(من الصحاح)
[١١٥٤] حديث ابن عباس ﵁: (جعل في قبر رسول الله - ﷺ - قطيفة حمراء):
القطيفة: دثار مخمل، والجمع: قطائف، وقطف-أيضًا- مثل صحيفة وصحف؛ كأنهما جمع قطيف وصحيف.
ذكر بعض أهل العلم: أن القطيفة لم تجعل في قبره لتكون له فراشًا؛ بل لما روى عن ابن عباس﵁- قال: كان شقران حين وضع رسول الله - ﷺ - في لحده، جعل القطيفة تحته، وكان رسول الله - ﷺ - يلبسها ويفرشها، فدفنها معه في القبر، وقال والله: لا يلبسها أحد بعدك، وقد ورد في الحديث: (فطرح في قبره شمل قطيفة كان يلبسها، فلما فرغوا من وضع اللبن)، أخرجوها.
قلت: وأكثر ما وجدنا في الحديث له: أن القطيفة فرشت له في لحده، ولم نجد في (سنن الدفن): أن
[ ٢ / ٣٩٥ ]
يفرش للميت، ولم يذكر عن الخلفاء الراشدين، ولا عن أحد من الصحابة، ونرى ذلك- والله أعلم- مما يستقيم في حق
نبي الله - ﷺ -، ولا يستقيم في حق غيره، وذلك أنه فارق الأمة في حكم الممات؛ كما فارقهم ١٣٤] /أ [في بعض من أحكام موته، وهو أنه: ثبت- عندنا- بالنص الصحيح: أن الله تعالي حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وقال - ﷺ -: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)، وقال: (ونبي الله حي يرزق).
قلنا: وحق لجسد عصمه الله أن يتغير أو يستحيل أو يبلى أن يفرش له؛ لأن المعنى الذي يفرش للحر لم يزل عنه بحكم الموت، وليس الأمر في غيره على هذا النمط.
[١١٥٥] ومنه: حديث سفيان التمار (أنه رأى قبر النبي - ﷺ - مسنمًا).
سفيان هذا هو ابن دينار أبو الورقاء التمار الكوفي الأحمري من الأحامرة، وهم قوم تبنكوا بالكوفة، وسفيان التمار من أتباع التابعين، سمع عن الشعبي، ونظرائه.
وتسنيم القبر أن يجعل كهيئة السنام، وهو خلاف تسطيحه.
[١١٥٦] ومنه: حديث على ﵁؛ أنه قال لأبي الهياج الأسدى، وأبو الهياج الأسدي هو حيان بن الحصين.
وفيه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه، المعنى ألا أرسلك إلى الأمر الذي أرسلني له رسول الله - ﷺ -، وإنما ذكره بحرف (على) لما فيه من معنى الاستعلاء، أي أجعلك أميرًا على ذلك؛ كما أمرني عليه رسول الله - ﷺ -.
وقوله: (أن لا تدع تمثالًا) أي: الأمر الذي أبعثك عليه أن لا تدع؛ لما في قوله: (ألا أبعثك على ما بعثني) من معنى التأمير، والتمثال: الصورة، وطمسه: محوه وإبطاله؛ يقال: طمس الشيء. وطمسته، يتعدى ولا يتعدى، والقبر المشرف هو العالي المنتصب، أراد به: القبر الذي بني عليه حتى ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل أو الحصى أو الحجارة ليعرف، ولئلا يوطأ عليه.
[١١٥٧] ومنه: حديث جابر ﵁: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه): قلت: قوله: (وأن يبنى عليه): يحتمل وجهين:
[ ٢ / ٣٩٦ ]
أحدهما: البناء على القبر بالحجارة وما يجرى مجراها.
والآخر: أن يضرب عليه خباء أو نحوه.
وكلا الوجهين منهي عنه:
أما الأول: فقد ذكرناه.
وأما الثاني: فلأنه في معنى الأول، لانعدام الفائدة فيه، ولأنه من صنيع أهل الجاهلية، وقد روى عن ابن عمر ﵁؛ أنه رأي فسطاطًا على قبر عبدالرحمن- وهو عبدالرحمن بن عمر أخوه- فقال: انزعه يا غلام؛ فإنما يظله عمله.
وقوله: (وأن يقعد عليه): حمله الأكثرون على ما يقتضيه الظاهر، وكذلك حديث أبي مرثد الغنوي الذي يتلو هذا الحديث عن النبي - ﷺ -: (لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)، وحديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: (أن يجلس أحدكم على جمرة الحديث).
وإنما ورد التهديد في ذلك؛ لما فيه من الاستخفاف بحق أخيه وحرمته، وفي هذا المعنى قوله - ﷺ -: (كسر عظام الميت ككسره حيا).
وحمله جماعة على الجلوس على القبر لقضاء الحاجة؛ وروى هذا المعنى عن زيد بن ثابت﵁- وهو قوله: (إنما نهى النبي - ﷺ - عن الجلوس على القبر حدث أو غائط أو بول)، وروا- أيضاَ ١٣٤] /ب [- عن أبي هريرة ﵁؛ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة نار).
قيل لهم: النهي عن الجلوس عليه في حديث زيد وأبي هريرة- لا ينافي حديث جابر وأبي مرثد في النهي عن الجلوس عليه من غير حاجة.
فقالوا: رددنا المجمل إلى المفسر، مع أنا وجدنا النقل عن على﵁- أنه كان يتوسد القبر، وكان ابن عمر﵁- يجلس على القبور.
قيل لهم: أما التوسد: فغير الجلوس عليه، أما ما نقلتم عن ابن عمر ﵄: فلعل النقل لم يبلغه، أو تأول الحديث على ما تأولتم هذا إذا صح النقل عنه.
قلت: وفي بعض طرق حديث جابر: (وأن يوطأ عليه) مكان: (وأن يقعد عليه)، وفي (كتاب أبي داود): (وأن يتكأ عليه).
ولكل فئة من الفئتين طريق مستقيم فيما ذهب إليه.
وأرى الأشبه، والأمثل في بيان هذه الأحاديث أن يجمل ما فيه التغليظ على الجلوس للحدث؛ فإنه استخفاف بحق المسلم؛ وهو محرم عليه، وما لا تغليظ فيه: فإنه يحمل على الجلوس عليه؛ نهى عنه كرامة للمؤمن.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
(ومن الحسان)
[١١٦٠] حديث عروة- رحمة الله عليه-: (كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد الحديث):
[ ٢ / ٣٩٨ ]
الرجل الذي كان يلحد بالمدينة: أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري﵁-، والآخر: هو أبو عبيدة بن الجراح﵁-، واللحد: الشق في جانب القبر، وكانت العرب يلحدون ويضرحون؛ قال أبو ذؤيب الهذلي﵁- يبكي النبي - ﷺ -:
لما رأيت الناس في عسلانهم ما بين ملحود له ومضرح
والضريح: هو الشق في وسط القبر، وفي حديث جرير﵁- عن النبي - ﷺ -: (اللحد لنا، والشق لغيرنا) أي: اللحد هو الذي نؤثره ونختاره، والشق: اختيار من كان قبلنا، وفي ذلك بيان فضيلة اللحد، وليس فيه النهي عن الشق؛ والدليل عليه: حديث عروة هذا؛ إذ لو كان منهيا عنه، لم يكن أبو عبيدة ليصنعه مع جلالة قدره في الدين، والأمانة، ولم يكن الصحابة ﵃ يقولوا دون دفن النبي - ﷺ -: (أيهما جاء أولًا عمل عمله)، وفى حديث أنس ﵁: لما توفي رسول الله - ﷺ - كان رجل يلحد، ورجل يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ﷿، ونرسل إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا لرسول الله - ﷺ -).
قلنا: فلما اختاره الله لرسوله - ﷺ -، علمنا أن اللحد أفضل، ونرى أن النبي - ﷺ - لم ينه عن الشق مع إيثاره مخالفة أهل الكتاب، ومع قوله: (اللحد لنا، والشق لغيرنا)؛ لأن الناس في كثير من البلدان مضطرون إلى الشق إذا كانت الأرض رخوة أو دمثة ذات رمل، وإذا كانت صلبة: فالاختيار اللحد، لأنه أفضل ١٣٥] /أ].
[ ٢ / ٣٩٩ ]