(من الصحاح)
[٣٦٥] قوله - ﷺ - في حديث فاطمة بنت أبي حبيش رواية عائشة﵂- (إني امرأة استحاض) هذه الكلمة ترد على بناء المفعول يقال استحيضت المرأة إذا استمر بها الدم بعد أيامها.
[ ١ / ١٧٢ ]
وفيه (إنما ذلك عرق) أي الذي تشتكينه عرق قد انفجر منه الدم لانشقاقه، وفي حديث أم حبيبة بنت جحش أن النبي - ﷺ - قال إنها ليست بالحيضة ولكنه عرق فتقه إبليس، قدم الاستحاضة ينفجر من العروق غير عرق الحيض وذلك من جملة الأمراض، وأما دم الحيض فإنه ينصب في مجاريه المعتادة إلى الرحم فيخرج من الرحم على وصف [٦١/ب] مخصوص في وقت مخصوص وإنما سمي ذلك الدم حيضا لاجتماعه في الرحم اجتماع الماء في الحوض يقال: استحوض الماء أي اجتمع.
وفيه (فإذا أقبلت حيضتك) الحيضة بكسر الحاء على ما ذكرنا. وقد اختلف العلماء في تأويل ذا الحديث فمنهم من قال: إنها كانت تعرف أيامها فلهذا أمرها بترك الصلاة في أيام الحيضة، ومنم من قال لم تكن تعرف أيامها فلهذا أمرها أن تعتبر أيامها بلون الدم وذلك مذكور في حديث عروة الذي يتلو هذا الحديث فأصحاب المقالة الأولى يقولون إن الحديث الذي تمسكتم به مرسل وقد روى أيضا من طريق آخر متصلا عن عروة عن عائشة عن النبي - ﷺ - ولكن في إسناده اضطراب ولم يذكر الاعتبار بلون الدم إلا في حديث فاطمة بنت أبي حبيش وحديثها يروي من طريقين: أحدهما مرسل، والآخر مضطرب الإسناد والحديث الذي تمسكنا به أولى بالتقديم وأحق بالاتباع؛ لأنه حديث صحيح، وأصحاب المقالة الأخرى
[ ١ / ١٧٣ ]
يقولون حديث عروة لا يناقض الحديث الذي استدللتم به وإنما فيه زيادة بيان والزيادات إذا لم يلزم منها تناقض فإنها مقبولة.
(ومن الحسان)
[٣٦٩] حديث حمنة بنت جحش﵂- (كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة) استحيضت المرأة إذا سأل عنها الدم في غير أيام معلومة ومن غير عرق المحيض وحيضة بفتح الحاء وإنما قالت حيضة على المرة الواحدة ولم تقل حيضا لتميز تلك الحالة التي كانت عليها من سائر أحوال المحيض في الشدة والكثيرة والاستمرار
وفيه (إني انعت لك الكرسف) والكرسف القطن ومنه كرسف الدواة والمعنى أصفه لك لتعالجين به مقطر الدم وإنما قال أنعت إشارة إلى حسن أثر الكرسف وصلاحه لذلك الشيء؛ لأن النعت أكثر ما يستعمل في وصف الشيء بما فيه من حسن، ولا يقال في المذموم إلا أن يتكلف متكلف فيقول نعت سوء.
وفيه (إنما أثج تجا) الثج شدة سيلان الدم، ومطر ثجاج إذا انصب جدا والثج سيلان دماء الهدى ويقال أيضا ثججت الماء والدم إذا سكبته وعلى هذا فالمفعول محذوف أي أثج الدم ثجا ويحتمل أن يكون بمعنى السيلان وإنما اضافت السيلان إلى نفسها على معنى أن النفس جعلت كأنه كلها دم ثجاج وهذا أبلغ في المعنى وهو مثل قولهم فاضت عيني من الدمع.
وفيه (إنما هي ركضة من ركضات الشيطان) أي تلك العلة دفعة وحركة من دفعات الشيطان وحركاته وإنما أضافها إلى الشيطان؛ لأن الشيطان وجد بذلك طريقا إلى التلبس عليها في أمر دينها وذلك مثل قوله - ﷺ - (الرعاف في الصلاة من الشيطان) ويحتمل أن يكون الضمير للحالة أي الحالة التي ابتليت بها من الخبط والتحير ركضة من ركضات الشيطان.
وفيه (فتحيضى ستة أيام أو سبعة في علم الله) تحيضت المرأة أي قعدت أيام حيضها عن الصلاة، وقد
[ ١ / ١٧٤ ]
اختلف العلماء في تأويل قوله ستة أيام أو سبعة فمنهم من ذهب إلى أن (أو) للشك من بعض الرواة وإنما يكون النبي - ﷺ - قد ذكر أحد العددين اعتبارا بالغالب من حال نساء قومها، ويدل على ذلك قوله - ﷺ - (كما تحيض النساء وكما يطهون) ويحتمل أنها أخبرته بعادتها قبل أن يصيبها ما أصابها، ومنهم من قال إن ذلك من قول النبي - ﷺ - وقد خيرها بسين كل واحد من العددين؛ لأنه العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء، وقد قيل إن أمرها بذلك على اعتبار حالها بحال من هي مثلها إن ستا فستا وإن سبعا فسبعا، وقيل أمرها ببناء الأمر على ما يتبين لها من أحد العددين على سبيل التحري والاجتهاد ويقول هذا القائل في علم الله أي فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، ومن قال (أو) للشك من بعض الرواة فإن له أن يقول في علم الله أي في علمه الذي بينه وشرعه لنا كما يقول في حكم الله وفي كتاب الله تعالى وقد روى هذا الحديث أيضا من غير هذا الوجه على غير هذا السياق ويقع الاختلاف في تأويله على حسب الاختلاف في ألفاظه ففي بعض طرقه لأهل الرواية مقال.
قلت: ومن ذوات الاستحاضة في زمان النبي - ﷺ - سهلة بنت سهيل بن عمرو وفاطمة بن أبي حبيش وحمنة بن جحش وأم حبيبة بنت جحس. وأهل السير يزعمون أن المستحاضة منهما حمنة وأم حبيبة غلط والصحيح عند أهل الحديث أنما كانتا تستحاضان جميعا ولقد أردنا أن نبسط القول في بيان تلك الأحاديث وتقرير كل منا على الوجه الأوضح والتأويل الأقوم ثم إنا رأينا أنه يفضى بنا إلى ما يتعلق بشأن أحاديث كتاب المصابيح فاقتصرنا على المشار إليه مجملا وليعلم المتطلع إلى معرفة أحاديث هذا الباب أن اختلاف الأحكام فيها لاختلاف أحوالهن ٦٢/ب في تلك العلة وليعلم أن الاعتبار بلون الدم ولم يذكر في شيء منه إلا في حديث فاطمة وذكرنا في مرسل رواه الزهري عن عروة عن النبي - ﷺ - وهو الأقرب عند علماء الحديث.
[ ١ / ١٧٥ ]