(من الصحاح)
[٩٢٩] حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي؟ من مس الحصى، فقد لغا):
أي كان كمن تكلم به، وقيل: لغا عن الصواب، أي: مال، وقيل: مال عن الجمعة؛ لما حرم من الأجر.
ومنه: حديثه الآخر عن النبي؟: (إذا كان يوم الجمعة، وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر الحديث).
[ ١ / ٣٣٥ ]
قد ذكرنا فيما مضى [من] الكتاب: أن التهجير والتهجر: السير في الهاجرة وقد ذهب جماعة في المهجر إلى الصلاة إلى ان معناه: التبكير إليها.
وذهب آخرون: إلى أنه بعد الزوال؛ لأن التهجير إنما يكون نصف النهار؛ ويعزي هذا القول إلى مالك.
قلت: وهذا صحيح من طريق اللغة؛ فإنهم يقولون: هجر النهار: إذا بلغ وقت اشتداد الحر وانتصف؛ ومنه قول امرئ القيس:
فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرًا
قلت: ومن ذهب في معناه إلى التبكيلا: فإنه اصاب أيضًا وسلك طريقًا حسنًا من طرق الاتساع؛ وذلك أنه جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار، ويأخذ الحر في الازدياد من الهاجرة؛ وله نظائر من كلامهم؛ كقولهم في طرفي النهار: (الغداة، والعشي) ثم إنهم جعلوا النهار نصفين، فسموا النصف الأول: غداة، والنصف الثاني: عشيًا.
ونرى هذا الوجه أشبه الوجهين؛ لحديثه الآخر؛ أن رسول الله قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح [١١٧/ب]: فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية: فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة: فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة: فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذكر)؛ وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري في كتابه (كتابه) عن أبي هريرة؛ فتقسيم اوقات الرواح على الساعات الخمس: يبين لنا أن المراد من التهجير: التبكير؛ لتضايق ما بعد الزوال عن تلك الساعات.
ومما يدل أيضًا على هذا المعنى: أنه قال في أول الحديث: إذا كان يوم الجمع، وقفت الملائكة)، ولم يقل: (إذا كان وقت الجمعة).
فإن قال قائل: (أفلا يصح أن تحمل الاساعات على المجاز والتوسعةفي الكلام، كقول القائل: انظرني ساعة، وارعني سمعك فأحدثك ساعة؛ ونحو ذلك مما لا يراد به التحديد، وأن يراد بـ (يوم الجمعة) بعض اليوم، وذلك هو الزمان الذي يتعين عليه الرواح بدخول وقت الزوال؟).
قلنا: إما من طريق اللهجة العربية، فإنه قول قويم، ولم ننكر التأويل عليه، غير اننا نرى الذهاب إلى التبكير في هذا الحديث أولي؛ لأن القول بالاتساع في التهجير أقرب من القول به في الساعات الخمس. مع أنا - وإن ذهبنا فيها إلى الاتساع - فلا غنية بنا عن تبيين تلك الساعات وتقديها؛ لنهتدي إلى مقادير الفضل بين السابق واللاحق، وذلك - أيضًا - يستدعي زمانًا ممتدًا قابلًا للتسقيم الذي أتى به الشارع فاصلًا للمرابت التي بينها، ونرى حمل قوله: (إذا كان يوم الجمعة) على الساعات المبتدأة - أوقى وأولى من حمله على الساعات المتوسطة؛ لمكان الشرط، وتعلق الحكم به.
وقوله: (فكأنما قرب دجاجة):
أي: تصدق بها متقربًا بين يدي الله، وكذلك القول في قوله: (قربت بيضة).
[ ١ / ٣٣٦ ]
(ومن الحسان)
[٩٣٣] حديث أوس بن أوس الثقفي - ﵁ - عن النبي؟: (من غسل يوم الجمعة واغتسل الحديث):
قد اختلف أهل الرواية في قوله: (غسل) فمنهم: من يرويه بالتشديد، وهم الأكثرون عددًا.
ومنهم: من يرويه بالتخفيف؛ وهم الأعلام من أئمة الحديث.
فأما من شدد [١١٨/أ]: فمنهم من يقول: على معنى التأكيد، ومنهم من يقول: غسل الرأس خاصة، لأن العرب لهم لمم وشعور، وفي غسلها كلفة؛ فأفرد ذكر غسل الرأس من اصل ذلك؛ وإليه ذهب مكحول؛ وبه قال أبو عبيد.
ومنهم من قال في معناه: يطأ صاحبته؛ منهم عبد الرحمن الأسود؛ وهلال بن ياف وهما من التابعين، وكأنهم ذهبوا إلى هذا المعنى؛ لما فيه من غض البصر، وصيانة النفس عن الخواطر التي تحجز بينه وبين التوجه إلى الله بالكلية.
وإذا خفف، فمعناه: إما التأكيد، وإما غسل الراس، والاغتسال للجمعة، وروينا عن أبي بكر بن الأثرم صاحب أحمد في سؤاله عنه عن هذا الحديث: كلاماُ زبدته: أنه فاوض أحمد في هذا الحديث، وراجعه كرة بعد أخرى؛ فقال: ما سمعنا إلا (غسل) بالتشديد، وكان يذهب في معناه إلى ما ذكرناه من الوطء، قال: فذكرت له الحديث عن علي - ﵁ - أنه قال: (من غسل) مخففة، قال: وأي شيء معناه؛ إذا خفف؟ قلت: غسل رأسه واغتسل، قال: ليس بشيء! ثم قال لي بعد ذلك: نظرت في ذلك الحديث؛ فلم أجد (غسل) - يعني: بالتشديد - ولعله أن يكون في بعض الحديث، ولم أجده، وإنما أصبته (غسل) مخففة من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قلت: عن حسين، أعني: الجعفر؟ قال: نعم؛ سمعته من الحسين، قال: ومن حديث المبارك عن الأوزاعي.
وفيه: (بكر وابتكر):
يحتمل: أن المخالفة بين اللفظين لم تقع لاختلاف المعنيين، وإنما معناهما واحد، والمراد من إيرادهما: التأكيد - على ما ذكرنا - ويؤيد هذا القول رواية النسائي في (كتابه): (وغدا وابتكر).
وقيل: معنى (بكر): أدرك باكورة الخطبة، وهي أولها، وهى أولها، و(ابتكر) أي: قدم في أول الوقت.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقال ابن الأنباري: (بكر): تصدق قبل خروجه؛ يتأول على ما روى في الحديث: (باكروا بالصدقة؛ فإن البلاء لا يتخطاها).
على هذا النحو وجدنا تفسيرهما في كتب أصحاب الغريب، وتابعهم عليه الخطابي وغيره.
ووجدت تفسيرهما في كتاب أبي عبيد الهروي على خلاف ذلك، وهو أنه قال: بكر، قالوا اسرع، وابتكر: أدرك الخطبة من أولها، وهو من الباكورة).
قلت: وأرى نقل أبي عبيد أولى بالتقديم؛ لمطابقته [١١٨/ب]- أصول اللغة، وذلك لأنهم يقولون لكل من بادر إلى الشيء: أبكر إليه وبكر أي وقت كان، ومنه الحديث (لا يزال أمتي على ستني ما بكروا بصلاة المغرب أي صلوها عند سقوط القرص، وفي الحديث (بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك العصر حبط عمله) أي تقدموا وقدموها في أول وقتها، ويقولون ابتكرت الشيء أي استوليت على باكورته ويشهد لصحة هذا القول نسق الكلام فإنه حث على التبكير ثم على الابتكار وعلى هذا نسق العمل فإن يتوجه الإنسان إنما يغدو إلى المسجد أولًا ثم يستمع الخطبة ثانيًا ومن آداب الخطيب المصقع والبليغ المغرب أن يتوجه في الأمر بمقاله على ما هو الأول فالأول، ونبي الله؟ أفصح من كل فصيح وأبلغ من (كل) بليغ، واختلف جمع من علماء النقل في راوي هذا الحديث فمنهم من يقول: أوس بن أوس ومنهم من يقول: أوس بن أبي أوس، ومنهم من يقول أوس بن حذيفة، قال يحيى بن معين: أوس بن أوس وأوس بن أبي أوس واحد، وقال خليفة بن خياط: وأسلم أبي أوس حذيفة، فعلى هذا كل ذلك واحد، وعليه يدل الروايات، وقد أورد أبو نعيم الأصفهاني في هذا الحديث في ترجمة أوس بن حذيفة الثقفي، وذكر أن هذا ليس بأوس بن أوس حذيفة الثقفي، وليس لأبي نعيم أن يقطع بهذا القول على ما بدا له فلعل الرجل كان مذكورًا بالاسمين أو كان الوافد من ثقيف أوس بن اوس، وأوس بن حذيفة أيضًا كان من وفد ثقيف، وهذا الحديث أخرجه الأئمة الثلاثة في كتبهم أبو داود وأبو عيسى وأبو عبد الرحكم عن أوس بن أوس على ما ذكرناه، وهم الأعلام في علم النقل، وما اجتمعوا عليه كان حجة على من بعدهم من أهل النقل.
[٩٣٦] ومنه: حديث معاذ بن أنس ﵁ عن النبي؟ (من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم) تخطى أي تخطى أي تجاوز بالخطو رقاب الناس يقال تخطيته أي تجاوزته، وقوله اتخذ) يروى
[ ١ / ٣٣٨ ]
على بناء الفاعلية وهي الرواية المعتد بها، وذلك من حيث المعنى أقوم، أي صنيعه ذلك يؤديه إلى جهنم كالجسر الذي يؤدي بمن يعبر عليه إلى ما وراءه، وذلك أن الرجل كان بحضوره الصلاة [١١٩/أ] ممن جعل بينه وبين النار خندقًا، فاتخذ بذلك جسرًا يعبر به إلى جنهم، ومنهم من يرويه على بناء مفعول ما لم يسم فاعله، وفيه وهن، رواية ومعنى، ومنه حديثه الآخر (أن رسول الله؟ نهى عن الحبوة يوم الجمعة) الحبوة بضم الحاء وكسرها الاسم من الاحتباء، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب، وقد يحتبي بيديه، ووجدت الرواية بكسر الحاء، والحبوة بالفتح المرة من الاحتباء ولا معنى لها ههنا، ووجه النهي والله أعلم هو أنها مجلبة للنوم، ثم أنها هيئة لا يكون معها تمكن، فربما يفضي إلى انتقاض الطهارة فيمنعه الاشتغال بالطهارة استماع الخطبة وحضور الذكر إن لم تفته الصلاة، مع ما يتوقع منه من الافتتان بالمضي في الصلاة لغلبة الحياء ممن يخلو عن علم يسوسه وورع يحجزه.