(من الصحاح)
[١٦٧٤] حديث ابن عمر﵁-: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى السفر الحديث):
(استوى على بعيره) أي: استقر على ظهره.
وفيه: (وما كنا له مقرنين):
أي: مطيقين؛ يقال: أقرن الشيء: إذا أطاقه؛ قال ابن هرمة:
وأقرنت ما حملتني ولقلما يطاق احتمال الصبر يا دعد والهجر
وقيل: حقيقة (أقرنه): وجده في [قرن] وما يقرن به [لأن الضعيف] لا [يكون قرينه الضعيف] ولهذا قيل في الضعيف: لا يقرن به الصعبة.
وفيه: (وإنا إلى ربنا لمنقلبون):
أي: راجعون إليه، والانقلاب: الانصراف، ووجه التلفيق بين الفصلين، وحقيقة المناسبة بين القولين: أن نقول: إن الله تعالى لما أمر عبده بشكر ما أنعم عليه- من التسخير والتمليك الذي [١١/ ٦/ أ] هو من خاصية الإنسان وتابعة السر المودع فيه لاستعداد الخلافة، وأمره بالاعتراف بكونه قاصرًا عن تسخير ما سخر له من مراكب البر والبحر. بل سبحانه بفضله ورحمته سخر له ذلك، وأعانه عليه- جعل من تمام شكره: أن يتذكر عاقبة أمره، ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستوائه على ظهر ما سخر له، لم يكن في المبدأ مطيقًا له، ولا يجد في المنتهى بدا منا لنزول عنه، ثم ليتذكر ركوب مركب الاحياء، ومنه معدل ركوب مركب الاموات، ولا محيد عنه.
وفيه: (أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل):
الصاحب: هو الملازم، وأراد بذلك: مصاحب إياه بالعناية والحفظ؛ وذلك أن الإنسان أكثر ما يبغي
[ ٢ / ٥٦٣ ]
الصحبة في السفر يبغيها للاستئناس بذلك، والاستظهار به، والدفاع لما ينوبه من النوائب؛ فنبه بهذا القول على حسن الاعتماد عليه، وكمال الاكتفاء به عن كل صاحب سواه.
(الخليفة):هو الذي ينوب عن المستخلف فيما يستخلفه فيه، والمعنى: أنت الذي أرجوه وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي: أن تلم شعثهم [] أودهم، وتداوي سقمهم، وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم.
وفيه: (اللهم، إني أعوذ بك من وعثاء السفر):
(وعثاء السفر): مشتقة، أخذ من الوعث، وهو المكان السهل الكثير الدهس الذي تعب الماشي فيه، ويشق عليه.
وفيه: (وكآبة المنظر):
[الكآبة والكأبة والكأب]: سوء الهيئة والانكسار من الحزن، والمراد منه: الاستعاذة من كل منظر يعقب الكآبة دون النظر إليه.
وفي حديث عبد الله بن سرجس، وهو التالي لهذا الحديث: (وكآبة المنقلب):
وهو أن ينقلب من سفره بأمر يكتئب منه مما أصابه في سفره، أو مما قدم عليه في نفسه وذويه وماله وما يصطفيه.
وفي معناه: (سوء المنقلب) وهو الانقلاب بما يسوؤه.
[١٦٧٥] وفي حديث ابن سرجس: (والحور بعد الكور):
أي: النقصان بعد الزيادة، واستعمال هذا القول على هذا الوجه مستفيض في كلامهم، وهو مشتل على سائر ما يراد ويتقي من أمر الدين والدنيا.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وقيل: أعوذ بك أن تفسد أمرنا، وتنقض بعد صلاحها، كانتقاض العمامة بعد استقامتها على الرأس؛ يقال: كار عمامته: إذا لفها، وحارها: نقضها.
وقيل: نعوذ بالله منا لرجوع عن الجماعة بعد أن كنا في جماعة، وفيه نظر؛ لأن استعمال (الكور) في جماعة الإبل خاصة، وربما استعمل في البقر.
وقد روى: (من الحور بعد الكون) بالنون، ومعناه: الرجوع عن الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها، وفي كلامهم: حار بعد ما كان.
[١٦٧٨] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي - ﷺ - كان إذا كان في سفر، وأسحر .. الحديث):
أسحر، أي: صار في وقت السحر، وهو قبيل الصبح، وأسحر- أيضًا-: إذا سار وقت السحر؛ وعلى الأول معنى الحديث، لأنه أعم، ثم إنه كان يقصد بذلك الشكر على انقضاء ليلته بالسلامة ويراقب فضيلة الوقت فإنه من ساعات الذكر، وهو خاتمة الليل، وأفضل أوقات التفرغ للذكر من سواد الليل وبياض النهار، والفاتحة والخاتمة، وأفضل الفاتحتين- على ما استبان لنا [من الرسول - ﷺ -]- فاتحة النهار، [وأفضل] الخاتمتين: خاتمة الليل.
وفيه: (سمع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا):
قيل: لفظه خبر، ومعناه أمر، أي: ليسمع، والذهاب فيه إلى الخبر أقوى، لظاهر اللفظ، والمعنى: أن من كان له سمع، فقد سمع بحمد الله فيه، وأفضاله إلينا، وأن كلا الأمرين قد اشتهر واستفاض حتى لا يكاد يخفى على ذي سمع، وأنه لا انقطاع لأحد الأمرين، وكل منهما مقترن بالآخر.
وجمع في قوله هذا بين قسمي الثناء والدعاء بأوجز ما يقال من الالفاظ، وأبلغ ما يراد من المعاني.
وأراد بـ (البلاء) النعمة، والله﷾- يبلو عباده تارة بالمضار ليصبروا، وطورًا بالمسار ليشكروا، فصارت المحنة والمحنة جميعًا بلاء، لموقع الاختبار، [والمنحة] أعزم البلاءين، لاسيما لذوي النفوس الكاملة، لأنها الموجبة للقيام بحقوق الشكر، والقيام بها أتم وأصعب، وأعلى وأفضل من القيام بحقوق الصبر.
والتفت إلى هذا المعنى عمر بن الخطاب﵁- في قوله: (بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وفيه: (ربنا صاحبنا وأفضل علينا):
أراد به: المصاحبة بالعناية والكلاءة على ما ذكرنا (وأفضل علينا)، [١٣/ ٧/ أ] أي: أحسن إلينا، وفيه إشارة إلى أنه مع ما ذكر من مزيد نعم الله، بحسن بلاءه علينا- غير مستغن عن فضله، بل هو أشد الناس افتقارًا إليه، فإن كل من كان استغناؤه بالله أكثر، كان افتقاره إليه أشد.
وفيه: (عائذًا بالله من النار):
الرواية فيه من وجهين: الرفع والنصب: أما الرفع: فظاهر والتقدير: وأنا عائذ بالله، ومتعوذ به؛ كما يقال: مستجير بالله، بوضع الفاعل مكان المفعول.
وأما النصب: فعلى المصدر، أي: أعوذ به عياذًا، أقام الفاعل مقام المصدر، كقولهم: قم قائمًا، أي: قيامًا؛ قال الشاعر:
ولا خارجًا من في زور كلام
المعنى: لا يخرج خروجًا.
ونصبه على الحال، من قول الراوي: يقول حسن ويكون قوله: (عائذًا بالله) محكيًا عنه أنه كان يفعل ذلك، ولا يكون نفس القول مرويًا عنه.
[١٦٧٩] ومنه: حديث ابن عمر﵁-: (أنه - ﷺ - كان يكبر على كل شرف من الأرض):
أي: على المكان العالي منها؛ قال الشاعر:
آتى الندى فلا يقرب مجلسي وأقود للشرف الرفيع حماري
[ ٢ / ٥٦٦ ]
ووجه التكبيرات على الاماكن العالية هو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلب في التارات، وكان - ﷺ - يراعى ذلك في الزمان والمكان، وذلك لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء والصعود والهبوط، وما أشبه ذلك مما ينبغي ألا ينسى ربع عند ذلك، فإنه هو المتصرف في الأشياء بقدرته، المدبر لها بجميل صنعه.
وفيه: (وهزم الاحزاب وحده):
الحزب: جماعة فيها غلظ، وقد تحزب القوم، أي: صاروا أحزابًا وفرقًا، والأحزاب: عبارة عن القبائل المتجمعة لحرب رسول الله - ﷺ -، ومنه: يوم الأحزاب وهو يوم الخندق وإنما ذكر الأحزاب مع علمه أن الله هو الذي لا يهزم جنده، وأنه القادر على إفناء الخلق في أدنى اللحظات، فضلًا عن هزمهم وفلهم، تذكرًا لمنة الله عليه في ذلك، وعلى من اتبعه من المؤمنين، فقد كانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة، وقائدهم: أبو سفيان، وغطفان في أل ومن تابعهم من أهل نجد، وقائدهم: عيينة بن حصن، وعامر بن الطفيل هو هوازن، وانضمت إليهم يهود قريظة والنضير ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة؛ فأرسل الله عليهم ريح الصبا في ليلة شاتية [١٤]، فأحصرتهم، وسفت التراب في وجوههم، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وقلعت الأوتاد، وبعث ألفًا من الملائكة، فكبرت في ذوائب عسكرهم، فهاجت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، فانهزموا؛ وفي ذلك نزل قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾.
[١٦٨١] ومنه: حديث عبد الله بن [بر] المازني﵁-: (نزل رسول الله - ﷺ - على أبي، فقربنا إليه طعامًا ووطبة):
[ ٢ / ٥٦٧ ]
رواه أكثر المحدثين بباء منقوطة بواحدة، والوطب، سقاء اللبن خاصة، ويكون من جلد الجذع فما فوقه، وقد ذكر المحققون من الحفاظ: أنه تصحيف، والصواب: وطيئة، على وزان وثيقة، وذكر أنها طعام كالحيس، وكأنها سميت بذلك؛ لتوطئتها بالأيدي تمرس لتخلط ويدل على صحة ذلك قول الراوي: (فأكل منها) والوطبة لا تؤكل وإنما يشرب منها، ويدل عليه- أيضًا- قوله: (فأتى بشراب فشرب منه).
(ومن الحسان)
[١٦٨٢] حديث طليحة﵁-: (أن النبي - ﷺ - كان إذا رأى الهلال، قال: اللهم، أهلله علينا .. الحديث):
الهلال: يكون أو ليلة والثانية والثالثة، ثم هو قمر، وإنما قي له: هلال؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه، من الإهلال [] و(أهل الهلال) على ما لم يسم فاعله: إذا رئى، و(استهل) على هذا البناء أيضًا: إذا طلب رؤيته، ثم يعبر عن الإهلال بالاستهلال، نحو: الإجابة والاستجابة ويقال- أيضًا-: استهل هو: إذا تبين، وأهللنا الهلال: إذا دخلنا فيه.
فهذه جملة وجوه الاستعمال اللغوي، ولا نرى استقامة لفظ هذا الحديث عليها، إلا أن نقول: معنى قوله: (أهلله) أي: أطلعه علينا، وأرنا إياه، من قولهم: أهل، أي: رؤى، والمعنى: اجعل رؤيتنا له مقترنًا بالأمن والإيمان، ويحتمل أن يكون الإهلال الذي ورد بمعنى الدخول: قد ورد متعديًا، فيكون المعنى: أدخله علينا.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وهذا الحديث من مفاريد الترمذي، ولفظه: (أهلله) وفي (المصابيح) بإدغام اللامين، والرواية بإظهار التضعيف.
هذا، وقد ذكرنا فيما مضى، أنه - ﷺ - كان يؤثر الافتتاح بذكر الله في مبادئ الاحوال، ويتيمن به، ويحث عليه.
وفي قوله: (ربي وربك الله) تنزيه للخالق أن يشاركه في تدبير ما خلق شيء.
وفيه رد للأقاويل الداحضة في الآثار العلوية بأوجز ما يمكن، وفيه تنبيه لذوي الأفهام المستقيمة على أن الدعاء مستحب، لاسيما عند ظهور الآيات، وتقلب أحوال النيرات، وعلى أن التوجه فيه إلى الرب لا إلى المربوب، والالتفات في ذلك إلى صنع الصانع لا إلى المصنوع، ولقد أحسن من قال- والتحسين يختلف باختلاف المقاصد) -:
ومالك سقيًا الغيث يا سدرة اللوى ولكن لمن سد الغيور مطالعه
[١٦٨٥] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة﵁- (فكثر فيه لغطه)
[ ٢ / ٥٦٩ ]
اللغط بالتحريك: الصوت والجلبة، ومنه الحديث: (ولهم لغط في أسواقهم) وأراد به: الهراء من القول، وما لا طائل تحته من الكلام، فأحل ذلك محل الصوت العرى عن المعنى، والجلبة الخالية عن الفائدة.
[١٦٩١] ومنه: حديث ابن عمر﵁-: (كان رسول الله - ﷺ - إذا سافر فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي وربك الله الحديث):
قلت: أراد الاستعاذة من متائه الأرض ومجاهلها، وما ينشأ منها، وما يدب ويدرج فيها؛ فخاطب الأرض على الاتساع.
وفيه: (وأعوض بك من أسد وأسود):هذا من باب التلوين في الخطاب، فإنه أتى بكلمة الاستعاذة أولًا على نعت الغيبة، وثانيًا على نعت المشاهدة، وإنما اختار تلك الصيغة في الأول لما بعدها من الكلام، فلم يستقم له أن يقول: (أعوذ بك من شرك) على وتيرة واحدة؛ فيتشابه الخطابان؛ لاشتراكهما في الصيغة، فكان مطلع الخطاب للأرض، فلما تم الكلام الذي خاطبها به، رجع إلى الحضور.
وفيه: (ومن أسد وأسود):
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الأسود: الحية العظيمة التي فيها سواد، وهي أخبث الحيات، وذكر أن من شأنها أن يعارض الركب، ويتبع الصوت؛ فلهذا خصها بالذكر، ثم ثنى بذكر الحية التي تشمل سار مسميات جنسها.
و(أسود) - ههنا- منصرف؛ لأنه اسم وليس بصفة، ولهذا يجمع على (أساود).
وفيه: (ومن ساكن البلد، ووالد وما ولد):
أراد بـ (ساكن البلد) الجن الذين هم سكان الأرض، وأراد بـ (البلد): الأرض، يقال: هذه بلدتنا، أي: أرضنا، كما يقال: بحرتنا قال النابغة:
فإن صاحبها قد تاه في البلد
(ووالد وما ولد)، قال الخطابي: والد: إبليس، وما ولد: نسله وذريته.
قلت: وحمله على العموم أمثل؛ لشموله على أصناف ما ولد وولد، وعلى ما يتولد منهما تخصيصًا للياذ والالتجاء بمن لم يلد ولم يولد وله الخلق والأمر، واعترافًا بأن لا استحقاق لغيره في ذلك؛ تبارك لله رب العالمين [١٦/].
[١٦٩٢] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أنس﵁-: (بك أحول، وبك أصول):
أي: بك أحتال، وأتحرك، وأحمل على العدو، وقد مر تفسيره.
[١٦٩٣] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي موسى﵁-: (اللهم، إنا نجعلك في نحورهم).
يقال: جعلت فلانًا في نحر العدو، أي: قبالته، وحذاءه، وتخصيص (النحر) بالذكر؛ لأنا لعدو يستقبل بنحره عند المناهضة للقتال، والمعنى: نسألك أن تتولانا في الجهة التي يريدون أن يأتونا منها، ونتوقى بك عما يواجهوننا، فأنت الذي تدفع في صدورهم، وتكفينا أمرهم، وتحول بيننا وبينهم.
ولعله اختار هذا اللفظ؛ تفاؤلًا بنحر العدو، أعني: قتلهم، مع ما أراد منا لمعنى الذي ذكر.
[ ٢ / ٥٧١ ]
[١٦٩٥] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أنس﵁- (ويقول شيطان آخر):
آخر- بالمد- أي: يقول شيطان آخر لصاحبه: (كيف لك برجل) أي: بإضلال رجل، وإذلاله، وإنما يقول ذلك؛ لما ينتهي إليه من قول الملك: (هديت).
[١٦٩٦] ومنه: حديث أي مالك الأشعري﵁- عن النبي - ﷺ - (إذا ولج الرجل بيته، فليقل: اللهم، إني أسألك خير المولج الحديث):
يقال: ولج يلج ولوجا ولجة، قال سيبويه: إنما جاء مصدره: (ولوجًا)، وهو من مصادر غير المتعدى على معنى: ولجت فيه، والمولج: بكسر اللام، ومن الرواة من فتحها، ولم يصب؛ لأن ما كان فاء الفعل منه واوًا أو ياء ثم سقطتها في المستقبل، نحو: يعد، ويزن ويهب، فإن الفعل منه مكسور في الاسم والمصدر جميعًا، ولا يقال منصوبًا كان بفعل منه أو مكسورًا بعد أن يكون الواو منه ذاهبة إلا أحرفا جاءت نوادر، فالمولج مكسور اللام على أي وجه قدر، ولعل المصدر- أيضًا- جاء على المفعل، أو أخذ به مأخذ القياس، أو روعي فيه طريق الازدواج في المخرج.
وإن أريد به الاسم: فإنه يريد خير الموضع الذي يلج فيه، وعلى هذا يراد- أيضًا- بالمخرج: موضع الخروج؛ يقال: خرج مخرجًا حسنًا، وهذا مخرجه.
وأنا المخرج، بضم الميم فقد يكون مصدر قولك: أخرجه والمفعول به واسم المكان والوقت، وفي الحديث الميم منه مفتوحة ومعناه إذا أجرى اللفظان مجرى المصادر أتم وأبلغ؛ لأن الفعل هو الذي يتضمن
[ ٢ / ٥٧٢ ]
على الحقيقة الخير والشر، ولو أريد به المكان لم يكن لقوله: (وخير المخرج) مكان قد خرج منه وجه، وإنما أراد الخير الذي يأتيه من قبل الولوج والخروج، ويقترن بهما ويتوقع منهما.
[١٦٩٧] ومنه: حديث أبي هريرة﵁: (أن النبي - ﷺ - كان إذا رفأ الإنسان الحديث) رفأ أي هنأة ودعا له، والأصل فيه: أنهم كانوا يقولون للمتزوج: بالرفاء والبنين، وقد رفأت رفأ وترفية وترفيًا: إذا قلت له ذلك، والرفاء: بكسر الراء والمد الالتئام والاتفاق، وقيل: معناه: بالسكون والطمأنينة، ويكون من قولهم: رفوت الرجل: إذا أسكنته منا لرعب، قال أبو خراش الهذلي واسمه خالد:
رفونى وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
وعلى هذا: همزتها غير أصلية.
قلت: وقد ورد النهي عن قولهم: بالرفاء والبنين، وكان - ﷺ - يقول مكان قولهم هذا ما رواه الراوي عنه وإنما نهى عنه، لكونه من عادات (١٨] الجاهلية، فرأى أن يبدلهم مكانها سنة إسلامية، وقد كان في قولهم: (والبنين) تنفير عن البنات، وتقري لبغضهن في قلوب الرجال، وكان ذلك الباعث على وأد البنات.
ثم إن قولهم لكل مملك (بالرفاء والبنين) قول زائغ عن سنن الصواب، وقد قال الله تعالى: ﴿يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا﴾ إذ الاستجابة في حق الجميع غير ممكن، ولم
[ ٢ / ٥٧٣ ]
يكن النبي - ﷺ - ليختار في الدعاء قولًا لا تشمله الإجابة، ولو استجيب له لأفضى ذلك إلى انقطاع النسل، ولم يكن ليفعل ذلك، فلهذا عدل عنه، ونهى غيره عنه.
[١٧٠١] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (اللهم، إني أعوذ بكمن الهم والحزن).
ظن بعضهم أن الهم والحزن يتحدان في المعنى، وإنما عطف أحدهما على الآخر؛ لاختلاف اللفظتين، وليس كما توهم، فإن الهم إنما يكون في الامر المتوقع، والحزن فيما قد وقع، [والهم: هو] الحزن الذي يذيب الإنسان، تقول: همني الشيء، أي: أذابني، وسنام مهموم، أي: مذاب، قال الراجز:
وأنهم مهموم السنام الوادي
ويقال: أهمني: إذا طرح في قلبه الهم، والمثل: (همك ما أهمك) كما تقول: شغلك ما شغلك.
وعلى هذا الذي ذكرناه: يصح أن يقال: الهم أشد الحزن ومعظمه؛ لاقتران خوف الوقوع به؛ ولأن الشيء المتوقع من المكروه لا يزال يزداد تأثيره حتى يقع، فإذا وقع رجع أمره إلى الانحطاط، والحزن: خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم، وبهذا الاعتبار يقال خشنت بصدره إذ حزنته.
وفيه: (وأعوذ بك من العجز والكسل):
العجز: أصله التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجز الأمر، وصار في التعارف اسمًا للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة.
والكسل: التثاقل عن الامر المحمود، مع وجود القدرة عليه، وقد مر تفسيره.
وفيه: (وأعوذ بك من غلبه الدين، وقهر الرجال):
غلبة الدين: أن يفدحه، وفي معناه: (ضلع الدين) يعني: ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء؛ لثقله، والضلع- بالتحريك-: الاعوجاج.
وقهر الرجال: هو الغلبة، فإن القهر يراد به السلطان، ويراد به الغلبة، وأريد به- ههنا- الغلبة، لما في غير هذا الرواية: (وغلبة الرجال) كأنه يريد هيجان النفس من شدة الشبق، وأضافه إلى المفعول، أي: يغلبهم ذلك [١٧] إلى هذا المعنى يسبق فهمي، ولم اجد في تفسيره نقلًا.
[ ٢ / ٥٧٤ ]