(من الصحاح)
[٧٢٣] حديث عبد الله بن عمر﵄- قال رسول الله - ﷺ -: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) قلت: قد روي عن أبي هريرة﵁- أن النبي - ﷺ - قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا)، ووجه التوفيق بين الحديثين أن نقول: عرفنا من تفاوت الفضل في حديث ابن عمر﵁- أن سماعه عن النبي - ﷺ - لحديثه ذلك كان بعد سماع أبي هريرة لما ذكرناه، لأن الزيادة في الفضل ينبغي أن تكون آخر الأمرين، فإن الله سبحانه يزيد عباده من فضله، ولا ينقصهم من الموعود شيئا، فالنبي - ﷺ - حث المؤمنين بما ذكر من الفضيلة على صلاة الجماعة في حديث أبي هريرة على ما تبين له من أمر الله، ثم رأى أن الله تعالى من عليه وعلى أمته بالزيادة على الموعود، وذلك بجزئين على ما في حديث ابن عمر، فبشرهم به، وحثهم على الجماعة،
[ ١ / ٢٨٤ ]
وهذاك اختلاف ترتيب لا اختلاف تناقض، وهذا الذي ذكرناه هو الضابط في التوفيق بين الأحاديث التي توجد من هذا القبيل، والتوفيق بين الأحاديث المختلفة في الوعيد أيضا على هذا النمط، لأن الحكيم إذا زجر العباد عن أمر بنوع من الوعيد [١٠٠ م/ب] ثم زجرهم بما يزداد عليه، فالسبيل في الحديثين أن يكون الناقص متقدما والزائد متأخرا على ما ذكرناه في الوعد فإنه أبلغ في المعنى المراد منه وأدعى للعباد إلى ترك الأمر المزجور عنه.
وأما وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة وعلى سبع وعشرين أخرى، فإن المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوءة التي قصرت عقول الألباء عن إدراك جملها وتفاصيلها، وسائغ من طريق التقريب والاحتمال أن يقال: وجد النبي - ﷺ - الفوائد المختصة بصلاة الجماعة تارة على ما في حديث أبي هريرة وتارة على ما في حديث ابن عمر فأخبر عنها على ما كوشف به، وذلك مثل فائدة اجتماع المصلين؛ وفائدة صفوفهم، وفائدة الاقتداء وفائدة إظهار شعار الإسلام وغير ذلك، وبعد هذا فللفهم في هذه العرضة مضطرب واسع، ولكن الأولى بنا أن نقف حيث أوقفنا الله تعالى ونسلم الأمر فيه إلى من كاشفه الله بحقائقه - ﷺ - بمبلغ ما خصه به من المعاني.
[٧٢٣] ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ) الحديث، صواب هذا اللفظ يحتطب وهذا الحديث على السياق الذي في المصابيح أخرجه البخاري في كتابه في باب (إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت) ففي بعض نسخه يتحطب على وزن التفعل، وفي بعضها يحتطب من الاحتطاب فعلمنا أن الغلط وقع من بعض رواة الحديث إذ التحطب على زنة التفعل لم نجده مستعملا في شيء من كلامهم وإنما يقال حطبت الحطب واحتطبته أي جمعته، وهذا التغليظ يحمله بعض أهل العلم على العموم في ترك صلاة الجماعة، وليس الأمر على ذلك بل المعنى به أهل النفاق في زمان النبي - ﷺ -، لأنه لم يكن ليتخلف عن الصلاة خلفه بالعلل الداحضة إلا المنافقون وهم الذين لا صلاة لهم بالحقيقة، ولو أحرقت عليهم بيوتهم كان أحقاء بذلك ومن الدليل على صحة ما ذهبنا إليه من التأويل قوله - ﷺ - (أن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة ) الحديث رواه مسلم في كتابه عن أبي هريرة على هذا السياق، ورواه أيضا عن ابن مسعود﵁- (١/أ) وفي روايته أن النبي - ﷺ - قال لقوم يتخلفون عن الجمعة (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال- يتخلفون عن الجمعة- بيوتهم)، وفيه: (لو يعلم أحدهم أنه عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين) العرق بفتح العين وسكون الراء:
[ ١ / ٢٨٥ ]
مصدر قولك عرقت العظم أعرقه بالضم عرقا ومعرقا إذا أكلت ما عليه من اللحم. والعرق أيضا: العظم الذي أخذ عنه اللحم والجمع عراق بالضم، وهو المراد به في هذا الحديث، وإنما وصفه بالسمن إشارة إلى بقاء شيء من اللحم عليه، وفي كتاب مسلم عظما سمينا، ويحتمل أنه وصفه بالسمن لأنه استخلص من لحم سمين فيكون رخوا دسما، وأما المرماة قد فسرت بما بين ظلف الشاة من اللحم، وقد يفتح منه الميم، فإنه كان المراد منهما ما بين ظلفي الشاة فإنما وصفهما بالحسنتين ليكون مشعرا ببقاء محل الرغبة فيهما كما وصف العظم بالسمن؛ إذ المفهوم من المرماة: ما يرمى من الشاة فلا ينتفع بها، وقال أبو سعيد بن الأعرابي: المرماتان في هذا الحديث هما سهمان يرمي بهما فيحرز سبقه يقول: يسابق إلى إحراز الدنيا وسبقها ويدعى سبق الآخرة.
[٧٢٤] ومنه حديثه الآخر: (أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى الحديث) الأعمى الذي ذكر في هذا الحديث هو ابن أم مكتوم لما روي عن أبي هريرة أنه قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي - ﷺ - وذكر الحديث، وقد روي عن ابن أم مكتوم أنه قال: (أتيت النبي) - ﷺ - فقلت: يا رسول الله إني شيخ ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، وبيني وبين المسجد شجر وأنهار فهل لي من عذر إذا أصلي في بيتي. فقال: تسمع النداء؟ قلت: نعم. قال: فأتها). وابن أم مكتوم اسمه عمرو وقيل عبد الله وقد اختلف في اسم أبيه والأكثرون على أنه قيس بن زائدة بن الأصم القرشي العامري من بني عامر بن لؤي، وأمه عاتكة بنت عنكثة المخزومية وفي حديثه هذا متمسك لمن يذهب إلى وجوب حضور الجماعة على الضرير
[ ١ / ٢٨٦ ]
كوجوبها على الصحيح، ومن يرى ذلك فإنه [١٠١/ب] يجعله بمنزلة اليسير الذي لا يهتدي إلى السبيل، وقد عارض هذا الحديث حديث عتبان بن مالك الأنصاري، وهو حديث صحيح وفيه أنه قال: يا رسول الله إني قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم، فوددت أنك يا رسول الله - ﷺ - تأتي فتصلي في مصلى فأتخذه مصلى قال: فقال رسول الله - ﷺ - سأفعل إن شاء الله .. الحديث، وبهذا الحديث تمسك من رأى خلاف القول الأول وليس قصدنا في بيان ذلك المناضلة عن أحد الفريقين فإن العلماء الذين أفضى بهم اجتهادهم إلى هذا الخلاف لأغنياء بوفور علمهم، ودقة نظرهم عن تصدي أمثالنا للذب عنهم وإنما القصد طلب التوفيق ونفي التضاد عن الحديثين على ما تكفلنا به ما أمكننا. فنقول التوفيق بينهما إنما يتيسر من وجهين:
أحدهما: أن نقول إنما رخص رسول الله - ﷺ - لعتبان أن يصلي في بيته؛ لأنه ذكر أن السبيل يحول بينه وبين مسجد قومه فلا يستطيع أن يعبر الوادي وهذا حكم يستوي فيه الصحيح والضرير ولو كان عتبان متعللا بإنكار البصر لم يفتقر إلى التعلل بوقوع الأمطار وسيلانها في الوادي.
والآخر: أن نقول أمر النبي - ﷺ - ابن أم مكتوم محتمل للوجوب ومحتمل للندب والاستحباب، وقد نظرنا في هذا الحديث وصيغته واختلاف طرقه وما يعارضه من حديث عتبان فرأينا حمله على الاستحباب أوجه فمن ذلك أن النبي - ﷺ - صرف قوله عن قاعدة الجواب، حيث سأله أن يرخص له، فقال: هل تسمع النداء؟ ولم يصرح له بعدم الرخصة.
وفي غير هذه الرواية أنه قال فهل لي من عذر؟ قال: هل تسمع النداء؟ وكان من صريح القول أنه يقول ما لك رخصة أو ما أشبه ذلك فلم يرد الجواب على وتيرة السؤال بل قال: فأتها.
وقد روى مسلم هذا الحديث في كتابه ولفظه (أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله - ﷺ - أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة، قال: نعم: قال: فأجب).
قلت: فوجه ذلك أن النبي - ﷺ - نبأ ابن أم مكتوم بالرخصة في أول الأمر [١٠٢/أ] ثم دعاه إلى العزيمة نظرا له واختيارا للأصلح وإرشادا إلى ما هو الأليق بحاله وزمانه، فقد كان هو من فضلاء المهاجرين والسابقين الأولين وكان لا يرغب يومئذ عن إدراك فضيلة الصلاة مع رسول الله - ﷺ - إلا مغموص عليه بالنفاق أو جاهل بما له في ذلك أو عاجز عن الحضور.
وقد أشار مسلم في كتابه إلى تعليل هذا الحديث بإيراد حديث ابن مسعود بعده هو﵀- حسن السياق للأحاديث مبين لعللها في مدارج الترتيب فروى بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: (لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة). قلت: فلما ذكرناه من الوجوه لم يقتصر النبي - ﷺ - في جوابه على الرخصة بل كشف له عنها
[ ١ / ٢٨٧ ]
ابتلي به من الزمانة، وأشار ثانيا إلى العزيمة لما عرف فيه من الجلادة وتفرس فيه من النجابة والصرافة والنجدة والشهامة وقد ظهر منه آثارها وتبين علاماتها بعد حين فخرج في خلافة عمر﵁- مناهضا أعداء الله، فشهد فتح القادسية، وكان صاحب راية المسلمين يومئذ فمن قائل إنه استشهد هنالك، ومن قائل إنه انحاز إلى المدينة راشدا فتوفي بها﵁.
[٧٣١] ومنه: حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة. البخور بالفتح ما يتبخر به كالفطور والسحور وإنما خص العشاء الآخرة بالنهي؛ لأنها تؤدي عند إقبال الليل وارتكام الظلام وهدوء الأقدام وتهيؤ الناس للمنام واستيلاء الشيطان بالوسوسة واستحواذه على النفوس الشريرة يتمكنها عند ذلك من قضاء الوطر بخلاف صلاة الصبح فإنها دون إدبار الليل وإقبال النهار وحينئذ تنعكس القضية ويتحقق للنفوس حصول الحاجز بينها وبين ما تبتغيه، وفي معنى حديث أبي هريرة هذا حديث زينب بنت عبد الله الثقفية امرأة عبد الله ابن مسعود قالت: قال رسول الله - ﷺ - (إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمس طيبا).
(ومن الحسان)
[٧٣٣] في حديث أبي هريرة قوله - ﷺ - (وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) أراد
[ ١ / ٢٨٨ ]
بالمخدع البيت الذي يخبأ فيه حر المتاع وهو الخزانة، أخذ من الخدع وهو إخفاء الشيء وكسر الميم لغة فيه (١٠٢/ب). كالمصحف والمصحف. قال الفراء: أصله الضم إلا أنهم كسروه استثقالا، وقد ذكر بعض الحفاظ في حديث رواه: دخل على بيتي قال: ادخل المخدع فذكر فيه الفتح أيضا، ولا أدري أشيء نقله من أهل اللغة أم من طريق الرواية.
[٧٤١] ومنه: حديث جابر﵁- عن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره) المعنى: لا تؤخر عن وقتها، وإنما ذهبنا إلى ذلك دون التأخير على الإطلاق لقوله - ﷺ - (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء) فجعل له تأخير الصلاة مع بقاء الوقت في هذا الحديث، وعلى هذا فلا اختلاف بين الحديثين.