(من الصحاح)
[٨٣٣] حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي؟: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم الحديث).
[ ١ / ٣١١ ]
القافية القفا وهو آخر الرأس، وقفا كل شيء وقافيته آخره ومنه قافية الشعر ومعنى هذا الحديث: أن الشيطان يحبب إليه النوم ويزين له الدعة والاستراحة ويسول له كلما انتبه أنه لم يستوف حظه من المنام وأن قد بقى عليه من الليل زلف فيوثقه عن القيام إلى طاعة الله ويبطئه ويعوقه بتلك التويلات عن النهوض إليه، وإنما ذكر العقد تصويرًا للمعنى المراد منه؛ لأن من شان من يوثق أحدًا أن يضرب على وثاقه ثلاث عقد فيكون من الانحلال والانفلات على ثقة (١١٠/ب).
والذي شد قافية رأسه بثلاث عقد لا يكاد يمضي لشأنه إلا بعد انحلالها وإحدى العقد الثلاث تفتيره بما سول له عن القيام مما ندب إليه والأخرى: تفتيره عن الوضوء، والثالثة: تفتيره عن الصلاة، ويؤيد هذا التأويل قوله: (يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد).
وفيه (فأصبح نشيطًا طيب النفس) وذلك؛ لأنه تخلص من وثاق الشيطان وخفف عنه أعباء الغفلة فأذهب عنه الطهور والمسارعة إلى الطاعة كدر الجبلة ووحشة [الأخبثية] ورجس الشيطان، فأصبح نشيطًا طيب النفس وإذا حيل بينه وبين هذه الفضائل كان الأمر بخلاف ذلك.
[٨٣٥] ومنه: قوله؟ في حديث ابن مسعود ﵁: (بال الشيطان في أذنه) قال أبو سليمان
[ ١ / ٣١٢ ]
الخطابي: يشبه ان يكون ذلك مثلًا ضربه له حين غفل عن الصلاة وتثاقل بالنوم عن القيام لها فمن وقع في أذنه بول فثقل سمعه وفسد حسه كذلك والبول ضار مفسد فلهذا ضرب به المثل وهذا كقول راجز العرب:
بال سهيل في الفضيخ ففسد
جعل طلوع سهيل وحدوث فساد الفضيخ بعد ذلك بمثابة ما يقع من البول في الشراب فيفسده.
قلت: ويحتمل وجهين آخرين أحدهما: أن يقال أن الشيطان ملأ سمعه من كلام الباطل وأحاديث اللغو فأحدث ذلك في أذنه وقرا عن استماع دعوة الحق، والآخر: أن يجعل عبارة عن الاستخفاف والاستهانة به فإن من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه أو يبول فيه وقال الري: بال ههنا بمعنى ظهر عليه وسخر منه. وقيل قد يكون بوله في أذنه كناية عن ضرب النوم عليه وخصه بالأذن؛ لأنها حاسة الانتباه وسماع ما يكون من أصوات الدعاة إلى التهجد وقيل هو مثل قولهم تفل فلان في أذن فلان ونفث فيه إذا ناجاه.
[ ١ / ٣١٣ ]
قلت: وكل ما ذكرناه بمبلغ فهمنا عن غير نافلة عى وجه التقريب وحقيقة تأويله محكوم به للنبي؟.
(ومن الحسان)
[٨٤٥] حديث أبي إمامة - ﵁ - قيل: يا رسول الله أي أخلق بالدعاء وأرجى الاستجابة.
ومنه الحديث الضحاك، وأراه الضحاك بن سفيان الكلابي لما عرض عليه الإسلام قال: فسمعت منه كلامًا لم أسمع منه يريد ابلغ وأنجع في القلب وقوله أسمع في الدعاء هو من السمه الذي يرد بمعنى الإجابة وذلك على سبيل الاتساع؛ لأن القول المسموع على الحقيقة هو ما يقترن بالقبول من السامع وقد فسرناه كرة أخرى في باب الذكر بعد الصلاة فلما أعاد الحديث بعينه في هذا الباب أعدنا البيان على ما تيسر لنا ومما جاء في الحديث بمعنى محكوم قوله؟: (أعوذ بك من دعاء لا يسمع) أي لا يجاب. قال الشاعر:
دعوت الله حتى خفت أن لا يكةن الله يسمع ما أقول
أي لا يجيب ما أعو به وقد ذكرنا الوجوه الإعرابية في جوف الليل الآخر فيما مضى والله أعلم بالصواب.