(من الصحاح)
[١٥٧٨] حديث سمرة بن جندب -﵁- عن النبي - ﷺ -: (أفضل الكلام أربع الحديث)، فإن قيل: قوله: (أفضل الكلام) هل هو متناول لكلام الله أم لا؟ قلنا: يحتمل الوجهين،
[ ٢ / ٥٣٣ ]
أما تناوله لكلام الله، لأنه موجود في كتاب الله، أما الأولى والثانية والثالثة فالفظًا، وأما الرابعة فمعنى، إن لم يوجد اللفظ على هذه الصيغة وإذا كانت الكلمات الثلاث موجودة في كتاب الله على هذه الصيغة وكل كلمة منها مستقلة بنفسها غير مفتقرة في تمام المعنى إلى صاحبتها، صح أن يقال: إنها أفضل الكلام على الإطلاق، لأنها هي الجامعة لمعاني التنزيه والتوحيد، وأقسام الحمد والثناء، وكل كلمة منها معدودة من كلام الله، وفي معناه حديث أبي ذر -﵁- سئل رسول الله - ﷺ - عن أفضل الكلام، فقال: (ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده) وأما إفراد ذلك من جملته، لأنه في النظم مخالف لنظم الكتاب، وإن كانت بإفراد كلماتها
داخلة في جملة الوحي إذ العبرة في ذلك للنظم، فلما فارقت الكتاب في النظم لم يكن حكمها في الفضل والكرم كحكم الكتاب، ويدل على صحة هذا المعنى قوله - ﷺ -: (أربع هن من القرآن وليس بقرآن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، أي هي موجودة في القرآن، وليس بقرآن من جهة النظم، وقال - ﷺ -: (أفضل الذكر بعد كتاب الله سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).
[١٥٨٥] ومنه قوله - ﷺ - في حديث جويرية -﵂: (لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن) أي: لو قوبلت بما قلت لساوتهن من قولهم: هذا يزن درهمًا، أي يعادله ويساويه، قال الشاعر:
[ ٢ / ٥٣٤ ]
مثل العصافير أحلامًا ومقدرة لو يوزنون بزفّ الريش ما وزنوا (١٩٠/ب)
ويحتمل أن يكون بمعنى الرجحان أي ربت عليهن في الوزن كما تقول: (حاججته فحججته)، أي [ظفرت] عليه بالحجة ولو أعاد الضمير إلى [ما لا] يقتضيه اللفظ لقال: لوزنته، ولكنه ذهب إلى ما يقتضيه المعنى تنبيهًا على أنها كانت [كلمات] كثيرة. واليوم في قوله: (منذ اليوم) مجرور، وهو الاختيار، وقوله: (سبحان الله) نصب على المصدر، كأن القاتل يقول: سبحت الله تسبيحًا ثم يجعل في موضع التسبيح سبحان كما يجعل الكفران في موضع التكفير، فقول القائل: كفرت عن يميني كفرانًا.
(وعدد خلقه) أيضًا نصب على المصدر، وكذلك البواقي، والمعنى سبحته تسبيحًا يبلغ عدد خلقه، (وزنة عرشه)، أي: ما يوازنه في القدر والوزانة، يقال: هو زنة الجبل، أي حذاؤه في الثقل والرزانة.
وفيه: (ورضي نفسه) أي ما يقع منه سبحانه موقع الرضا أو ما يرضاه لنفسه وفيه: (ومداد كلماته) المداد مصدر (كالمدد) تقول: مددت الشيء أمده مدا ومدادًا، وقيل: يحتمل أن يكون جمع مد فإنه يجمع على مداد، وعلى هذا يكون المراد من المداد المكيال والمعيار، وقد ورد في الحديث، (عدد كلماته) أي أسبح الله عدد كلماته، وكلمات الله تعالى يقال: إنها علمه، ويقال: كلامه، ويرد أيضًا معناها إلى القرآن، وذكر العدد فيها على الوجوه مجاز ومعناه المبالغة في الكثرة، لأنها لا تنفد فتنحصر، ويحتمل أن يراد بها عدد الأذكار أو عدد الأجور عليها.
[١٥٨٦] ومنه: حديث أبي موسى -﵁- عن النبي - ﷺ -: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز
[ ٢ / ٥٣٥ ]
من كنوز الجنة)، الأصل في الحول: تغير الشيء وانفصاله عن غيره، ويفسر بالحيلة، وهي ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية، وقيل: الحيلة: هي الحول، قلبت واوه ياء لانكسار ما قبله، ومنه: رجل حول والمعنى: لا توصل إلى تدبير أمر وتغيير حال إلا بمشيئتك ومعونتك، وأما قولهم: بحول الله وقوته، فقد يفسر بالقوة، وليس بسديد، لأن القوة معطوف عليه، والوجه فيه أن يقال: بقدرته التي يحول بها بين المرء وقلبه، ونحو ذلك من المعاني.
والحول: الحركة، يقال: حال الشخص إذا تحرك. ومنه قوله - ﷺ - (بك أحول وبك أصول) على العدو والمعنى في حديث أبي موسى: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى (١٩١/أ).
وحول: منصوب بلا النفي، ويسميه بعضهم التبرئة ويكون الجار والمجرور خبرًا له، ويجوز فيها الرفع، وفيها غير ذلك والأقوم والأكثر نصب الكلمتين، وفيه (كنز من كنوز الجنة) أي يعد لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا، لأن من شأن الكانزين أن يستعدوا به ويستظهروا بوجدان ذلك عند الحاجة إليه.
(ومن الحسان)
[١٥٩٢] قوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد الخدري -﵁-: (لو أن السموات السبع وعامرهن
[ ٢ / ٥٣٦ ]
غيري)، يقال لزائر المكان: عامر وللمقيم به: عامر من قولهم: عمرت المكان وعمرت بالمكان إذا أقمت به، ومنه عمار البيت، وهم سكانها من الجن، واصل ذلك من العمارة التي هي نقيض الخراب، واستعمل في الزيادة لما فيها من عمارة الود، ومنها استق العمرة، واستعمل في الإقامة، لأن بها عمارة المكان، وقيل في قوله سبحانه:﴾ واستعمركم فيها ﴿جعلكم من عمارها أي: سكانها، وقيل: جعلها لكم مدة عمركم، وقيل: فوض إليكم عمارتها، ويقال: أعمر الله بك منزلك وعمر بك منزلك، أي جعله معمورًا بك فعامر السموات على الحقيقة هو الله سبحانه، لأنه هو الذي أقامها ثم جعلها عامرة بسكانها الذين ﴿لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (١٩) يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ فلم يكن الاستثناء للاشتراك في المعنى إذ هو سبحانه بائن عن خلقه بجميع صفاته، لا يحيط به شيء وهو بكل شيء محيط، بل كان الاستثناء لتناول اللفظ كلا المعنيين، وجواز استعماله في الصيغتين فالله تعالى عامرها لما خلق فيها من الملائكة الذين هم سكانها فعمرها بهم، ولما قيض من إبقائها وحراستها عن التفاوت والتهافت على ما قال عز من قائل: ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ والملائكة عمارها للمعنى الذي ذكرناه.
[١٥٩٦] ومنه: حديث ابن عمر -﵁- عن النبي - ﷺ -: (التسبيح نصف الميزان والحمد لله يملؤه )، التسبيح أخذ من السبح، وهو المر فاستعمل التسبيح في المر السريع في عبادة الله وجعل ذلك في الخير قولًا كان أو فعلًا أو نية وأريد به في هذا الحديث ذكر الله تعالى على نعت التنزيه، ولما كانت الطاعات مقصورة على هذه الأقسام الثلاثة (١٩١/ب).
(أعني) القول والفعل والنية وكانت النية مقترنة بالإثنين أعني القول والفعل لا يصح أحدهما مع خلوه عن النية التي هي قصد القلب -رجع الأمر فيها إلى قسمين قول وفعل.
ولما كان التسبيح من أفضل ما يقال وأتمه أقيم سائره في الثواب وذلك النصف من كفة الحسنات؛
[ ٢ / ٥٣٧ ]
لأن الوزن لها يتعدى عن هذين القسمين مع اقترانهما بالنية، فقوله: (نصف الميزان)، أي نصف ما يوزن فبملأ منه كفة الحسنات.
وأما قوله: (الحمد لله يملأ الميزان)، فترى فيه وجهين: أحدهما: أن الحمد يقوم مقام النصف الآخر فيملأ الميزان، وإليه يشير قوله - ﷺ -: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده).
والآخر: أن الحمد يبلغ في الثواب مبلغ الكمال فيملأ كفة الحسنات، لأنه يحتوي على أمرين عظيمتين (هما الأصلان) في أحكام العبودية التسبيح لله والتسليم لأمره ولهذا المعنى وجد الحمد من أعلى المقامات، وإلى هذا المعنى أشار النبي - ﷺ - بقوله: (بيدي لواء الحمد يوم القيامة) وهذا الذي ذكرناه معنى من طريق الاحتمال، والحديث محتمل لغيره، والله أعلم ورسوله بحقيقة ذلك.
[١٥٩٨] ومنه: حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي، فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة وعذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر).
القاع: المستوى من الأرض، والقيعة مثله، وجمعه أقوع وأقوع، وقيعان صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها.
والغراس: جمع غرس، وهو ما يغرس، والغراس أيضًا وقت الغرس مثل الحصاد، والجِداد والقطاف، والغرس إنما يصلح في التربة الطيبة وينمو في الماء العذب وأحسن ما يتأتى في القيعان. أعلمهم أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة وتفيده مخاوفها، وأن الساعي في إكسابها هو الذي لا يضيع سعيه لأنها المغْرِس الذي لا يتلف ما اسُتودع ولا يخلف ما نُبت فيه
[١٥٩٩] ومنه: حديث يسيرة ﵁ قالت: قال لنا رسول الله - ﷺ -: (عليكن بالتسبيح والتهليل الحديث) هيلل الرجل وهلل، إذا قال: لا إله إلا الله، وقد أخذنا في التهليل والهيللة (١٩٢/أ) ومثله حيعل إذا قال حي على الفلاح، والعرب إذا كثر استعمالهم الكلمتين، ضمنوا بعض حروف احديهما إلى بعض حروف الأخرى، ومنه البرقيلة، وهو: قصد كلام لا فعل معه، يقولون: أخذنا في البرقلة، وهو مأخوذ من البرق الذي لا يتبعه مطر، ومنه الحوقلة والحولقة والبسلمة:
[ ٢ / ٥٣٨ ]
قال الشاعر:
لقد بسملت هند غداة لقيتها فيا بأبي ذاك الحبيب المبسمل
وفيه: (واعقدن بالأنامل) يقال: عقدت عليه الأنملة إذا عدّه، ومنه قولهم: فلان أول من يعقد عليه الخناصر، أي يبدأ به في حصر ذوي الألباب والأحساب، أحب - ﷺ - أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن ليحط عناه بذلك ما اجترحته من الأوزار.
وفيه: (فإنهن مسئولات ) أي: يسألن يوم القيامة عما اكتسبن ويستنطقن فيشهدن على أنفسهن بما اكتسبنها من الأوزار، قال الله تعالى:﴾ وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ﴿.
وفيه (فتنسين الرحمة) النسيان ترك الإنسان ضبط ما استودع، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو قصد، أي إنكن استحفظتن ذكر الرحمة، وأمرتن بمسألتها، فإذا غفلتن ضيعتن ما استودعتن عن ذلك، ويسرة هذه هي بنت ياسر أم خميصة، وهي جدة هانئ بن عثمان.