(من الصحاح)
[٣٨٣] حديث أبي برزة الأسلمي﵁: (كان رسول الله - ﷺ - يصلي الهجير التي تدعونها الأولى ..) الحديث.
الهجير والهاجر وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، وإنما قال: (الهجير التي) بلفظ التأنيث؛ لأن المراد منه: الهاجرة، أو حذف منه الصلاة، وتقديره: صلاة الهجير.
وفيه (تدحض الشمس) أي: تزول؛ يقال: دحضت الشمس عن كبد السماء: إذا زالت.
وفيه: (والشمس حية)، يتأول ذلك على وجهين:
أحدهما: أنه أراد بحياتها: شدة وهجها، وبقاء حرها.
والآخر: أنه أراد به صفاء لونها عن التغير والاصفرار؛ وهذا أقرب التأويلين.
[٣٨٤] ومنه: حيث جابر ﵁ [٦٥/أ] في حديثه: (والمغرب إذا وجبت)
[ ١ / ١٨١ ]
ومعناه: إذا سقطت في المغيب، والوجوب: السقوط؛ قال الله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾.
[٣٨٦] ومنه: حديث أبي هريرة﵁- عن رسول الله - ﷺ -: (واشتكت النار إلى ربها الحديث)، ذكر في أول الحديث: (إن شدة الحر من فيح جهنم)، أي: من سطوع حرها، وكانت هذه الصيغة محتملة للمجاز على معنى أنها تعد من جملتها، لا بينهما من مشاكلة ما؛ فبين بالبيان الذي ذكره: أن المراد منه الحقيقة لا غير، ثم نبه على أن أحد النفسين: يتولد منه (أشد ما تجدون من الحر)، والآخر: يتولد منه (أشد ما تجدون من الزمهرير).
وأشار بقوله (أشد) إلى أن هذين النفسين ليسا- على الإطلاق- بموجبين للحر والبرد في فصلي الشتاء والصيف؛ فإن الله سبحانه جعل ذلك مربوطا بالآثار العلوية على السنة التي أجرى عليه أمر العالم، بل ينشأ من أحد النفسين أشد ما تجدون من الحر في أوان الحر، وينشأ من الآخر أشد ما تجدون من الزمهرير في أوان البرد.
وهذه من مقتضيات حكمة الله البالغة؛ حيث أظهر آثار فيح جهنم في زمان الحر، وآثار الزمهرير في زمان البرد، ولم يجعلهما على العكس؛ فيتولد منهما وخامة في الأهوية، وفساد في الأمزجة، ثم إن المنفعة العظمى، والمصلحة الكبرى في ذلك: أن المكلف إذا صدق النبي - ﷺ - في هذا الخبر من غير أن يشاهد أثرا
[ ١ / ١٨٢ ]
من فيح جهنم في أوان البرد، أو يجد أثرا من الزمهرير في أوان الحر، كان تصديقه ذلك أقوى وأكمل في باب الإيمان بالغيب، لخلوه عن الشواهد الحسية.
[٣٩٠] ومنه: حديث بريدة ﵁، عن النبي - ﷺ -: (من ترك صلاة العصر، حبط عمله).
حبط حبطا وحبوطا، أي: بطل ثوابه، وليس ذلك من إحباط العمل الذي عمله قبل ذلك في شيء؛ لأن ذلك غير جائز في حق المسلم بما قد تبين لنا من أصول الشرع، وليس هذا الموضع موضع إيراده، ثم لا حاجة بنا إليه؛ لاشتهار تلك الأدلة بين الفئة المنصورة من أهل السنة، وإنما نحمل الحبوط في هذا الحديث على نقصان عمل يومه ذلك بترك العصر التي هي الصلاة الوسطى، وخاتمة فرائض النهار؛ فإنه لو أقام تلك الفريضة، رفع عمل نهاره ذلك مكملا؛ فأثيب عليه ثوابا موفرا، فلما ترك صلاة العصر، نقص ثواب عمله عما كان عمل النهار لو أتمه، ونظائر هذا القول في طرق المجاز كثيرة.
ويحتمل- والله أعلم- وجها آخر، وذلك أن نقول: أهل الإيمان يتفاوتون في درجات الثواب؛ فمنهم من إذا عمل حسنة، جوزى عليها عشرا [٦٥/ب]؛ وذلك أدناهم، ومنهم من يرتفع عن هذه المرتبة إلى الضعف، وإلى الأضعاف، وإلى أضعاف كثيرة لا يعلم عددها إلا الله؛ فالذي ترك صلاة العصر إذا عمل حسنة بعد ذلك، لا يثاب عليها إثابة من يقوم بها إذ عمل مثل تلك الحسنة، بل يتأخر عنه في مراتب الثواب حيث لا يلحق شأوه؛ فلذلك هو المراد عن حبوط العمل في هذا الحديث، والله أعلم.
[٣٩٣] ومنه: قول عائشة ﵂، (متلفعات بمروطهن).
يقال: تلفعت المرأة بمرطها: إذا تلحفت به.
وفيه: (من شدة الغلس).
الغلس: ظلمة آخر اليل؛ قال الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا
ثم إنه يستعمل على الاتساع فيما بقى منه بعد الصباح.
[ ١ / ١٨٣ ]
[٣٩٤] ومنه: حديث أنس﵁- (أن نبي الله - ﷺ - وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي الله - ﷺ - إلى الصلاة فصلى )
قلت: هذا تقدير لا يوغ لعموم المسلمين الأخذ به في أمر الصوم والصلاة، وإنما أخذ به رسول الله - ﷺ -، لإطلاع الله إياه، وقد كان - ﷺ - معصوما عن الخطأ في أمر الدين، فأما غيره: فليس له ذلك؛ لما في معرفة آخر الليل وأول النهار- بحيث تقع الفاصلة بينهما بزمان يقرأ الرجل فيه بخمسين آية- من الغموض؛ اللهم إلا أن يستبين ذلك لمن كان راسخا في علم النجوم، ومعرفة المواقيت، وذلك من النادر الذي لا عبرة به.
وفيه: (فلما فرغا من سحورهما): المحفوظ عند رواة الحديث بفتح السين، ولو ضم منه لجاز في اللغة؛ وقد ذكرنا اختلاف أهل العربية في الفرق بين المصدر والاسم في أول (كتاب الطهارة) في لفظ (الطهور)، ولا خلاف أن (السحور) بفتح السين: هو الاسم لما يتسحر به، وبالضم: هو المصدر، وفي هذا الحديث، كلا الصيغتين جائز من حيث المعنى، ولكن الرواية على ما ذكرناه.
[٣٩٥] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي ذر﵁-: (فإن أدركتها معهم، فصله):
هذه الهاء لا تزال ساكنة؛ لأنها للوقف، لا للكناية، ولا أحققها في هذا الحديث، إلا أنى وجدتها في نسخ (المصابيح) كذلك، ولم أجدها في كتابي (البخاري) و(مسلم)، واتباع الكتابين هو الصواب.
[ ١ / ١٨٤ ]
[٣٩٩] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي قتادة﵁- (فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾.
هذه الآية- وإن كانت محتملة لوجوه كثيرة من التأويل [٦٦/أ]؛ فإن العدول عن سائرها إلى الوجه الذي يطابق معنى الحديث لازم؛ لأنه حديث صحيح، وقد روى- أيضا- في (الصحيحين)، عن أنس وأبي هريرة ﵄، وفيه: (فليصلها إذا ذكرها)؛ فإن الله يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾.
وعلى ذوي الأقاويل- في التفسير والتأويل- أن ينتهوا إلى المعنى الذي أشار إليه صاحب التنزيل - ﷺ -، فنقول، وبالله التوفيق:
معنى قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ أي: لذكر الصلاة؛ لأنه إذا ذكر الصلاة، فقد ذكر الله، أو يكون المضاف قد حذف منه، والتقدير: لذكر صلاتي، وأضاف الذكر إلى نفسه إضافة تعظيم وخصوصية وإن كان الذكر والنسيان- في الحقيقة- من الله تعالى.
ومما يؤيد هذه الوجوه: قراءة من قرأ: ﴿أقم الصلاة للذكرى﴾، وقد ذكر مسلم في (كتابه): أن ابن شهاب كان يقرؤها: ﴿للذكرى﴾.
قلت: وهو الراوي لهذا الحديث في (كتاب مسلم)، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. وقد ذكر أبو عبد الرحمن النسائي في كتابه: أن ابن شهاب الزهري روى عن سعيد بن المسيب: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾، فقيل له: أكان سعيد بن المسيب يقرؤها كذلك؟ قال: نعم.
وهذه الوجوه كلها راجعة إلى معنى واحد، وهو أن المراد منه: أقم الصلاة لذكرها؛ ليطابق قوله - ﷺ -: (فليصلها إذا ذكرها) أي: إذا ذكر الصلاة، واللام في قوله: ﴿لذكرى﴾ أي: لأوقات ذكرى، ومثله قوله - ﷺ - في حديث أبي ذر﵁: (صل الصلاة لوقتها)؛ وذلك مثل قول القائل: جئتك لعشر مضين من شعبان.
(ومن الحسان)
[٤٠٠] قوله - ﷺ - في حديث علي﵁: (الصلاة إذا أتت ).
[ ١ / ١٨٥ ]
وجدت في أكثر النسخ المقروءة على المشهورين من أهل العلم: (الصلاة إذا أتت) بتاءين من الإتيان، وقد رواه كثير من المحدثين كذلك، وهو تصحيف، وإنما المحفوظ من ذوي الإتقان في الرواية: (إذا آنت) على وزن (حانت)، وفي معناه تقول: أنى يأنى إنى، أي: حان.
وفيه: (والأيم إذا وجدت لها كفؤا): يقال: امرأة أيم: إذا لم يكن لها زوج، بكرا كانت أو ثيبا، وقد آمت المرأة من زوجها تئيم أيمة وأيما وأيوما، ورجل أيم أيضا، سواء كان تزوج من قبل أو لم يتزوج.
[٤٠٦] ومنه: حديث معاذ بن جبل﵁- عن النبي - ﷺ -: (أعتموا بهذه الصلاة الحديث).
أعتم الرجل؛ من العتمة؛ كما يقال [٦٦/ب]: أصبح؛ من الصبح، قال الخليل: العتمة من الليل بعد غيبوبة الشفق، أي: صلوها وأنتم داخلون في العتمة.
والمعنى الذي يقتضيه لفظ الحديث: أدخلوها في العتمة، ويحتمل أن يكون الإعتام- في هذا الحديث- على معنى التأخير من العتم الذي هو الإبطاء؛ يقال: جاءنا ضيف عاتم، وقرى عاتم، أي: بطئ ممس، وأعتم الرجل قرى الضيف: إذا أبطأ به.
وفيه: (ولم تصلها امة قبلكم).
إن قيل: (إذا صح حديثان من باب الأخبار، فلا سبيل إلى رد أحدهما بالآخر، لعدم قابلية النسخ؛
[ ١ / ١٨٦ ]
فكيف التوفيق بين قوله: (لم تصلها امة قبلكم)، وبين قول جبرئيل﵇-: (يا محمد، هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك)؟).
قلت: الوجه فيه: أن قوله يحتمل أن الأنبياء كانوا يصلونها، ثم إنها لم تفرض على أمة من الأمم، إلا على هذه الأمة؛ فلا اختلاف بينهما إذن.
ويحتمل أنه أراد: لم تصلها أمة قبلكم على النمط الذي تصلونها؛ من التأخير، وانتظار وقت الفضيلة، والاجتماع لها في وقت ارتكام الظلام؛ وغلبة المنان على الأنام؛ والله أعلم.
[٤٠٧] ومنه: حديث رافع بن خديج﵁، عن النبي - ﷺ -: (أسفروا بالفجر). أي: صلوا صلاة الفجر مسفرين. ويقال: طولوها إلى الإسفار؛ وهذا التأويل اختيار أبي جعفر الطحاوي وهو أقوى التأولين؛ لأنه يوفق بين الأحاديث التي وردت في التغليس والإسفار.
ومن الفصل الذي يليه
(من الصحاح)
[٤٠٩] حديث أبي موسى﵁، عن النبي - ﷺ - (من صلى البردين، دخل الجنة).
البردان: العصران، وذلك الأبردان، وهما الغداة والعشى، وأراد به المحافظة على صلاتي الصبح والعصر؛ لما في حديث فضالة بن عبيد﵁: (حافظ على العصرين) قال وما كانت لغتنا، فقلت: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها.
ومن المفهوم الواضح أن النبي - ﷺ - لم يخصص هاتين الصلاتنين بالمحافظة؛ تسهيلا للأمر في إضاعة
[ ١ / ١٨٧ ]
غيرهما من الصلوات، أو ترخيصا لتأخيرها عن أوقاتها، وإنما أمر بأدائهما في الوقت المختار، والمحافظة عليهما في جماعة؛ لما فيهما من الفضل والزيادة في الأجر؛ فإن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار؛ قال الله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾، وصلاة العصر: هي الصلاة الوسطى؛ نص عليها الرسول - ﷺ - في الحديث الصحيح، ويجتمع فيها- أيضا- ملائكة الليل وملائكة النهار.
ثم إن إحداهما تقام في وقت تثاقل النفوس؛ لتراكم الغفلة، واستيلاء النوم، والأخرى تقام عند قيام الأسواق في البلدان، واشتغال الناس بالمعاملات؛ فنبه المكلفين على هذه المعاني بزيادة تأكيد؛ وقال - ﷺ -: (من صلى البردين، دخل الجنة).
وهذا الذي ذكرناه من طريق المفهوم في تفسير هذا الحديث- معظمه مذكور في حديث فضالة؛ فإنه لما قال له: النبي - ﷺ -: (حافظ على الصلوات)، قال: إن هذه ساعات لي فيها أشغال؛ فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته، جزي عني؟ فقال: (حافظ على العصرين)، وقد علم - ﷺ - أنه إذا حافظ عليهما- مع ما في وقتهما من الشواغل [٦٧/أ] والقواطع- لم يكن ليضيع غيرهما من الصلوات، والأمر في إقامة ذلك أيسر.
[٤١١] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء).
أي: لا تتعرضوا لمن صلى الصبح، ولا تعاملوه بمكروه؛ فإنه في ذمة الله، فمتى فعلتم ذلك، تعرضتم لمطالبة الله إياكم بنقض عهده، وإخفار ذمته.
ويحتمل وجها آخر، وهو: أن يراد بـ (الذمة): نفس الصلاة من حيث إنا الموجبة للذمة، أي: لا تضيعوا صلاة الصبح، ولا تتهاونوا بشيء منها؛ فيطلبنكم الله به.
وفي سائر النسخ: وجدنا بعد هذا الحديث: (رواه جندب القشيري)؛ وهو غلط؛ والراوي هو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العقلي، وعلقة: بطن من بجيلة؛ كذاك نسبه أصحاب الحديث في كتب المعارف.
قلت: في بجيلة بطن يسمى قسرا، وهم رهط خالد بن عبد الله القسري: فيحتمل أنه نسب إليها؛ فيصحف بـ (القشيري) غير أني لم أجد في شيء من كتب أصحاب الحديث؛ أنه ينسب إلى قسر.
[٤١٢] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة ﵁: (إلا أن يستهموا ).
[ ١ / ١٨٨ ]
أي: يقترعوا؛ يقال: ساهمته، أي: قارعته، فسهمته أسهمه- بالفتح- وأسهم بينهم، أي: أقرع، وتساهموا، أي: تقارعوا.
وفيه: (ولو تعلمون ما في التهجير).
التهجير: السير في الهاجرة إلى صلاة الظهر للجماعة، وإلى صلاة الجمعة، وقد فسره الأكثرون بـ (التبكير): فمنهم من قال: إلى الجمعة، ومنهم من قال: إلى كل صلاة.
ومما يدل على أن المراد منه: التبكير إلى الجمعة: قوله - ﷺ -: (ومثل المهجر كالذي يهدى بدنة).
ثم إن التهجير على معنى: السير في المهاجرة- غير مستقيم في هذا الحديث؛ لأن الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، وهذا الوقت إنما يكون بعد الزوال، وليس بوقت فضيلة في التبكير إلى الجمعة.
وفيه: (ولو حبوا). يقال: حبا الصبي على استه: إذا زحف
[٤١٥] ومنه: حديث عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ -: (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء الحديث).
كانت الأعراب يحلبون الإبل بعد غيبوبة الشفق حين يمد الظلام رواقه، ويسمى ذلك الوقت: العتمة،
[ ١ / ١٨٩ ]
وكان ذلك مستفيضا في اللغة العربية، فلما جاء الإسلام، وتمهدت قواعده، وأكثر المسلمون أن يقولوا: (صلاة العتمة) بدل (صلاة العشاء)؛ قال - ﷺ -: (لا يغلبنكم الأعراب الحديث) أي: لا تطلقوا [٦٧/ب] هذه التسمية على ميقات صلاتكم؛ فتجرى به ألسنتكم؛ فيغلب مصطلحهم في ميقات حلاب الإبل على الاسم الذي جئتم به من الله.
وقوله: (فإنها في كتاب الله تعالى) أي: في القرآن؛ وذلك قوله سبحانه في سورة النور: ﴿ومن بعد صلاة العشاء﴾.
وإن قدرنا أن هذا القول ربما كان قبل نزول الآية، فمعنى قوله: (في كتاب الله) أي: في حكمه الذي أوحاه إلى.
فإن قيل: (ما وجه التوفيق بين هذا الحديث والحديث الذي يرويه أبو هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولا حبوا)، والحديثان صحيحان، وليس لأحد أن يرد أحدهما بالآخر)؟
قلنا: قد ذكر بعض العلماء- من أصحاب المعاني- في ذلك قولا، يرجع حاصله إلى أن أبا هريرة سمع هذا الحديث قبل نزول الآية التي في سورة النور، وهي قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ الآية، وكان الأصل الذي تعرفه في اسم هذه الصلاة: العتمة؛ حتى نزلت الآية، فلما نزلت، قال - ﷺ - قوله الذي رواه ابن عمر.
وهذا وجه مرضي، لولا أن القضية تحكم بخلاف ذلك، وهي أن العتمة لم توجد في شيء من الحديث، إلا فيما رواه أبو هريرة، وفي غير ما رواه سميت: صلاة العشاء، لاسيما في أحاديث بيان المواقيت، وهي الحجة على هذا القائل بما ذكرناه؛ لتقدمها؛ وذل لأن النبي - ﷺ - لم يكن ليأمرهم بالصلاة من غير أن يبين لهم ميقاتها، ثم إن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وهي السنة السابعة من الهجرة، والآية نزلت عام المريسيع بعد حديث الإفك، وهي في السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة على اختلاف فيه من أصحاب السير.
فالوجه فيه: ألا نعلل الحديث بنزول الآية من غير تحقيق، سيما وقد ظهر لنا خلاف ذلك.
نقول: يحتمل أنه - ﷺ - لما وجد لفظ (العتمة) قد تداولته ألسنة الناس حتى كثر استعمالهم لها في (صلاة العشاء) - كره أن يغلب الوضع الجاهل على الوضع الشرعي؛ فنهاهم عن ذلك؛ وكان قبل ذل لا يرى به بأسا؛ فرواه أبو هريرة؛ على ما سمعه قبل النهي.
[ ١ / ١٩٠ ]
ويحتمل: أنه نهى عن المفاوضة بهذا الاسم في أغلب الأحوال حتى يغلبوا على اسم صلاتهم؛ ولهذا قال: (لا يغلبنكم الأعراب الحديث)، وكانوا في سعة مما يقع عنهم في الندرة.
ويحتمل: أن أبا هريرة سمعه بلفظ (العشاء)، ولم يبلغه النهي الذي رواه ابن عمر؛ فلم يراع اللفظ، وروى [٦٨/أ] الحديث بالمعنى، وما أكثر ما يوجد من هذا النمط في أحاديث الرسول - ﷺ -.