(من الصحاح)
[١١٢٢] حديث أبي سعيد الخدري﵁- عن النبي - ﷺ -: (إذا رأيتم الجنازة، فقوموا الحديث).
يحتمل: انه أمر بالقيام عند رؤية الجنازة؛ لأن من حق الموت الذي كتبه الله على كل نفس منفوسة: أن يستحفل أمره ويهاب، وإذا حل بإنسان فرآه آخر يقف شعره، وترعد فرائصه، وإذا ذكر به استشعر الخوف منه، ومن حق المرعوب: أن يكون قلقًا مستوفزًا؛ فيجلس إن كان نائمًا، ويقوم إن كان قاعدًا، وقلة الاحتفال بهذه النازلة العظيمة، وإظهار التجلد دونها: إنما يوجد ممن أخذت الغفلة بمجامع قلبه؛ فأمر بالقيام لها؛ إزاحة لتلك العلل.
ويؤيد هذا التأويل: حديث جابر﵁- عن النبي - ﷺ -: (إن الموت فزع؛ فإذا رأيتم الجنازة، فقوموا)، وقوله: (فزع) أي: ذو فزع، أو جعل ١٣٢] /ب [نفس الموت فزعًا؛ لأنه لا يخلو من الفزع.
وقد صح عن على﵁- أنه قال في شأن الجنائز: (إن رسول الله - ﷺ - قام ثم قعد)، ووجه ذلك- والله أعلم-: أنه قام وأمرهم بالقيام على ما ذكرنا، تقريرًا للمعنى الذي ذكرناه، ثم قعد ليعدل بالقضية عن حد الوجوب، ويريهم أنهم في فسحة من ذلك، وإن كان القيام أحب إليه.
ويحتمل: النسخ على ضعف فيه؛ لأنه أمر بالقيام على ما ذكرنا، ولم يأمر بالقعود.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
قلت: ولولا مكان حديث جابر: أن الموت فزع، ثم ما في هذا الحديث: أن الجنازة كانت جنازة يهودية: لكان لنا أن نقول: إنما أمرهم بالقيام، ليشتركوا مع المشيعين في الثواب، ولكن القول به مدخول، لوجود العلتين.
وفيه: (فلا يقعد حتى يوضع):
النهي عن القعود -ههنا- لاستيفاء الأجر في الإتيان بالتشييع على وجه الكمال.
واختلف بعض أهل العلم في المراد ب (الوضع): هل هو عن أعناق الرجال، أو الوضع في اللحد؛ لاختلاف الرواية:
فواه سفيان الثورى: (حتى توضع بالأرض)، ورواه محمد بن حازم، وأبو معاوية الضرير: (حتى يوضع في اللحد).
قال أبو داود: سفيان أحفظ من أبي معاوية.
قلت: سفيان يفوق أبا معاوية بأكثر من الحفظ، ثم إن لفظ الحديث يشهد لسفيان، وهو قوله: (حتى توضع) على صيغة التأنيث، ولم يرو إلا كذلك؛ فالضمير للجنازة، والجنازة لا توضع في اللحد، وإنما توضع على الأرض، وقد ورد: (حتى يوضع في اللحد) يعني: الميت، في غير هذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة في ثواب من شهد الجنازة: (حتى يصلي عليها، وحتى يدفن) أي: يدفن صاحبها، وفي رواية: (حتى يوضع في اللحد).
[١١٢٥] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة ري الله عنه: (فإنه يرجع من الأجر بقيراطين):
[ ٢ / ٣٩٠ ]
القيراط: نصف دانق، وأصله: قراط- بالتشديد- لأنه يجمع على قراريط، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه، لئلا يلتبس بالمصادر التي تجئ على (فعال)، إلا أن يكون بالهاء، فيخرج على أصله، مثل الصنارة.
وأما القيراط- الذي في الحديث-: فقد جاء مفسرًا فيه، فقال: (كل قيراط مثل أحد)؛ وذلك تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ (القيراط)، والمراد منه على الحقيقة: أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر، فبين المعنى ب (القيراط) الذي هو حصة من جملة الدينار.
[١١٣٠] ومنه: قولة عائشة -﵂-: (صلى رسول الله - ﷺ - على ابني بيضاء في المسجد): تريد ب (ابني بيضاء): سهلًا وسهيلًا؛ ينسبان إلى أمهما (بيضاء)، واسمها: دعد بنت الجحدر، ولهما أخ آخر يقال له: صفوان بن بيضاء، وأبوهم: عمرو بن وهب، وقيل: وهب بن ربيعة القرشي ١٣٣] /أ [الفهري.
فأما صفوان: فإنه قتل شهيدًا يوم بدر، وقيل: إنه عاش بعد النبي - ﷺ -، ومات سنة ثمان وثلاثين. ولم يختلفوا في سهيل: أنه مات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه رسول الله - ﷺ - في المسجد.
وأما سهل: فقيل: إنه مات في زمان رسول الله - ﷺ -؛ وهو الأكثر، وذكر عن الواقدي أنه مات بعد
[ ٢ / ٣٩١ ]
رسول الله - ﷺ -، وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن أبي نضر، عن أبي سلمه، ولم يذكر فيه سهلًا، وأرسل الحديث.
وقد روى هذا الحديث عن عائشة -﵂- مبينًا، ولفظ الحديث: (والله، ما صلى رسول الله - ﷺ - على ابني بيضاء إلا في المسجد: سهل وسهيل).
قلت: وإنما حلفت، لأن الناس تماروا في ذلك؛ فمن قائل يقول بقول عائشة﵂- ومن قائل يرى خلافه، وقد روى عن أبي هريرة خلافه مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.
والقضية الموجبة للاختلاف: هي أن سعد بن أبي وقاص﵁- توفي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إلى المدينة على أعناق الرجال؛ ليدفن بالبقيع، وذلك في إمرة معاوية، وعلى المدينة مروان، فسألت عائشة أن يصلي عليه في المسجد لتصلي عليه؛ فأبوا عليها، وقالوا: لا يصلي على الميت في المسجد؛ فذكرت الحديث.
فمن ذهب من العلماء إلى حديث عائشة: فلصحة إسناده. ومن ذهب إلى خلاف ذلك: فإنه يقول اختلف أقاويل الرواة في حديث عائشة على ما ذكرنا، وروى أبو هريرة خلافه، ثم إن الصحابة -يومئذ- كانوا متوافرين؛ فلو لم لعلموا بالنسخ، لما خالفوا حديث عائشة -﵂-.
[١١٣٤] ومنه: حديث ابن عباس﵁- عن النبي - ﷺ -: (ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا الحديث).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
روى هذا الحديث عن ابن عباس كريب، وفي روايته: (مات ابن لعبدالله بن عباس بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا، فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قلت: نعم، قال: اخرجوا؛ سمعت رسول الله - ﷺ - وذكر الحديث، ويتلو هذا الحديث حديث عائشة﵂-، عن النبي - ﷺ -: (ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة الحديث)، وقد روى هذا الحديث بمعناه عن أبي هريرة وأنس ﵄.
ولا تضاد بين حديثهم وحديث ابن عباس؛ لأن السبيل في أمثال هذا الحديث: أن يكون الأقل من العددين متأخرًا؛ لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى واحد، لم يكن من سنته أن ينقص من الفضل الموعود بعد ذلك، بل يزيد عليه؛ فضلًا منه وتكرمًا على عباده؛ فجعلنا حديث ابن عباس في أربعين متأخرًا عن حديث الآخرين في المائة؛ للمعنى الذي ذكرناه، وقد ١٣٣] /ب [تقدم تقرير هذا المعنى في موع آخر من هذا الكتاب.
(ومن الحسان)
[١١٤٠] حديث المغيرة بن شعبة -﵁ عن النبي - ﷺ -: (الراكب يسير خلف الجنازة الحديث):
[ ٢ / ٣٩٣ ]
وجدناه في سائر النسخ عن المغيرة بن زياد، وفي هذا الموضع تحريف بين لا ندري من أين وقع؛ فإن المغيرة بن زياد لا يعرف أصلًا لا في الصحابة ولا في التابعين، وهذا الحديث إنما يروى عن المغيرة بن شعبة، وعليه مداره، ويرويه عن المغيرة جبير، ويرويه عن جبير ابنه زياد.
وفي (سنن أبي داود): (عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة)، قال: وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي - ﷺ -، فلعل بعض النساخ تخبط فيه؛ فصار إسوة لمن لا عناية له بعلم الحديث ورجاله.
[١١٤٩] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة ﵁: (اللهم، اغفر لحينا وميتنا، وشاهنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
سئل أبو جعفر الطحاوي- رحمة الله عليه- عن معنى الاستغفار للصغار مع أنه لا ذنب لهم؟:
فقال: إن النبي - ﷺ - سأل ربه أن يغفر لهم ذنوبًا قيضت لهم أن يصيبوا بعد الانتهاء إلى حال الكبر، فتكون مغفورة لهم مغفرة قد تقدمتها؛ وذلك مثل قوله - ﷺ - لعمر﵁- في قصة حاطب لما كتب إلى أهل مكة يحذرهم ويخبرهم بمجيء رسول الله - ﷺ -، فقال: (ما يدريك، إنه من أهل بدر، ولعل الله تعالي اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شيءتم، فقد غفرت لكم).
قلت: أراد أبو جعفر بهذا النظير: أن المغفرة تعلقت في قصة حاطب بذنب لم يصدر منه بعد؛ فكذلك ههنا سأل المغفرة لهم فيما لم يستعدوا لعمله بعد.