(من الصحاح)
[١٠٨٧] حديث أبي هريرة﵁- قال رسول الله - ﷺ -: (لا يتمنى أحدكم الموت الحديث):
الياء في قوله: (لا يتمنى) مثبتة في رسم الخط في كتب الحديث، فلعله نهى ورد على صيغة الخبر، والمراد منه: لا تتمن؛ فأجرى مجرى الصحيح.
ويحتمل: أن بعض الرواة أثبتها في الخط، فروى على ذلك.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
والنهي عن تمني الموت- وإن أطلق في هذا الحديث- فإنه في معنى المقيد، يبين ذلك قوله - ﷺ - في حديث أنس ﵁: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه)، وقوله - ﷺ -: (وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)؛ فعلى هذا: يكره تمني الموت من ضر أصابه في نفسه أو ماله لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله في أمر يره في دنياه، وينفعه في آخرته، ولا يكره الخوف في دينه من فساد.
وفيه: (إما محسنًا):
وردت الرواية فيه- أيضًا- بالرفع، وبالنصب هي الرواية المعتد بها تقديره: إما أن يكون محسنًا، أو: إما في تمنيه محسنًا، ويفتح الألف على هذا التقدير، ولفظ الحديث محتمل للكلمتين، أعنى: إمًا وأما، والذي اعتمد عليه: (إما) بكسر الألف الذي هو في معنى المجازاة.
وفيه: (فلعله أن يستعتب):
أي: يطلب أن يعتب، تقول: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني، وحقيقة الإعتاب: إزالة العتب والمراد منه هنا أن يتوب فيطلب رضاء الله سبحانه بتوبته.
[١٠٩٠] ومنه: حديث عبادة بن الصامت، ﵁، عن النبي - ﷺ -: (من أحب لقاء الله الحديث).
قال أبو عبيدة: ليس وجه قوله: (ومن كره لقاء الله): أن يكره شدة الموت؛ فإن هذا أمر لا يكاد يخلو منه أحد، وبلغنا عن غير واحد من الأنبياء، أنه كرهه حين نزل به، ولكن المكروه من ذلك ما كان إيثارًا للدنيا على الآخرة، وركونًا إلى الحظوظ العاجلة، وقد عاب الله قومًا حرصوا على ذلك، فقال عز من قائل: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة).
قلت: وقد استبان معنى الحديث من سؤال عائشة، ﵂، وجواب النبي - ﷺ -؛ فالحب- ههنا- هو الذي يقتضيه الإيمان بالله، والثقة بوعده، دون ما يقتضيه حكم الجبلة.
[١٠٩٣] ومنه: حديث جابر، ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله):
[ ٢ / ٣٨١ ]
قلت ١٣٠] /أ [: وفي (كتاب أبي داود)، عن جابر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول قبل موته بثلاث الحديث): وقع لنهى في ظاهر الكلام على الموت، فإنها نهاهم عن الحالة التي] [دونها الرجاء لسوء عملهم، وقبح صنيعهم؛ كيلا يصادفهم الموت عليها، وهو- في الحقيقة- حث على الأعمال الصالحة المفية إلى حسن الظن، وفيه تنبيه على تأميل العفو، وتحقيق الرجاء في روح الله.
(ومن الحسان)
[١٠٩٦] حديث عبدالله بن مسعود، ﵁؛ أن النبي - ﷺ - قال ذات يوم لأصحابه: (استحيوا من الله حق الحياء الحديث): (ذات يوم): هو من ظروف الزمان التي لا تتمكن تقول: لقيته ذات يوم، وذات ليلة، وذات غداة، وذات العشاء، وذات مرة، وذات الزمين وذات العويم فلعلهم يريدون بالتأنيث حملها على الحالة، أو يعنون: لقيته لقية ذات يوم.
وفيه: (فليحفظ الرأس وما وعى):
الوعي: الحفظ، يريد: ما يعيه الرأس من السمع والبصر واللسان حتى لا يستعملها إلا فيما يحل.
وفيه: (والبطن وما حوى):
أي: ما جمع، يريد: لا يجمع فيه إلا الحلال، ولا يأكل إلا الطيب.
ويحتمل: أن يكون المراد مما حواه البطن: القلب يحفظ مما يعقب القسوة، ويورث الغفلة.
ويروى: (ولا تنسوا الجوف وما وعى، والرأس وما احتوى).
قيل: أراد بالجوف: البطن والفرج؛ وفى الحديث: (أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان).
[١٠٩٨] ومنه: حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁، عن النبي - ﷺ - (المؤمن يموت بعرق الجبين).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
أراد بـ (عرق الجبين): ما يكابده من شدة السياق التي يعوق دونها الجبين؛ وفي حديث ابن مسعود ﵁: (موت المؤمن بعرق الجبين؛ تبقى عليه البقية من الذنوب فيحارف بها عند الموت) أي يشدد عليه لتمحص عنه ذنوبه، من قولهم: (حورف كسب فلان): إذا شدد في معاشه؛ كأنه ميل برزقه عنه.
وقال الهروي: يحارف، أي: يقايس؛ فيكون كفارة لذنوبه، والمحارفة: المقايسة بالمحراف، وهو الميل الذي يسير به الجراحات والأول: أقيس.
ونقل عن ابن سيرين؛ أنه قال: علم بين من المؤمن عرق الجبين.
وقد ذهب بعض أهل الفهم: إلى أن المراد من عرق الجبين: كد المؤمن في طلب الحلال، وتضييقه على النفس بالصوم والصلاة حتى يلقي الله وهذا وإن كان وجهًا لا بأس به- فإن التأويل هو الأول.
ومنه ١٣٠] /ب [: حديث عبيد بن خالد السلمي البهزي ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: (موت الفجأة: أخذة الأسف):
فجئه الأمر، وفجاة: فجاءة- بالضم والمد: إذا أتاه بغتة، وكذلك فاجأه الأمر مفاجأة، وفجاء والأسف: الغضب؛ وعلى هذا: فالسين منه مفتوحة، وقد رواه الخطابي بكسر السين، فسره بالغضبان.
قلت: وفي كتاب الله: (غضبان أسفا) أي: شديد الغضب، ملتهفًا على ما أصابه.
وذهب الخطابي إلى ما ذهب؛ بناء على ما بلغه من الرواية.
ووجدنا الأعلام من أصحاب الغريب فسروه ب (الغضب)؛ وعلى هذا: فلا خفاء أن الرواية- عندهم- بفتح السين، ثم إن السبيل في صفات الله سبحانه: ألا يتجاوز بها عن النص الصحيح الموجب للعلم.
وإضافة الغضب إلى الله تعالى ورد بها السمع في كتاب الله، وسنة رسوله، ومعناه: الانتقام، وأما تسميته بالغضبان على الإطلاق من غير ضميمة: فإنه شيء لم يرد به النقل المتواتر، ثم إن الرواية المعتد بها بفتح السين؛ فالعدول عن الرواية الأخرى إلى هذه هو الصواب.
والمعنى: أن موت الفجاءة من آثار غضب الرب؛ لأنه أخذ بغته؛ فلم يتفرغ أن يستعد لمعاده على سنة من درج من عصاة الأولين؛ قال الله تعالى: (أخذناهم بغتة)، وقد ورد في الحديث؛ أن النبي - ﷺ - سئل عن موت الفجاءة؟ فقال: (راحة للمؤمن، وأخذة للمؤمن، وأخذة أسف للكافر)، فإن صح هذا، جعلنا الأمر فيه مخصوصًا بالكفار.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
والظاهر: أن موت الفجاءة مما لا يحمد ويستعاذ بالله] منه [.
[١١٠٣] ومنه حديث أم سلمة﵄ دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شق
[ ٢ / ٣٨٤ ]
بصره، شق بصر الميت بفتح الشين، ورفع الراء إذا نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، وضم الشين منه شيء غير مختار. قال ابن السكيت: ولا تقل: شق الميت بصره والمراد بالميت- ههنا- الذي حضره الموت؛ فكأنه صار في حكم الأموات، وعلى هذا المعنى يحمل حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)، وأما حديثه الآخر: (اقرءوا على موتاكم (يس» فإنه يحمل على ما ذكرناه، ويحمل أيضًا على أنه أمر بقراءتها عند من قضى نحبه في بيته أو دون مدفنه.
وفيه: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) يحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: أن الروح إذا قبض تبعه البصر في الذهاب؛ فلهذا أغمضته؛ لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند ذهاب الروح.
والوجه الآخر: أن روح الإنسان إذا قبضها الملائكة، نظر إليها الذي حضره الموت نظرًا شزرًا لا يرتد إليه طرفه، حتى تمحل بقية القوة الباصرة الباقية بعد مفارقة الروح الإنساني التي تقع بها الإدراك والتمييز دون الحيواني الذي به الحس والحركة، وغير مستنكر من قدرة الله سبحانه أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يبصر ما لم يكن يبصر، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة أظهر، وهو أيضًا حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره. قالوا: بلى. قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه).