: جاء بعده، والمراد به ها هنا جيئة الخلوف بعد السلف، والخلوف: الحضور المتخلفون، ويقال أيضا: حي خلوف، أي: غيب، وهو من باب الأضداد، ويقال أيضا: حي خلوف: إذا ذهب الرجال وبقي النساء، فيحتمل أنه استعير في صفتهم إشارة إلى أنهم لا يغنون في أمر الدين غناء كالنساء والصبيان.
ومنه الحديث: (أن اليهود قالت: لقد علمنا أن محمدا - ﷺ - لم يترك أهله خلوفا). أي: لم يتركهن لا راعي لهن ولا حامي، والظاهر أن الخلوف ها هنا جمع خلف، قال الله - تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾.
والخلف والخلف: ما جاء بعد، ويجوز فيه التحريك والتسكين، إلا أنه يقولون: حلف سوء- بالتسكين- وخلف صدق- بالتحريك. يريدون الفرق بينهما، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، فنجمع حلف على أخلاف، كما نقول: سلف وأسلاف، وخلف على خلوف كما نقول عدل وعدول، والخلف أيضا: الرديء من كل شيء، يقال: سكت ألفا ونطق خلفا. أي رديئا من القول.
والمعنى: أنه يجيء من بعد أولئك السلف الصالحين أناس لا خير فيهم، ولا خلاق لهم في أمور الديانات.
وفيه: (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) والمعنى أن أدنى مراتب أهل الإيمان أن تضطرب قلوبهم لظهور المنكر، ويكون منه في جهد وعناء، حتى لا يستقر، ولا تنقطع النزاع عنها، فإن استقرت
[ ١ / ٨٤ ]
على ذلك، وانقطع عنها النزاع الذي هو حق الإيمان، وسمت المؤمنين وسمتهم؛ آذنت بأنها خالية عن القوى الإيمانية، عرية عن الصفات النورانية.
[١١٢] ومنه حديث معاوية﵁- عن النبي - ﷺ -: (لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله) قد ذكرنا معنى الأمة، والوجوه التي تتصرف عليها، فالمرادون بقوله: (أمتي) هم المجيبون لدعوته، وبقوله: (أمة) هم المؤثرون لهديه الآخذون بسنته، ووصفهم بقوله: (قائمة بأمر الله) وهم المراعون لطاعته، الحافظون عليها. وقوله: (حتى يأتي أمر الله) أي: القيامة، كقوله- تعالى-: ﴿أتى أمر الله﴾.
[١١٣] وقوله- في حديث جابر﵁- الذي يتلو هذا الحديث: (لا يزال طائفة من أمتي) فالمراد بهم: المجاهدون في سبيل الله، وقد حمل الحديثان على جيوش الشام المرابطة في سبيل الله، نضر الله بها وجه الإسلام، فقيل: المرادون بالأمة القائمة هم المجاهدون، ومنهم من قال: هم العلماء، ومنهم من قال: هم أصحاب الحديث. والأظهر أن يحمل حديث معاوية على السواد الأعظم الذي يقيمون كتاب الله وسنة رسوله، وأولاهم بذلك العلماء الربانيون، والأئمة المقسطون، وعباد الله المقربون. وحديث جابر وما جرى مجراه من الحديث كحديث عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وعمران بن حصن والمغيرة ابن شعبة وابن عمر وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة وثوبان وجابر بن سمرة، وسلمة بن نفيل الكندي﵃- على الفئة الغازية بالثغور الشامية، نصر الله أهلها وجمع شملها.
[١١٥] ومنه حديث أبي هريرة﵁-: (بدأ الإسلام غريبا الحديث) معنى هذا الحديث أن الإسلام لما بدأ في أول وهلة نهض بإقامته والذب عنه أناس قليلون من أشياع الرسول - ﷺ - ثم من أفناء الناس ونزاع القبائل فشردوهم عن البلاد، ونفوهم عن عقر الديار، يصبح أحدهم معتزلا مهجورا، ويبيت منتبذا وحدانا، ينكره الأهلون، ويباعده الأقربون، فهو بين الناس كالغريب؛ لقلة الأشكال وعوز الآلاف، لا يخالطه أحد، ولا يستأنس هو بأحد، فأخبر - ﷺ - أن أمر الإسلام في الآخر يعود
[ ١ / ٨٥ ]
إلى ما كان عليه في الأول، لا يكاد يوجد من القائمين له إلا الأفراد الذين يتعيشون بين ذويهم وقراباتهم بعيش الغرباء؛ لاختلاف ما بين الفئتين من المقاصد، ويمكن أن يكون المماثلة بين الحالة الأولى والحالة الآخرة لقلة بمن كانوا يتدينون به في الأول وقلة بمن كانوا يعملون به في الآخر. قال: (فطوبى للغرباء) فأثنى على أولئك النفر بقوله هذا، وطوبى فعلى من الطيب، قلبوا الياء واو للضمة قبلها، ويقال: طوبى لك، وطوباك، بالإضافة.
[١١٩] ومنه حديث المقدام بن معد يكرب﵁- عن النبي - ﷺ -: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه الحديث) أشار - ﷺ - بقوله هذا إلى ما آتاه الله من الفهم في الكتاب والهمة من بيان الأحكام
[ ١ / ٨٦ ]
وتفصيل الحلال والحرام، أو أراه في المنام، أو نفث في روعه روح القدس من الحكم والأمثال، فكل ذلك من أقسام الوحي الذي آتاه الله، سوى القرآن، والقرآن من تلك الأقسام مخصوص بالرتبة العظمى، والمنزلة الكبرى؛ لأنه كلام الله: وحيه وتنزيله، ثم إنه يمتاز عما سواه من هذه الأقسام في أحكام التلاوة، ومس المكتوب منه، وكل ذلك في حق العمل والحكم به سواء؛ لأن الكل من عند الله، وقد نزه نطق نبيه عن الهوى، وأمر بإتباعه فيما يأمر وينهي، فقال سبحانه-: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ ولما كان المثل من أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، ساغ من طريق الاحتمال أن يقال: إن النبي - ﷺ - قال: (ومثله معه) للمشابهة التي بين الكتاب والسنة من طريق الحكم، وباب العمل به، غير أن الأظهر أنه أراد به الكمية لما يدل عليه قوله - ﷺ - في حديث العرباض﵁- وهو تلو هذا الحديث: (ألا إني والله)، قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر) فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله - ﷺ -: (ومثله معه) وبين قوله: (أو أكثر) والجواب: أن نقول: يحتمل أنه كوشف بذلك، حين كان جماع ما علمه الله سوى القرآن مثل القرآن دراسة وكتابة، ثم كاشفه الله بالمزيد من عنده؛ فقال: (أو أكثر) والمعنى: بل أكثر، ويحتمل أن حديث المقدام﵁- للمشابهة في حق العمل والحكم به، ولهذا قال: (إنما حرم رسول الله كما حرم الله) وحديث العرياض﵁- للمشابهة بينهما في الكمية على سبيل التقدير، وإنما قال ذلك لئلا يسارع ذوو الأفهام القاصرة إلى رد ما لا يجدونه في الكتاب، ولا يستطيع أعداء الكتاب والسنة أن يصرفوهم عن أحاديث الرسول - ﷺ - بهذا التمويه.
قلت: وللمجوز نسخ الكتاب بالسنة أن يعارض بحديث المقدام من استدل عليه بقوله- سبحانه-: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ذهابا إلى المثلية في الحكم في هذا الحديث.
وفيه: (ألا يوشك رجل شبعان على أريكته) والمعنى: إن أشر النعمة وبطر الحشمة يحمله على الخوض فيما لا يعلمه والدفاع لما لا يريده، متسترا في ذلك بتعظيم القرآن، وهذه شنشنة عرفت في الإسلام قديما وحديثا عن علماء السوء وولاة الجور، والأريكة: سرير منجد مزين في قبة أو بيت.
وفيه: (ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي الحديث) ذكر هذه النظائر لبيان القسم الذي ثبت بالسنة ولم يوجد له ذكر في الكتاب. وفيه: (فعليهم أن يقروه) يقروه- بفتح الياء- أي: يحسنوا إليه، يقال: قريت الضيف قرى، مثل: قليته قلى، وقريته قرأ: إذا أحسنت إليه، فإذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت وفيه: (فله أن يعقبهم بمثل قراه) أي: يجازيهم من صنيعهم: بأن يأخذ مثل قراه من مالهم، يقال: أعقبه بطاعته، أي: جازاه، وقد قيل: إن هذا في المضطر الذي لا يجد طعاما، ويخاف على نفسه التلف، وقد كان - ﷺ - يبعث السرايا والقوم مسنتون، وكانوا سكان البوادي والمفاوز لا يقام لهم
[ ١ / ٨٧ ]
سوق، فشدد عليهم في القرى؛ ليقيموا للسرية الغازية ما يتبلغون به، ولعل الأمر بأخذ مقدار القرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي شرعت في الأموال زجرا للمتمردين، ثم نسخت، كالأمر بتحريق متاع الغال، وأخذ نصف المال [٢٦/ ب] من مانع الزكاة، مع ما لزمه من مال الزكاة.
[١٢١] ومنه حديث العرياض بن سارية﵁-: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة، ذرفت منها العيون الحديث).
بليغة: أي: بالغ فيها بالتخويف والإنذار، كقوله تعالى-: ﴿وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾ والبلوغ والبلاغ؛ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى ومنه البلاغة والأصل فيه أن يجمع الكلام ثلاثة أوصاف: صوابا في موضوع اللغة، وطبقا للمعنى المراد منه، وصدقا في نفسه. وكلام الرسول - ﷺ - أحق بهذه الأوصاف من بين كلام سائر الخلق، وقوله: (ذرفت) أي سال منها الدمع، وكان ذلك لاستيلاء سلطان الخشية على القلوب، وتأثير الرقة فيها، وفيه: (وإن كان عبدا حبشيا) معنى هذا الكلام: أن السلطان لو ولى عليكم عبدا حبشيا فاسمعوا له وأطيعوا، وتقدير الكلام، وكان المولى عبدا حبشيا ويحتمل أنه أراد بذلك المبالغة في طاعة ذوي الأمر، دون ما يقتضيه ظاهر اللفظ والعرب تضرب المثل في أبواب المبالغة بما لا يكاد يكون، ومن هذا الباب قوله - ﷺ -: (من بنى لله مسجدا، ولو كأفحوص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة).
وفيه: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) المعنيون بهذا القول هم الخلفاء الأربعة؛ لأنه قال في حديث آخر: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة) وقد انتهت الثلاثون بخلافة علي﵁- وليس معنى هذا القول انتفاء الخلافة عن غيرهم؛ لأن النبي - ﷺ - قال: (يكون في أمتي اثنا عشر خليفة) وإنما المراد تفخيم أمرهم، وتصويب رأيهم، والشهادة لهم بالتفوق فيما يمتازون به عن غيرهم من الإصابة في
[ ١ / ٨٨ ]
العلم، وحسن السيرة، واستقامة الأحوال، ولهذا وصفهم بالراشدين، وهم: الذين أوتوا رشدهم في مقاصدهم الصحيحة، وهدوا إلى الأقوم والأصلح في أقوالهم وأفعالهم، وإنما ذكر سنتهم في مقابلة سنته لأمرين:
إحداهما: أنه علم أنهم لا يخطئون سنته، فيما يستخرجونه من سنته بالاجتهاد. ومن هذا الباب قتال أبي بكر﵁- مانعي الزكاة، وقتال علي﵁- المارقة، وقد تعلق بذلك أحكام كثيرة، وقد بلغنا عن أبي حنيفة- رحمة الله عليه- أنه قال: لولا علي ما كنا ندري أحكام أهل البغي.
والثاني: أنه - ﷺ - علم أن بعضا من سنته لا يشتهر في زمانه، وإن علمه الأفراد من صحابته، ثم يشتهر في زمان الخلفاء، فيضاف إليهم، فربما يتذرع أحد إلى رد تلك السنة بإضافتها إليهم، فأطلق القول بإتباع سنتهم؛ سدا لهذا الباب، ومن هذا النوع منع عمر﵁- عن بيع أمهات الأولاد، وله نظائر كثيرة.
وفيه: (عضوا عليها بالنواجذ) اختلف أهل اللغة في النواجذ، فمن قائل: إنها الأضراس. ومن قائل: إنها المضاحك. ومن قائل: إنها الأنياب. والأكثرون على أن الناجذ آخر الأضراس من الإنسان وهي أربعة نواجذ، ومن الفرس: أنيابه، فلعل بعضهم استعملها في أنياب الإنسان على طريق التوسع، ومعنى هذا الكلام: المبالغة في التمسك بهذه الوصية، بجميع ما يمكن من الأسباب المعينة عليه، كالذي يتمسك بالشيء، ثم يستعين عليه بأسنانه، استظهارا للمحافظة، وعلى هذا التأويل، فالنواجذ هي الأنياب، ويجوز أن يكون معناه المحافظة على هذه الوصية، بالصبر على مقاساة الشدائد، كمن أصابه ألم فأراد أن يصبر عليه، ولا يستغيث منه بأحد، ولا يريد أن يظهر ذلك عن نفسه، فجعل يشتد بأسنانه بعضها على بعض، وكل ما حمل عليه النواجذ من الأقاويل، فإنه يستقيم على هذا التأويل، والله أعلم.
[١٢٣] ومنه حديث عبد الله بن عمرو﵁- عن النبي - ﷺ - (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) إن حمل قوله - ﷺ -: (لا يؤمن أحدكم) على معنى الاتساع فيه، كقوله:
[ ١ / ٨٩ ]
(ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه) فمعناه: أنه لا يستكمل درجات أهل الإيمان، حتى يخالف هواه في إتباع الشرع، فلا يسلط هواه على الحق، بل يكون الحق الذي جئت به مسلطا عليه. وإن قيل: معناه: أن يوافقه الهوى على إتباع الشرع موافقته على ما لو فاته فيستمر على الطاعة من غير كراهة في النفس، ويذهب عنه كلفة التكليف، وذلك حين يذهب كدر النفس، ويبقى صفوتها، فتتحلى بالصفات النورانية، وتؤيد بالقوى الروحانية، فله وجه، إلا أنها حالة نادرة لا توجد إلا في المحفوظين من أولياء الله، ومن الله المعونة في تيسير كل عسير.
وإن حمل على ظاهر اللفظ، فمعناه: أنه لا يؤمن حتى يعتقد مخالفة هواه، فإنه إذا اعتقد ذلك وعرفه بالفرضية على نفسه، فقد جعل هواه تبعًا للشرع، وإن لم يستقم في المعاملة به.
(ومن الحسان)
[١٢٥] حديث عمرو بن عوف المزني - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (إن الدين ليأرز إلى الحجاز .. الحديث) يأزر أي: ينضم إليها، ويجتمع بعضه إلى بعض فيها، والمأرز: الملجأ. والحجاز: مكة وما ينضم إليها من البلاد، سميت بذلك لأنها حجزت بين نجد والغور. وقال الأصمعي: لأنها احتجزت بالحمراء والخمس. وفيه: (وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل) وليعقلن: أي: ليمتنعن به، فيتخذه معقلًا، أي: ملجأ، كما تتخذه الأروية من رأس الجبل. والأروية: الأنثى من الوعول.
[ ١ / ٩٠ ]
وثلاث أراوي، على أفاعيل، فإذا كثرت، فهو الأروى، يقال: عقل الوعل: أي: امتنع في الجبل العلي، يعقل عقولا، وبه سمي الوعل عاقلا، ولعله - ﷺ - ضرب المثل بالأروية دون الوعل؛ لأنها أقدر على التمكن مما توعر من الجبال، والمعنى: أن الدين في آخر الزمان يعود إلى الحجاز، كما بدأ منه، وذلك حين تظهر الفتن، ويستولي أهل الكفر على بلاد الإسلام، فينضم الفرارون بدينهم إلى الحجاز ممتنعين بها، وقد مر بيان قوله (إن الدين بدأ غريبا) ولقد حرف اسم الصحابي الذي يروي هذا الحديث في سائر النسخ من المصابيح إلا ما أصلحه أهل المعرفة بأسماء الرجال، وذلك أن زيد بن ملحة جاهلي لم يدرك الإسلام، والراوي سبطه وهو عمرو بن عوف، زيد بن مالحة المزني، والصواب فيه رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده.
[١٢٦] ومنه حديث عبد الله بن عمرو ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل) تقول: حذوت النعل بالنعل: إذا قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها؛ ليكونا على سواء، وقد بين - ﷺ - المعنى المراد منه فيما يتبعه من الحديث.
ومنه: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة) قد ذكرنا في الباب الأول معنى الأمة، وما يتصرف عليها من الوجوه. والمراد به هاهنا من تجمعهم دائرة الدعوة من أهل القبلة؛ لأنه أضافهم إلى نفسه، فقال:: (أمتي) وأكثر ما ورد في الحديث على هذا الأسلوب، فإن المراد منه أهل القبلة، كقوله - ﷺ - في حديث الشفاعة: (أمتي أمتي) وقوله: (أمتي أمة مرحومة) ونحوها مما لا يجوز إطلاقه إلا على من أجاب دعوته نعم، وقد ورد أيضا في الحديث ما يصح أن يحمل على من انتهى إليه الدعوة كقوله - ﷺ - في حديث الشفاعة (فهي نائلة - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا) وعلى هذا فإن ذهب ذاهب في تأويل الأمة في هذا الحديث إلى أنه أراد به من توجه عليهم الإجابة لانخراطهم في سلك واحد من بلوغ الدعوة، فله وجه، وحينئذ يتناول أصناف أهل الكفر وفرق أهل الضلالة. وأما قوله - ﷺ -: (سبعين ملة) فإن الملة في الأصل: ما شرع الله لعباده على ألسنة الأنبياء، ليتوصلوا به إلى جوار الله، ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها ولا يكاد يوجد مضافًا إلى الله، ولا إلى آحاد أمة النبي - ﷺ - بل يقال: ملة محمد - ﷺ - وملتهم كذا، ثم إنها اتسعت، فاستعملت في الملل الباطلة، حتى قيل: الكفر كله ملة واحدة والمعنى: أنهم يفترقون فرقًا تتدين كل واحدة منها بخلاف ما تتدين به الأخرى، فسمي طريقتهم ملة، على الاتساع.
[ ١ / ٩١ ]
وفيه: (كلهم في النار، إلا ملة واحدة) إذا أطلق الحديث على أهل القبلة، فمعنى قوله - ﷺ - (كلهم في النار) أنهم يتعرضون لما يدخلهم النار، وذلك مثل قوله - ﷺ -: (القاتل والمقتول في النار) ومن الجائز أن يغفر الله للمقتول، فلا يدخلها، أو يدخلها القاتل ثم يخرج منها، فأشار بذلك إلى أن المقتول عرض نفسه للنار بالقصد الذي قصده، وكذلك القاتل استحق الدخول بالفعل الذي فعله، أو يكون معناه: أنهم يدخلونها بذنوبهم، ثم يخرج منها ما لم يفض به بدعته إلى الكفر برحمة الله.
[١٢٧] ويقرب من هذا المعنى قوله - ﷺ - في الحديث الذي يتلو هذا الحديث، وهو حديث أنس - ﵁: (ويد الله على الجماعة)، ومن شذ شذ في النار) أي: يمن عليهم - سبحانه - بالنصرة والحفظ، أو منته عليهم بالتوفيق لموافقة الجماعة، ومن شذ، أي: انفرد عن الجمهور والسواد الأعظم، فقد شذ فيما يدخله النار، أو شذ في أمر النار. وقوله - ﷺ -: (إلا ملة واحدة) يعني: إلا أهل ملة واحدة.
وفيه: قالوا: من هي يا رسول الله، قال: ما أنا عليه وأصحابي) قولهم: (من هي) لأنهم سألوه عن أهل الملة المستثنى بها. وقوله: (ما أنا عليه) لأنه كشف عما سألوه، ببيان الملة؛ لأن تعريف أهل الملة حاصل بتعريف ملتهم، وفيما ألحقه بهذا الحديث من رواية معاوية عن النبي - ﷺ - أنه سيخرج في أمتي قوم تجارى بهم تلك الأهواء) أي: سرت في عروقهم ومفاصلهم، فاستمرت بهم وتمادت أو ذهبت بهم تلك الأهواء في كل واد، وأكثر ما يستعمل التجاري في الحديث، يقال: تجاروا في هذا الحديث أي: جرى كل واحد مع صاحبه، وجاراه أيضا. والأهواء جمع هوى، وهو: ميل النفس إلى ما تشتهيه، ويقال: سمي بذلك لأنه يهوى بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية، وإنما قال بلفظ الجمع
[ ١ / ٩٢ ]
تنبيها على أن لكل واحد من هؤلاء القوم هوى من غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد لا يتناهى، فيسلك كل منهم فجا غير فج الآخر، ولا يتناهى حيرتهم وضلالهم أبدا، فلا يتفق كلمتهم.
وفيه: (كما يتجارى الكلب بصاحبه ..) الكلب: داء يعتري الإنسان من عضة الكلب الكلب، وهو الذي يأخذه شبه جنون فيكلب بلحوم الناس، فإذا عقر إنسانا كلب، ويستولي عليه شبه الماليخوليا، لا يكاد يبصر الماء، وإذا أبصره فزع، وربما مات عطشا ولم يشرب، وهذه علة تستفرغ مادتها على سائر البدن، ويتولد منها أعراض رديئة وإنما شبه حالهم بحال صاحب الكلب؛ لاستيلاء الأهواء عليهم استيلاء تلك العلة على صاحبها ولما فيها من المعرة المعدية، ولما يتولد منها من المضرة المردية، ولتنفرهم من العلم، وامتناعهم من قبوله تنفر صاحب الكلب عن الماء، وامتناعه عنه حتى يهلك عطشا، فكذلك هؤلاء يمتنعون عن قبول العلم، مع امتساس حاجتهم إليه، حتى يهلكوا جهلا في مهواة البدعة، وتيهة الضلال، أعاذنا الله وسائر المسلمين عن الهوى المتبع، والسلام.
[١٣١] ومنه: حديث جابر﵁- عن النبي - ﷺ - حين أتاه عمر﵁- فقال: (إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا) يهود: لا ينصرف، والسبب فيه العلمية؛ لأنه يجري في كلامهم مجرى القبيلة، قال الشاعر:
فرت يهود وأسلمت جيرانها صمى لما فعلت يهود صمام
وقال الزمخشري: الأصل في يهود ومجوس أن يستعملا بغير لام التعريف؛ لأنهما علمان خاصان لقومين كقبيلتين، وإنما جوز تعريفهما باللام، لأنه أجرى يهودي ويهود مجرى شعيرة وشعير.
وفيه: (أمتهوكون أنتم» أي: متحيرون والتهوك التحير، وهو أيضا مثل التهوز، وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة. وفيه: (لقد جئتكم بها بيضاء نقية) الضمير للملة. ووصفها بالبياض؛ تنبيها على كرمها وفضلها؛ لأن البياض لما كان أفضل لون عند العرب عبر به عن الكرم والفضل، حتى قيل لمن لم يتدنس بمعاب هو أبيض الوجه. ويجوز أن يحمل على هذا النحو من المعنى قوله- سبحانه-: ﴿بيضاء لذة للشاربين﴾ و(نقية)، قريب من هذا المعنى، ويحتمل أن المراد منها كونها مصونة عن التبديل والتحريف، خالية عن التكاليف الشاقة، وأشار - ﷺ - بذلك إلى أنه أتاهم بالأعلى والأفضل، واستبدال الأدنى عنه مظنة للتحيز، سيما وقد شهد التنزيل على نقلة تلك الأحاديث بالفسق بالأعلى والفرية، فلا يؤمن عليهم أن يدسوا في تلك الأحاديث ما يلبس على المؤمنين أمر دينهم.
[ ١ / ٩٣ ]
[١٣٢] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من أكل طيبا الحديث) أي: أكل حلالا، وعمل في موافقة سنة، وإنما نكر السنة؛ لأن كل عمل يفتقر إلى معرفة سنة وردت فيه. وقوله: (أمن الناس بوائقه) فإنه مفسر في بعض الأحاديث، فروى: (ظلمه وغشمه) وقيل: غوائله وشره. والبائقة: الداهية.
وفيه: (يا رسول الله، إن هذا اليوم في الناس لكثير) والمعنى: إن هذا الذي تذكره وتصفه، وهذا كلام يشكل؛ لبعد التناسب بينه وبين ما تقدمه من قول الرسول - ﷺ - ثم لإبهام قوله - ﷺ - بعد ذلك: (وسيكون في قرون بعدي) فيحتمل أن الرجل قال هذا القول حمدا لله- تعالى- وتحدثا بنعمته في هذه الأمة حيث كثر فيهم من الموصوفين بالوصف الذي ذكره، ثم قال: (وسيكون في قرون بعدي) ليعلم المخاطب أن ذلك غير مختص بالقرن الأول، ويحتمل أن الرجل لما سمع هذا القول، فهم عنه التحريض على الخصال المذكورة، والزجر عن مخالفته، وقد وجد الناس يتدينون بذلك، ويحرصون عليه، فخاف أن يكون النبي - ﷺ - اطلع على خلاف ذلك في مستقبل الأمر منهم، فأحب أن يستكشف عنه فقال هذا القول، ثم إن الرسول - ﷺ - عرف مصدر قوله هذا، فأجابه بقوله: (وسيكون في قرون بعدي) فاختصر الكلام اعتمادا على فهم السائل، وتهويلا للأمر الذي يحذر عنه، فإن قيل: قد ذكرت في قوله: (وسيكون في قرون) إحدى وجهين متناقضين، لا يمكن التوفيق بينهما، وذلك قولك: وسيكون في قرون بعدي على ما وصفته، وقولك: (وسيكون في قرون بعدي) على خلاف ما وصفته، وكل واحد من الوجهين يدافع الآخر.
فالجواب: أن تقرير المعنى على كل واحد منهما صحيح، والتوفيق بينهما هين، وهو: أن نقول: قد خلت قرون بعد النبي - ﷺ - وهم على النعت المذكور، ثم مضت قرون أخرى، وقد ذهبت الديانات وضاعت الأمانات فيصح إذا صرف هذا القرن إلى كلتا الفئتين، والله أعلم.
[١٣٣] ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك .. الحديث) لا يجوز صرف هذا الحديث إلى عموم المأمورات لأنا قد عرفنا
[ ١ / ٩٤ ]
بأصل الشرع أن أحدا من المسلمين لا يعذر فيما يهمل من الفرض الذي تعلق بخاصة نفسه، وإنما ورد هذا الحديث في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمعنى: أنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هلك؛ لأن الدين عزيز، والحق ظاهر، وفي أنصاره كثرة، فلا يعذر أحد منكم في التهاون والأمر على ذلك، ولكن إذا فسد الزمان، وشاعت الفتن، وتوارى الحق وقل أنصاره، كان للمسلمين عذر فيما أهملوه من هذا الباب.
[ ١ / ٩٥ ]