(من الصحاح)
[٥١٥] حديث أبي جحيفة السوائي﵁: (رأيت رسول الله - ﷺ - بالأبطح) الأبطح في موضوع اللغة: مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والبطيحة والبطحاء مثله، وفي هذا الحديث: هو اسم علم للمسيل الذي ينتهي إليه من وادي منى وهو على باب المعلى بمكة حرسها الله تعالى ويقال لها: بطحاء مكة.
وفيه [٨٠/أ] (أخذ عنزة فركزها) العنزة بالتحريك أطول من العصا وأقصر من الرمح.
[٥١٦] ومنه حديث ابن عمر﵁: (كان النبي - ﷺ - يعرض راحلته) معناه ينيخها بالعرض
[ ١ / ٢٢٥ ]
من القبلة حتى تكون معترضة بينه وبين من مر بين يديه؛ من قولهم: عرض العود على الإناء، والسيف على فخذه: إذا وضعه بالعرض، يعرضه ويعرضه أيضا فهذه وحدها بالضم.
وفيه (أرأيت إذا هبت الركاب): أي أقامت الإبل للسير، يقال: هبت الناقة في سيرها هبابا وهبوبا: أي نشطت.
وفيه (فيعدله فيصلي إلى آخرته) تعديل الشيء تقويمه يقال: عدلته فاعتدل، أي قومته فاستقام ومن رواه بالتخفيف فقد حرف، والحرف الذي في كتاب الله (فعدلك) إذا قرئ بالتخفيف فمعناه: صرفك من حال إلى حال، أو من هيئة إلى هيئة، ويجوز أن يكون بمعنى المشدد أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت؛ ولا يستقيم معنى الحديث على ما أوردناه من معنى لفظ التنزيل. وآخرة الرحل: هي التي يستند إليها الراكب.
[٥١٨] ومنه حديث أبي الجهيم﵁- عن رسول الله - ﷺ -: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ) الحديث.
ذكر الشيخ أبو جعفر الطحاوي- رحمة الله عليه- في كتابه الموسوم بمشكل الآثار أن المراد من الأربعين في حديث أبي جهيم هو الأعوام لا الشهور ولا الأيام.
واستدل بحديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لو يعلم الذي يمر بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه ﷿ لكان أن يقف مكانه مائة عام خير له من الخطوة التي خطاها) ثم قال أبو جعفر: وحديث أبي هريرة﵁- متأخر عن حديث أبي جهيم؛ إن في حديث أبي هريرة زيادة في الوعيد على الوعيد الذي في حديث أبي جهيم؛ إن في حديث أبي هريرة زيادة في الوعيد على الوعيد الذي في حديث أبي جهيم، والنبي - ﷺ - لا يأتي بالتخفيف بعد الوعيد أو كلاما هذا معناه.
قلت: وحاصل هذا القول أن الشارع إذا نهى عن فعل وأوعد عليه ثم لم ينته عنه زاد في الوعيد تأكيدا للنهي ومبالغة في الزجر، ولا يظن به خلاف ذلك؛ لأن التخفيف في باب الوعيد لا يلائم الحكمة.
وأبو جهيم هذا هو عبد الله بن جهيم الأنصاري كذا ذكروه في كتب المعارف، وقد قيل هو ابن أخت أبي بن كعب﵁.
[ ١ / ٢٢٦ ]
[٥١٩]- ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - يقطع الصلاة المرأة والحمار [٨٠/ب] والكلب، وبقي ذلك مثل مؤخرة الرحل. ويروى مثله عن أبي ذر﵁- عن النبي - ﷺ -، وفي رواية: و(الكلب الأسود) وفي رواية ابن عباس﵁: (والمرأة الحائض) وقد أخذ بعض العلماء بظواهر هذه الأحاديث، والجمهور على خلاف ذلك.
وقد أورد المؤلف ﵀ بعد هذا الحديث ما يدفع القول بظاهره.
[٥٢٠] فمن ذلك حديث عائشة﵂: (وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة).
[٥٢١] ومنه حديث ابن عباس (فمررت بين يدي الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع).
(ومن الحسان)
[٥٢٤] حديث المقداد بن الأسود﵁- (ولا يصمد له صمدا)، يقول: صمدت صمده أي: قصدت قصده، والصمد القصد، يريد أنه كان لا يجعل ذلك الشيء تلقاء وجهه؛ بل يجعله على جانبه الأيمن أو الأيسر؛ وذلك والله أعلم لتنزهه عن التشبه بمن عبد الأشخاص فيتوجه إليه كل التوجه، ويصمد له صمدًا مستقيما.
[ ١ / ٢٢٧ ]
[٥٢٥] ومنه حديث الفضل بن عباس﵁- أتانا رسول الله - ﷺ - ونحن في بادية لنا) الحديث.
قلت: وقد قال بعض أصحاب الحديث أن حديث أبي ذر﵁- قد عارضه حديث عائشة﵂- في المرأة، وحديث ابن عباس﵁- في الحمار، وأما حديث الفضل ففي إسناده مقال، ثم إنه لم يذكر فيه صفة الكلب فيجوز أن الكلب المذكور في حديثه لم يكن بأسود؛ فبقى حديث أبي ذر في الكلب الأسود لا معارض له، فنرى القول به واجبا لثبوته وصحة إسناده وهذا القول ليس بمستبعد ولا مستنكرا ولا حديث أبي سعيد الخدري﵁- (لا يقطع الصلاة شيء) والأحاديث إذا تعارضت ووجد في معاني بعضها تضاد، فالسبيل أن تأول على وجه التوفيق بينها ونفي التضاد والاختلاف عنها.
والسبيل في هذه الأحاديث أن يحمل معنى قطع الصلاة بهذه الأشخاص على قطعها المصلي عن مواطأة القلب واللسان في التلاوة والذكر والمحافظة على ما يجب عليه محافظته ومراعاته من أمر الصلاة، ومعنى حديث أبي سعيد أن الصلاة لا يقطعها شيء أي: لا يبطلها. ومثل ذلك في كلامهم شائع مستفيض.
يقول القائل إذا تكلم بين يديه متكلم وهو مقبل على صلاته: قطعت على صلاتي، أي: شغلت قلبي عنها وقد تبين لنا من تعارض هذه الأحاديث أن معنى الحديث على الوجه الذي بيناه.
وفيه: (فإنما هو شيطان) أي: شيطان من شياطين الإنس أو يعمل عمل الشيطان أو يحمله الشيطان على هذا الصنيع.
وفيه: (ومثل مؤخرة الرحل) لغة قليلة في آخرته وتشديد الخاء منها خطأ وإنما [٨١/أ] هي مؤخرة على زنة مؤمنة كما نقول: مؤخر العين ومقدمها.
ويحتمل أن النبي - ﷺ - قال مثل آخرة الرحل وكأن مؤخرة الرحل من لغة الراوي كذلك، وهي في حديث ابن عمر﵁- آخرة الرحل دون مؤخرته؛ لأنها اللغة الفصيحة وقريش أصح العرب لغة، وأفصحهم لهجة والنبي - ﷺ - أفصح قريش وقد قال - ﷺ -: (أنا أفصح العرب؛ بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد بن بكر) فينسب إليه من اللغة أصحها وأفصحها دون الرديء منها.
[٥٢٦] ومنه حديث أبي سعيد: (لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم).
[ ١ / ٢٢٨ ]