(من الصحاح)
[٥٠٦] حديث عائشة﵂- أن النبي - ﷺ - صلى في خميصة لها أعلام. الخميصة كساء أسود مربع له علمان؛ فإن لم يكن معلما فليس بخميصة؛ وعلى هذا التفسير فقول عائشة: (لها أعلام) على وجه البيان والتأكيد.
وفيه: (وائتوني بأنبجانية أبي جهم)؛ قيل: الأنبجاني من الثياب: المبتذلة الغليظة؛ تتخذ من الصوف، وذكر الخطابي في غريبه عن بعضهم أنها منسوبة إلى آذربيجان، وقد حذف بعض حروفها وبدل في التعريب.
قلت: والمشهور من العرب: كساء منبجاني؛ منسوب إلى منبج، ويفتحون الباء في النسبة، أخرجوه مخرج منطراني ومخبراني، وقد قيل: منبجاني وأنبجاني، وأصحاب الحديث يروونه بكسر الباء، وأهل اللغة بفتحها. وإنما بعثها إلى أبي جهم؛ لأن أبا جهم كان أهداها إليه، ونظر إلى أعلامها في الصلاة. كرهها لما وجد [٧٨ م/ب] من الرعونة وأنكرها قلبه المقدس فشغل بأفكار القلب عن قرة عينه في الصلاة فردها عليه وسأله أن يبعث بأنبجانية مكانها لئلا ينكسر قلبه وتشمئز نفسه لرد الهدية عليه. وأبو جهم هذا
[ ١ / ٢٢١ ]
هو أبو جهم بن حذيفة بن الغانم القرشي العدوي (﵁)، وكان من المعمرين من مشيخة قريش عمل في بناء الكعبة زمن ابن الزبير وقال: عملت فيها مرتين مرة بقوة غلام يفاع، ومرة بقوة شيخ فان هاه.
[٥٠٧] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أنس﵁: (أميطي عنا قرامك) القرام: ستر فيه رقم ونقوش وكذلك المقرم والمقرمة قال قائلهم، يصف دارا:
على ظهر جرعاء العجوز كأنها دوائر رقم في سراة قرام
ومنه: حديث عقبة بن عامر (﵁): (أهدى لرسول الله - ﷺ - فروج حرير ) الحديث قال أبو عبيد: هو القباء الذي شق من خلفه وقد ذكر بعض أهل العلم أن النبي - ﷺ -: إنما لبسه استمالة لقلب المهدي وهو المقوقس صاحب الإسكندرية أو أكيدر صاحب دومة الجندل أو غيرهما على اختلاف فيه وهذا القائل يزعم أن ذلك كان بعد التحريم وغير هذا القول أولى بأولى العلم، وأنى يلبس رسول الله - ﷺ - لباسا حرمه الله على ذكور أمته من غير استثناء أو ذكر خصوصية له فيه، ثم إنه لم يرد فيما ادعاه نقل، ومثل هذا الباب لا يحمد الإقدام عليه بالظن والتخمين، وكان نبي الله - ﷺ - أحق الناس بالاجتناب عما كان ينهي عنه من غير مثنوية و(ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) سبيل إخوانه من المرسلين وهو أفضلهم [وأولاهم] بانتهاج تلك السبيل، فالوجه فيه أن يحمل على أنه كان قبل التحريم وإنما نزعه نزع الكاره له لما رأى فيه من الرعونة وذلك مثل ما بدا له في الخميصة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
(ومن الحسان)
[٥٠٩] حديث عائشة﵂- عن النبي - ﷺ -:
(لا يقبل صلاة حائض إلا بخمار) أراد بالحائض: المرأة التي بلغت سن الحيض وهذا الحكم متناول كل من أدركت من النساء، وإن تك آيسة.
[٥١١] ومنه: حديث أبي هريرة﵁: (أن النبي - ﷺ - نهى عن السدل في الصلاة) سدل ثوبه يسدله، بالضم، سدلا: إذا أرخاه وهو إرساله حتى يصيب الأرض، والذي انتهى إلينا من معنى هذا القول أنه: نهى المصلي عن إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، ثم إن أهل العلم مختلفون في هذا النهي، فمنهم من لا يرى بالإرسال بأسا، ومنهم من يرخص فيه، ومنهم من يكرهه ويقول: هكذا يصنع اليهود.
قال الترمذي: وقال بعضهم إنما كره السدل ٧٩/أفي الصلاة إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد فأما إذا سدل على القميص فلا بأس وهو قول أحمد. ثم إني تفكرت في هذا المعنى بعد التدبر لسياق لفظه فرأيت غير ذلك المعنى أمثل من طريق المطابقة، وذلك لأن إرسال الثوب حتى يصيب الأرض منهي عنه على الإطلاق، وفي الحديث خص النهي بالسدل في الصلاة فلابد له من فائدة، وإن زعم زاعم أن فائدة التخصيص على التأكيد؛ فالجواب أن نقول: تأكيد النهي في حق من يرسل ثوبه ويمشي أولى من تأكيده في حق من يصلي، لأن إرسال الثوب حالة المشي من الخيلاء مع ما فيه من إصابة الأذى بالثوب وترك النظافة وإضاعة المال بتمزيق الثوب وإخلاقه ولا كذلك المصلي؛ لأنه ثابت في مكان غير متعرض لشيء من تلك الخلال، ثم إن كثيرا رخصوا في إسبال الثوب في الصلاة، والجمهور منهم منعوا الرجال عن الإسبال في حال المشي للأحاديث التي وردت فيها، فلما رأيت التخصيص في حق المصلي والترجيح من طريق النظر فيما ذكرت من العلماء فتشت عن المراد من الحديث، فرأيت أن النهي إنما خص بالمصلي؛ لأن العرب من عادتهم أن يشدوا الأزر على أوساطهم فوق القميص كل الشد في حالة المشي، فإذا انتهوا إلى مجالسهم حلوا العقدة وأسبلوا الإزار حتى يصيب الأرض ثم ربطوه بعض الربط؛ لأن ذلك أروح لهم وأسمح لقيامهم وقعودهم وكانوا يصنعون ذلك في الصلاة فنهوا عنه؛ لأن المصلي لم يكن ليأمن أن تنحل
[ ١ / ٢٢٣ ]
العقدة أو يتشبث فيه عند النهوض برجله فينفصل عنه فيكون مصليا في الثوب الواحد وهو منهي عنه، أو يتشاغل بإمساكه على نفسه فيجد الشيطان به سبيلا إلى تخبطه في الصلاة، وربما يضم إليه جوانب ثوبه فيصدر عنه الحركات المتداركة، فلهذه المعاني نهي عنه، ولم أقدم على استنباط معنى هذا الحديث على هذا الوجه إلا بعد أن كنت شاهدت تلك الهيئة من أناس من أهل مكة يعتادونها ويأتون بها في مجالسهم.
وفيه (وأن يغطي الرجل فاه) إنما نهي عن ذلك؛ لأنه يحجر الرجل عن أداء القراءة على نعت الكمال والإتيان بالسجود على وجه التمام. وكان من دأب العرب أن يتلثموا بعمائمهم فيغطوا بها أفواههم كيلا يصيبهم الهواء بأذى من حر أو برد فنهوا عن ذلك الصنيع في حال الصلاة للمعنى الذي ذكرناه ولغيره.
[٥١٢] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري﵁: (بينما رسول الله - ﷺ - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه ) الحديث
استدل بعض العلماء من هذا الحديث بقوله - ﷺ -[٧٩/ب]: (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا) على أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يشعر بها فإن صلاته مجزئة ولا إعادة عليه، واستدل آخرون من هذا الحديث بقوله - ﷺ - (إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى [في] نعليه قذرا فليمسحهما وليصل فيهما) على أن النعل إذا أصابته نجاسة فمسحت بالأرض حتى ذهب أثرها جازت الصلاة فيها. ثم إن كل واحد من الفئتين يخالف صاحبه فيما ذهب إليه. والذي يأخذ ببعض هذا الحديث فالبقية منه حجة عليه، فإن قال قائل: كيف صلى رسول الله - ﷺ - في النعل النجس مع تأييد الله إياه بالعصمة ولاسيما في أمر العبادة؟ قلنا إن ذهبنا إلى أن القذر المذكور في الحديث كان نجاسة؛ فالجواب فيه: أنه كان مشرعا فاقتضت الحكمة الإلهية أن يمتحن بأمثال ذلك ليظهر للأمة ما قد خفي عليهم من أمر الدين؛ ولهذا المعنى قال - ﷺ -: (إنما أنسى لأسن). وإن ذهبنا إلى غير ذلك فالأمر فيه بين والوجه فيه أن نقول: يحتمل أن القذر الذي كان في نعل رسول الله - ﷺ - لم يكن من جملة الأعيان النجسة وإنما كان مما يستقذره الناس طبعا وقد أمروا
[ ١ / ٢٢٤ ]
بصيانة المسجد عنه كالنخامة والمخاط؛ فنبأه جبريل (﵇) لئلا يتلوث به ثوبه عند السجود؛ فأخبر به أصحابه وعلمهم ما افتقروا إلى تعليمه من هذا الباب ليتفقدوا النعال عند دخول المساجد وإذا وجدوا فيها قذرا مسحوها بالأرض صيانة للمساجد عن الأشياء القذرة نجاسة كانت أو غيرها، فإن قيل: على أي وجه يطلق لفظ القذر على غير النجاسة؛ قلنا: يجوز ذلك على سبيل الاتساع إن لم ترد به اللغة على الحقيقة؛ وذلك لأن العرب تقول قذرت الشيء بالكسر وتقذرته واستقذرته إذا كرهته، ويصح أن يقال للنخامة والمخاط القذر؛ لأن الطباع تنفر عن ذلك والنفوس تكرهه والله أعلم.