(من الصحاح)
[٢٧٧] حديث أبي هريرة﵁- قال رسول الله - ﷺ - (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها. شعبها الأربع قيل: هي اليدان والرجلان، وقيل: بين رجليها وطرفي يديها، وأرى هذا أشبه التأويلين وأقربهما؛ لأنه يتناول سائر الهيئات التي يتمكن بها المباشر عن إربه، وإذا فسر [بيدين] والرجلين اختص بهيئة واحدة، والظاهر أن النبي - ﷺ - إنما عدل إلى الكناية بذكر شعبها الأربع لاجتنابه عن التصريح بذكر الشفرتين، ولو أراد بها اليدين والرجلين لصرح بها.
[ ١ / ١٤٩ ]
وفيه (ثم جهدها) بفتح الهاء أي: جامعها على قول ابن الأعرابي؛ لأنه قال الجهد من أسماء النكاح وقيل حفزها ودفعها، وأرى أصل الكلمة من الجهد الذي هو الجد في الأمر وبلوغ الغاية؛ لأن إذا انتهى الأمر به إلى ذلك فقد جد وبلغ الغاية، وإنما عبر عنه بهذا اللفظ المبهم؛ لأنه كان يتنزه عن التفوه بما يفحش ذكره صريحا ما وجد إلى الكناية سبيلا، إلا في صورة تدعو الضرورة إلى التصريح على ما ذكر في حديث ما عز ابن مالك وغيره لتعلق الحد بذلك، وقد اعتمد في هذا الحديث على فهم المخاطبين فعبر عنه بالجهد، والمراد منه: التقاء الختانين عرفنا ذلك بحديث عائشة﵂- حيث سألها أبو موسى الأشعري﵁- عن ذلك فقالت: على الخبير سقطت قال رسول الله - ﷺ -: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل) وهو حديث صحيح.
ومنه حديث أبي سعيد الخدري﵁- أن النبي - ﷺ - قال: (الماء من الماء) أحد الماءين هو المني والآخر هو الغسول الذي يغتسل به أي وجوب الاغتسال بالماء من أجل خروج الماء الدافق، وقد صح أنه منسوخ، ومن جملة الأحاديث التي تصرح وتحكم بنسخ هذا الحديث حديث أبي بن كعب﵁- هو أنه قال: إن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله - ﷺ - في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال منه.
قلت: والذي ذكره المؤلف عن ابن عباس أن الماء من الماء في الاحتلام، فإن قول قاله ابن عباس من طريق التأويل والاحتمال، ولو انتهى الحديث بطول إليه لم يكن ليأوله هذا التأويل [٥١/أ]، وذلك أن أبا سعيد الخدري قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين إلى قباء حتى إذا كان في بني سالم وقف رسول الله - ﷺ - على باب عتبان فصرخ به فخرج يجر إزاره فقال رسول الله - ﷺ -: (أعجلنا الرجل) فقال عتبان: يا رسول الله أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول الله - ﷺ -: (إنما الماء من الماء) وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه.
[٢٧٨] ومن حديث أم سلمة﵂- قالت أم سليم: يا رسول الله إن الله لا يستحى من الحق الحديث. أي لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيى منا، وإنما قدمت هذا الكلام بين يدي حاجتها على وجه الاعتذار عن تصريحها بما تنقبض عنه النفوس البشرية وتتوقى عن ذكرها سيما بحضرة الرسالة، والمعنى أن الله بين لنا أن الحق ليس من جملة ما يستحيا منه، وحثنا على الاستفادة بذكره وترك التنزه
[ ١ / ١٥٠ ]
عنه، وسؤالها هذا كان من الحق الذي ألجأتها الضرورة إلى السؤال عنه، وكانت عائشة رضي الله عناه تقول: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) وأم سليم هذه بنت ملحان الأنصارية أم أنس بن مالك ويقال لها الغميصاء والرميصاء كانت من عقلاء النساء.
وفيه (نعم تربت يمينك) ترب الشيء بالكسر أصابه التراب ومنه ترب الرجل أي: افتقر كأنه لصق بالتراب يقال: تربت يداك هو في الأصل على الدعاء، أي لا أصبت خيرا، وليس المراد منه الدعاء بل هي كلمة من جملة الكلمات التي يطلقها العرب في مخاطباتهم عند التعجب والحث على الشيء والتنبيه عليه والتلزم به وغير ذلك ولا يريدون بها وقوع الأمر، وقد ذكر أبو عبيد اختلاف أهل العلم في معنى تلك الكلمات، واستشهد عليها بالشواهد والقول الجامع بين تلك المعاني أن نقول: اختلاف أقاويلهم يتعلق باختلاف مواضع الاستعمال وذلك مثل قولهم للرجل: قاتله الله ما أفطنه وما أعقله، والآخر: قاتله الله ما أخبثه، فقولهم هذا على معنى الدعاء عليه والذم له، والأول على معنى المدح والتعجب من فطنته وعقله، وذلك يقع موقع قولك: لله دره.
وقوله - ﷺ - (تربت يمينك) كلمة لم يرد بها الدعاء عليها وإنما خرجت مخرج التعجب من سلامة صدرها، وقد روى حديث أم سليم هذا من طريق صحيح أيضا وفيه [٥١/ب] فغطت عائشة وجهها، وذكر فيه مثل حديث أم سلمة، ووجه التوفيق بينهما أن عائشة وأم سلمة﵄- حضرتا حينئذ عنده، وتكلمت كل واحدة منهما مثل كلام صاحبتها فقال رسول الله - ﷺ - (تربت يمينك) جوابا لمن سبق منهما القول أو لصاحبتها وحسبت كل واحدة منها أنها هي المعنية بهذا القول فنقلته على ما سمعته.
[٢٨٠] ومنه حديث ميمونة﵂- (وضعت للنبي - ﷺ - غسلا) الحديث. الغسل بضم الغين كالمغسول والمغتسل، وهو الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل والغسل أيضا الاسم من غسلت الشيء غسلا بالفتح، والغسل الذي هو الاسم من غسلت يقال بتسكين السين وتحريكه بالضم، ووجدت كثيرا من الناس يكسرون الغين من قول ميمونة﵂ - ﷺ - غسلا وهو خطأ، وإنما الغسل بكسر الغين ما يغسل به الرأس من خطمى وغيره، وفيه (ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه) أفرغ أي: صب، والحفنة ملء الكفين من طعام وغيره، وقلما يستعملونها إلا في الشيء اليابس كالدقيق ونحوه، ولعلها استعملتها في الماء على طريق الاتساع وقالت ملء كفيه والحفنة لا يكون إلا ملء الكفين على وجه التأكيد، ويمكن أنها قالت: ثلاث غرفات ملء كفيه فعبر عنها بعض الرواة بما تيسر له من اللفظ.
وفيه (وهو ينفض يديه) أي يحركهما، يقال: نفضت الثوب والشجر أنفضه إذا حركته لينتفض، وليس المعنى أنه نفض يديه لينفض منهما ما بقى عليهما من الطهور، فإن ذلك منهى عنه في الوضوء
[ ١ / ١٥١ ]
والغسل، وإنما أريد به في هذا الحديث تحريك اليدين في المشي كما في المعهود من مشية أولى القوة وذوي الصلابة.
[٢٨١] ومنه قوله - ﷺ - في الحديث الذي روته عائشة﵂- (خذي فرصة من مسك فتطهري بها) الفرصة بالكسر قطعة قطن أو خرقة تمسح بها المرأة من الحيض، وقد أشكل قوله (من مسك) فإن الفرصة لا تكون من مسك، الاحتمال أن هناك حذفا، وتقديره: مطيبة من مسك، وزعم بعضهم (من مسك) أنه بفتح الميم وليس بشيء.
وهذا الحديث وإن كان صحيحا فقد ورد أيضا في الصحاح: (فرصة ممسكة) وهذه الرواية أكثر وقد فسرها بعض أهل العلم فقال: أي مطيبة مأخوذ من المسك فكأنه [٥٢/أ] اختار ذلك للتوفيق بين اللفظين، وقد أنكر بعض أصحاب المعاني هذا التفسير وقال: متى كان المسك عندهم بالحال التي تمتهن هذا الامتهان فيستعمل في المحيض؟! وقد فسر بعضهم فقال: هو من التمسك باليد فقال القتيبي: ممسكة أي: محتملة يقول: تحملينهما معك تعالجين بها قبلك، قال: والعرب تقول مسكت كذا بمعنى: أمسكت وتمسكت، وذكر الزمخشري في كتاب الفائق أن الممسكة الخلق التي أمسكت كثيرا، كأنه أراد أن لا يستعمل الجديد للارتفاق به في الغزل وغيره، ولأن الخلق أصلح لذلك وأوفق، وهذا القول أمتن وأحسن وأشبه بصورة الحال، هذا وقد نظرنا في اختلاف اللفظين فوجدنا الرواية فيهما مسندة إلى عائشة﵂- ووجدنا القضية قضية واحدة والتي سألت عن ذلك أسماء الأنصارية ولم تنسب في الحديث، وقد عرفنا كونها من الأنصار من متن الحديث وهو أن عائشة﵂- قالت: (إن أسماء سألت رسول الله - ﷺ - الحديث). ثم قالت بعد سياق الحديث (نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) وقد وجدنا هذا الحديث أيضا في مسند أسماء بنت أبي بكر فقالت (سألت امرأة عن غسلها من المحيض الحديث). ولابد وأن يكون اختلاف اللفظين في حديث واحد في قضية واحدة من بعض الرواة لروايته الحديث بالمعنى، فالظاهر أن بعض الرواة سمع (فرصة ممسكة) ففهم منه التطيب ولم يضبط اللفظ، فرواه المعنى على هذا اللفظ، وإنما نصرنا هذه الرواية لأنها أكثر، واخترنا المعنى الذي ذكرناه؛ لأنه أوجه وأقرب، ومن الدليل على صحة ذلك أن (الفرصة) في كلام العرب ما تستعمله الحائض وتمسح به الدم على ما نقلناه من كتب اللغة ثم ما في هذا الحديث من قوله (فتطهري بها) ولو كان المعنى على ما ذهبوا إليه لكان (فتطيبي بها) ولأنه - ﷺ - أمرها بذلك لإزالة أثر الدم عن التطهر، ولو كان لإزالة الرائحة الحاصلة من المحيض لأمر بعد إزالة أثر الدم، ثم إن هذا اللفظ أعنى: (فرصة من مسك) هو ما تقضية طرق النظم على ما ذكرناه. والله أعلم.
[ ١ / ١٥٢ ]
[٢٨٢] ومنه حديث أم سلمة﵂- (يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي) الضفر بفتح الضاد وسكون الفاء نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض [عريضا] (٥٢/ب) ومنه قيل للبطان المعرض ضفر وضفير، وللذؤابة ضفرة.
وفيه (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات) الحثو والحثى الإثارة يقال: حثا يحثو حثوا وحثى يحثى حثيا، يقال أحثت الخيل البلاد وأحاثتها: إذا دهمتها وأثارتها، ومعنى الحثيات الثارات التي يثير فيها الماء بيديه ويفيضها على رأسه، فإن كان المراد من الحثيات هذا الذي ذكرناه في تفسير ظاهر اللفظ فإنما نص فيه على الثلاث؛ لأن الكفاية في إفاضة الماء على سائر الجسد يحصل به في غالب الأحوال، ويمكن أنه أراد بالحثية الفيضة الواحدة التي تعم سائر البدن، وهذا المعنى أقرب وعلى هذا فالحثيات في معنى الغلات الثلاث، وحينئذ يكون التنصيص فيها على الثلاث على وجه الاستحباب لا على الوجوب.
[٢٥٨] ومن الحسان قوله - ﷺ - في الحديث الذي ترويه أم سلمة ﵂ (إن النساء شقائق الرجال) أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع كأنهن شققن منهم، ولأن حواء خلقت من آدم ﵇ وشقت منه. يقال: فلان شق نفسي وشقيق نفسي أي كأنما شق مني لمشابهة بعضنا بعضا، وشقيق الرجل أخوه لأن نسبة شق من نسبه، وكثيرا يستعملون ذلك في بني الأب والأم كقولهم في عبد الرحمن بن
[ ١ / ١٥٣ ]
أبي بكر﵁- هو شقيق عائشة﵂-، وذلك باعتبار أنهما شقا من ماء واحد بالنسبة إلى كل واحد من الأبوين في رحم واحد، قال الشاعر:
يا بن أمي ويا شقيق نفسي أنت خليتني لأمر شديد
[٢٨٨] ومنه حديث على ﵁ (فمن ثم عاديت رأسي) عبر عن تعرية الرأس عن الشعر واستئصال ذلك بالجز ليصل الماء بالمعاداة على وجه الاتساع إلى عاملت مع رأسي معاملة المعادى، وقد ذهب بعض أهل العلم في معناه إلى الاستقصاء في إيصال الماء إلى أصول الشعر، وقد تعمق في تحقيق قوله (عاديت) حتى كان أن يفضى به إلى التكلف بل أفضى () هو الذي ذكرناه، ومما حملنا على اختيار هذا القول بعد مراعاة الظاهر ما رواه أبو محمد () الدرامي في كتابه من الزيادة بعد حديث علي ﵁ هذا وكان علي﵁- يجز شعره، فأورد هذا القول مورد البيان لقول علي﵁- وقد روى مثل ذلك عن حذيفة﵁- وذلك (٥٣/أ) أنه خرج وقد طم رأسه فقال (إن تحت كل شعرة لا يصيبها الماء جنابة فمن ثم عاديت شعري كما ترون) قال شمر: معناه أنه طمه واستأصله ليصل الماء إلى أصول شعره، ولم يفسر قوله (عاديت) وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: (عاديت شعري) أي رفعته وعاديت الشيء أي باعدته، وهذا التفسير قريب مما ذكرناه في حديث علي﵁- ولو قدر معنى الرفع والمباعدة في حديث علي ﵁ لم يستقم معناه إلا إذا قيل إنه حذف المضاف، وتقدير الكلام (فمن ثم عاديت شعر رأسي) ولو زعم زاعم أن المراد من الرفع في تفسير حذيفة رفع الشعر؛ لإيصال الماء في أصوله فقد أحال، وكذلك الذي فسر عاديت رأسي بالاستقصار في إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ لأن في حديث حذيفة (وقد طم رأسه) أي استأصل شعره، وفي كتاب الدرامي (وكان يجز شعره) فأني يصح معنى الحديثين على قدر من الاستقصاء والمبالغة بعد استئصال الشعر بالجز.
[٢٩٠] ومنه حديث عائشة﵂- (كان النبي - ﷺ - يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب) الحديث. الخطمى بكسر الخاء الذي يغسل به الرأس، ومعنى الحديث أنه كان يكتفى بالماء الذي يغسل به الخطمى عن رأسه، ولم تبينه كل التبيين؛ لأن من المعلوم أن الذي يغسل رأسه بالخطمى لابد وأن يغسله بالماء حتى يزيل عنه أثره.
[ ١ / ١٥٤ ]