(من الصحاح)
[٢٥١] قول النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة (فإنه لا يدري أين باتت يده) كان أكثرهم يومئذ من يستنجى بالأحجار فيقتصر عليها لإعواز الماء بحضرته وقلته بأرض الحجاز فإذا نام عرق منه محل الاستنجاء، وكان أحدهم إذا أتى المضجع حل إزاره ونام معروريا، فربما أصابت يده ذلك الموضع ولم يشعر به فأمرهم أن لا يغمسوها في الإناء حتى يغسلوها ثلاثا لاحتمال ورود النجاسة عليها في غالب الأمر وهو أمر ندب واستحباب حث به على الاحتياط في أبواب العبادات وصيانة المياه عن مظان النجاسات ويتأكد الاستحباب في حق من باب على الصفة التي ذكرناها فأما من بات وحاله على خلاف ذلك ففي أمره سعة ويستحب له أيضا أن يغسلها؛ لأن السنة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى الله أعلم.
[٢٥٢] ومنه: حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه). الخيشوم أقصى الأنف وباطنه،
[ ١ / ١٤٣ ]
والمراد من بيتوتة الشيطان عليه- والله أعلم- أن الإنسان إذا نام تعلق الخشام بخيشومه ويبس عليه المخاط حتى تنسد مجاري الأنفاس منه وينقطع عن الدماغ ما كان يجده من الراحة باستنشاق الهواء فيكون في رقدته كالمعذب في يقظته فتتغير الطبيعة عن حالها ويتعرض له الشيطان بما يكرهه من أضعاث الأحلام وإذا هب من نومه حب لقس النفس متعوب الطبيعة ولا تستقيم له القراءة في الصلاة مع ترك الخيشوم على تلك الحالة، لأنها تمنع عن تأدية الحروف من مخارجها على شرط الصحة فأمره بالاستنثار لإزالة هذه العوارض وصار ذلك الموضع بيته؛ لأنه يستحلى تلك القواطع التي يتمكن منها هناك وذلك مثل قوله - ﷺ - حكاية عن الشيطان إذا دخل البيت الذي لم يذكر اسم الله فيه على الطعام: (أدركتم العشاء والمبيت) ويحتمل وجها آخر وهو أن الإنسان ما دام متيقظا وسوس إليه الشيطان بطريق ما يرد على السمع ويتراءى للبصر ويترقب الفرصة منه عند النطق، إلى غير ذلك من الأحوال فإذا نام انسدت [٤٨/ب] فيه تلك المداخل ولم يبق إلا مدخل النفس من الخيشوم فيترصد هنالك للتعرض له بما يؤذيه ثم إن الخيشوم باب مفتوح إلى قبة الدماغ وفيه محل القسوة المتخيلة التي هي مناط الرؤيا الصالحة ومثار الأحلام الكاذبة، فلا يزال بائتا دون ذلك الباب يعبث ينفخه ونفثه في عالم الخيال فرأى الرسول - ﷺ - أن يمحو باستعمال الطهور المبارك على وجه التعبد آثار تلك النفخات والنفثات عن مجاري الأنفاس والله أعلم.
وتقرينا الكلام على الوجهين من طريق الاحتمال وحق الأدب دون الكلمات النبوية التي هي مخازن أسرار الربوبية ومعادن الحكم الإلهية أن لا يقطع في ذا الحديث وأخواته بشيء فإن الله تعالى خص رسوله - ﷺ - من غراب المعاني وكاشف من حقائق الأشياء بما يقصر عن بيانه باع الفهم ويكل عن إدراكه بصر العقل والله أعلم.
[٢٥٦] ومنه: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي - ﷺ - (رأي أقواما وأعقابهم تلوح الحديث. كان أصحاب النبي - ﷺ - أبر وأتقى من أن يتساهلوا في أمر الدين حتى يفضى بهم ذلك إلى ترك الواجب ورسول الله - ﷺ - بين أظهرهم فالظاهر أن القوم المذكورين في الحديث كانوا قوما حديثا عهدهم بالإسلام من سكان البوادي وجفاة الأعراب تجوزوا في غسل أرجلهم
[ ١ / ١٤٤ ]
لجهلهم بأحكام الشرع فزجرهم النبي - ﷺ - بهذا الوعيد عن ترك الواجب والله أعلم وقول (ويل للأعقاب) أي لأصحاب الأعقاب ويحتمل أن يخص العقب نفسها بألم من العذاب عند تعذيب صاحبها والله أعلم.
ومنه حديث المغيرة بن شعبة﵁- أن النبي - ﷺ - (توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه) إنما قال: فمسح بناصيته تنبيها على أن المسح كان ملصقا بالرأس من غير حائل.
وقوله (على عمامته) يحتمل أنه حيث مسح بناصيته سوى عمامته بيديه فحسب الراوي أنه مسح عليها، وحديث ثوبان يدل على خلاف ذلك وهو ما روى عنه أن النبي - ﷺ - بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين يعني العمائم والخفاف وقد جوز المسح على العمامة جمع من فقهاء أصحاب الحديث وأكثر من يدور عليهم علم الفتيا في بلاد الإسلام على خلاف ذلك فمنهم من يقول إن النبي - ﷺ - رخص لهم بعد مسح الواجب أن يقتصروا من الاستيعاب على مسح العمائم ويجعل حديث المغيرة كالمفسر لحديث ثوبان وهذا التأويل لا يستقيم على مذهب من يرى استيعاب جميع الرأس بالمسح واجبا وله أن يقول العمل بحديث ثوبان غير [٤٩/أ] واجب، لأن الله فرض مسح الرأس وقال ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ ذاكرا بحرف الإلصاق فلا يجوز تركه بحديث غير متواتر محتمل لأقاويل.
قلت: ومن الاحتمال الجائز في حديث ثوبان أن يكون القوم قد أصابتهم الجراح فعصبوها بالعصائب فأمرهم أن يمسحوا عليها ويحتمل أن ذلك كان قبل نزول الآية وعلى الأحوال فالأخذ بظاهر التنزيل في مصل هذه المسألة أولى كيف وقد ذكر العلماء بأيام الرسول - ﷺ - وأساب النزول أن المائدة آخر ما نزل من سور القرآن والله أعلم.
[٢٥٨] ومنه: حديث عائشة﵂- (كان النبي - ﷺ - يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله) التيمن في اللغة المشهورة هو التبرك بالشيء من اليمن وهو البركة، والمراد به في هذا الحديث البدء بالأيامن ولم أجد له شاهدا في كتب العربية، وقولها (يحب التيمن) أي يؤثره ويختاره عبرت عن ذلك بالمحبة؛ لأن من شأن المحب للشيء أن يؤثره ويختاره.
وفيه (في طهوره) الطهور ههنا بمعنى المصدر والقول فيه على ما ذكرناه في أول كتاب الطهارة، وأرادت بالترجل امتشاط الشعر وشعر مرجل أي مسرح والمرجل والمسرح: المشط.
(من الحسان)
[٢٥٩] قول النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة﵁- كابدوا بأيمانكم) كذا وجدناه
[ ١ / ١٤٥ ]
في نسخ المصابيح والرواية المعتد بها (بميامنكم) ولا فرق بين اللفظين من طريق العربية فإن الأيمن والميمنة خلاف الأيسر والميسرة غير أن هذا الحديث [تفرد] بإخراجه أبو داود في كتابه ولفظه (بميامنكم) فعلينا أن نتبع لفظه والله أعلم
[٢٦٠] ومنه: حديث سعيد بن زيد﵁- قال رسول الله - ﷺ - (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) عنى بهذا النفي نفي الكمال كقوله (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)
وقد ذهب بعض علماء الحديث إلى وجوب التسمية عند الوضوء منهم الإمام أحمد﵁-
[ ١ / ١٤٦ ]
ومنه قول علي﵁- في الحديث الذي يرويه أبو حية (أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله - ﷺ -) قد ذكرنا فيما مضى من الكتاب أن أبا عمرو بن العلاء كان يذهب إلى تخطئة من رواه يفتح الطاء وأبو حية بالياء ذات النقطتين تحتها هو الوادعي همداني، وهو الخارفي وهمدان قبيلة من اليمن وخارف بطن منها.
[٢٦٨] ومنه: حديث ابن عباس﵁- أن النبي - ﷺ - (مسح برأس وأذنيه باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه) يعني بالسبابتين المسبحتين وهما السبابتان والسبابة والمسبحة [٤٩/ب] من التسميات الإسلامية، وضعوها مكان السباسة لما في السبابة من المعنى المكروه. والإبهام الإصبع العظمى وهي مؤنثة والجمع أباهيم.
[٢٧٠] ومنه: حديث عبد الله بن زيد﵁- في حديثه أنه يعني النبي - ﷺ - (مسح رأسه بماء غير فضل يديه) أي أخذ له ماء جديدا ولم يقتصر على البلل الذي بيديه وفيما رواه ابن لهيعة (بماء غبر من فضل يديه) أي بقى على يديه من الماء الذي غسل به يديه ولا عبرة بهذه الرواية فقد روى عن عبد الله بن زيد وغيره بطرق شتى وأسانيد مرضية أنه أخذ لرأسه ماء جديدا ولم يقتصر على البلل الذي بيديه ومن ترك مثل هذا الحديث واتبع الرواية الشاذة الواهية فهو غير موفق ولا صاحب نظر في الدين وعبد الله بن زيد هذا هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني مازن بني النجار وكل ما روى في كتاب المصابيح عن عبد الله بن زيد فهو الذي رواه، سوى حديث الأذان فإن الذي رواه هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو أنصاري خزرجي شهد بدرا وهو صاحب رؤيا الأذان، وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم هذا مخرج في كتاب مسلم ولا شك أن المؤلف لم يشعر أنه في كتاب مسلم ونقله عن كتاب الترمذي فجعله في جملة الحسان.
[٢٧١] ومنه: حديث أبي أمامة﵁- (كان رسول الله - ﷺ - يمسح المآقين) المأق على مثال المعق طرف العين الذي يلي الأنف قاله أبو عبيد الهروى وفي كتاب الجوهري: الذي يلي الأنف والأذن واللغة المشهورة موق العين وفيه لغة أخرى وهي ماق على مثال قاض، وإنما مسحهما
[ ١ / ١٤٧ ]
على وجه الاستحباب مبالغة في الإسباغ ونظرا إلى حد الكمال وذلك لأن العين قلما تخلو من قذف ترميه من كحل وغيره أو رمص يسيل منها فينعقد على طرف العين فيفتقر إلى تنقيته وتنظيفه بالمسح والذي يقتضيه تفسير أبي عبيد مسح طرف العين مما يلي الأنف والذي يقتضيه قول الجوهري مسح المآقين من كل عين وهذا أمثل وأحوط؛ لأن المعنى الذي وجدناه في مسح الطرف الذي يلي الأنف وجدناه في مسح الطرف الآخر.
[٢٧٢] ومنه: قول النبي - ﷺ - في الحديث الذي يرويه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (فقد أساء وتعدى وظلم) إنما ذم هذا الفعل بالكلمات الثلاثة إظهارا لشدة النكير على فاعله وزجرا لأولى البصائر عن ذلك ثم إنه قال: (أساء) لأنه أساء الأدب بين يدي الله ورسوله؛ حيث تساهل في حق الاتباع وتعدى؛ لأنه تجاوز عن الحد المحدود له وظلم؛ لأنه وضع الشيء في غير موضعه وهو الطهور الذي استعملهه بعد حصول الكمال ثم ظلم نفسه بمخالفة السنة.
وفي قول الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده احتمال أن يكون الضمير في جده راجعا إلى عمرو وأن يكون راجعا إلى أبيه شعيب، فإن يك راجعا إلى عمرو بالحديث يكون مرسلا؛ لأن جد عمرو هو محمد بن عبد الله بن عمرو وهو تابعي، وإن يك راجعا إلى شعيب فالحديث متصل؛ لأن جد شعيب عبد الله بن عمرو ولهذه العلة تكلموا في صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لما فيها من احتمال التدليس.
[٢٧٣] ومنه: حديث عبد الله بن مغفل﵁- لابنه قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور).
قلت أنكر الصحابي على ابنه في هذه المسألة لأنه طمح إلى ما لم يبلغه عملا وحالا؛ حيث سأل منازل الأنبياء والأولياء وجعلها من باب الاعتداء في الدعاء لما فيها من لتجاوز عن حد الأدب ونظر الداعي إلى نفسه بعين الكمال. والاعتداء في الدعاء يكون من وجوه كثيرة والأصل فيه أن يتجاوز عن مواقف الافتقار إلى بساط الانبساط أو يميل إلى أحد شقى الإفراط والتفريط في خاصة نفسه وفي غيره إذا دعا له أو عليه، والاعتداء في الطهور استعماله فوق الحاجة والمبالغة في تحري طهوريته حتى يفضى به إلى الوسواس.
[ ١ / ١٤٨ ]
وفي كتاب المصابيح عدة أحاديث عن عبد الله بن مغفل رأيت كثيرا من المحصلين يتخبطون في اسم أبيه فتارة يروون بالعين والقاف وتارة يزيدون فيها الألف واللام ويروونه بالفاء ظنا منهم؛ لأن لام التعريف فارق بين ما هو بالفاء وبين ما هو بالقاف وهم غير مصيبين في الصورتين وكل ما في المصابيح على هذا الرسم فهو عبد الله بن مغفل بالغين المعجمة والفاء المشددة. وعبد الله بن معقل بالعين والقاف غير موجود في الصحابة وإنما هو في التابعين.
[٢٧٤] ومنه: حديث أبي بن كعب﵁- عن النبي - ﷺ - (إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان الحديث) الولهان على مثال الوحدان. مصدر قولك وله يوله ولها، وولهانا، وهو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد فسمي به شيطان الوضوء والله أعلم بحقيقته إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء وإما لإلقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة حتى يرى [٥٠/ب] صاحبها حيران ذاهب العقل لا يدري كيف يلعب به الشيطان.