(من الصحاح)
[١٠٠٦] قوله في حديث ابن عباس - ﵁ -: (فتناولت منها عنقودًا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا) الخطاب في قوله؟ (لأكلتم) إما لأهل الإيمان من أمته، وإما لبني آدم؛ لأن من حضره
[ ١ / ٣٥٢ ]
من الصحابة أو رآه أو أدرك زمانه لم يعمر إلى انقضاء المائة من وفاته، ووجه أكلهم من عنقود واحد ما بقيت الدنيا وهو شيء يسير بعرض الزوار لا سيما إذا تناوله الآكلون أحقابًا ممتدة إلى قيام الساعة إما
[ ١ / ٣٥٣ ]
الإحالة على القدرة الأزلية التي لا يستنكر منها شيء ولا يستغرب عنها أمر وكل عسير عليها يسير وإن قصرت العقول عن تصور ذلك وإدراكه فنقول: لا يستبعد [١٢٣/أ]، من قدرة الله أن لو أراد لبارك في ذلك القطف، فلم يؤخذ منها حبة إلا نشأ مكانها أخرى، وإما الذهاب إلى أنه أراد بذلك ما يتولد منه وينشأ يعني أن عجم الحبة منه إذا غاص في الأرض نبت منه الحبلة، فينبت في الأرض من ذلك الأصل غراس كثيرة يؤكل منها ما بقيت الدنيا.
ومنه حديث أبو موسى - ﵁ - في حديثه (فقام النبي؟ فزعًا يخشى أن تكون الساعة).
قلت: كان تغير رسول الله؟ عند ظهور الآيات شفقًا على أهل الأرض أن تأتيهم غاشية من عذاب الله، فأما مجيء الساعة وإن خفي على النبي؟ عنده إبان وقوعه فإنه كان يعلم أن الساعة غير آتية وهو بين أظهرهم وأنى يكون ذلك وقد وعده الله سبحانه بإتمام النعمة عليه وإكمال الدين له، ومجيء النصر والفتح إليه وظهور أمته على مدائن كسرى وممالك قيصر وقسمتهم كنوزهما في سبيل الله في أمور كثيرة وحوادث جمة لم يبلغ الكتاب فيها أجله، ولم يكن النبي؟ مترددًا في وقوع شيء من ذلك، فقول أبي موسى: (يخشى أن يكون الساعة) قول قاله برأيه، وشيء توهمه في نفسه لما رأى من دهش رسول الله؟ وفزعه، وإنما كان يخشى أن ينزل الله بأسه على من عصاه من أمته، فإن قيل: يحتمل أن النبي؟ لم يكن يومئذ على علم من الأمور التي ذكرتموها فخشي أن يكون الساعة ثم أوحي إليه بعد ذلك ما ذكرتم. قلنا: لا وجه لهذا الاحتمال فإن النبي؟ كان يقول لخباب ولمن معه من المعذبين - ﵃ - وهو بمكة: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه) ولما كان يوم الخندق أعلمهم أنهم سيظهرون على فارس والروم، وكل ذلك قبل فتح خيبر، وإنما قدم أبو موسى على النبي؟ مع جعفر من الحبشة بعد فتح خيبر، ثم إن النبي؟ صلى تلك الصلاة التي في حديث أبي موسى بعد موت ابنه ابراهيم ﵇ ذكر ذلك في بعض طرق حديثه هذا وإبراهيم ﵇ توفي في السنة العاشرة على قول أكثر أهل العلم بالسير فلا وجه للحديث إذا أن يحمل على غير ما ذكرناه.
(ومن الحسان)
[١٠١٣] حديث ابن عباس - ﵄ - قيل له: (مات فلانة بعض أزواج النبي؟) الحديث. بعض يجوز فيه الرفع والنصب، فالرفع على تقدير: وتلك بعض وما [١٢٣/ب] أشبه ذلك، والنصب على تقدير: يعنون بعض أزواج النبي؟ وهو أمثل وفيه (إذا رأيتم فاسجدوا) أي آية
[ ١ / ٣٥٤ ]
من آيات الله التي يخوف بها عباده، كالخسوف وما اشبهه فصلوا، وفي معناه الحديث (كان رسول الله؟ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) وقد ذكر السجود ويراد به الصلاة فسبيل العباد فيما ينوبهم من الآيات المتضمنات للتخويفات الجأ إلى ذكر الله والاعتصام بحبله والتقرب إليه بالصلاة، ويقرر هذا المعنى قوله؟ (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن آيتان من آيات الله يخوفكم بها فإذا كسفا فافزعوا إلى ذكر الله تعالى حتى ينجليا) فسن النبي؟ الصلاة في هاتين الآيتين تفخيمًا لشأنهما وتهويلًا من أمرهما، وأشار أيضًا إلى الحث على الصلاة واللجأ إلى الذكر في بقية الآيات بقوله (إذا رأيتم أية فاسجدوا).
وأما قول ابن عباس (وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي؟) فإنه جعل ذلك من جملة الآيات لما فيها من التخويف ولما رآها في التخويف أبلغ الآيات المعهودة قال (وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي؟) كأنه ذهب في ذلك إلى المفهوم من قوله: (وأنا آمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأهل الأرض) الحديث. فرأى بقاء الأمنة على أصحاب النبي؟ ببقاء أهله؛ لأن أهل الرجل يعد من جملته، أو رأى بقاء الأمنة على أهل الأرض ببقاء أزواجه لأنهن ضممن مع فضل الصحبة شرف الزجية فكن بهذا المعنى أولى من غيرهن، فكان وفاتهن سالبة للأمنة موجبة للتخويف فعدها من الآيات؛ لأنها في معنى التخويف من أعظم الآيات.
[١٠١٤] ومنه: حديث أبي بكرة - ﵁ - (أن النبي؟ كان إذا جاءه أمر يسر به خر ساجدًا شكرًا لله).
قلت: قد أورده ابو عيسى في كتابه عن أبي بكرة وفي روايته (أن النبي؟ أتاه أمر فسر به فخر ساجدًا) ذهب جمع من العلماء إلى ظاهر هذا الحديث فرأوا السجود مشروعًا في باب شكر النعمة، وخالفهم آخرون فقالوا: المراد من السجود الصلاة، وحجتهم في هذا التأويل ما ورد في الحديث أن النبي؟ لما أتى برأس أبي جهل خر ساجدًا، وقد روي عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - وفي روايته (صلى رسول الله؟ [١٢٤/أ] بالضحى ركعتين حين بشر بالفتح أو برأس أبي جهل).
ونضر الله وجه أبي حنيفة فقد بلغنا عنه أنه قال، وقد ألقى عليه هذه المسألة، (لو ألزم العبد السجود عند كل نعمة متجددة عظيمة الموقع عندها [] كان عليه أن لا يغفل عن السجود طرفة عين؛ لأنه لا
[ ١ / ٣٥٥ ]
يخلو منها أدنى ساعة فإن من أعظم نعمة عند العباد نعمة الحياة، وذلك بتجدد الأنفاس أو كلامًا هذا معناه.
وأما حديثه الذي يتلو هذا الحديث (أن النبي؟ رأى فخر ساجدًا شكرًا لله) فإنهم لا يرون الاحتجاج به؛ لأنه حديث مرسل على ما بلغهم، وقد رواه جمع من علماء الحديث عن أبي جعفر محمد ابن علي - ﵁ - وعن آبائه الكرام (أن النبي؟ مر برجل تغاش فخر ساجدًا ثم قال: أسأل الله العافية).
قلت: والنغاشي يقال بياء مشددة وبغير ياء، وقد ورد بها الرواية على ما ذكرناه، وقال أبو عبيد في تفسيره هو: الفضيع الشباب، ومعنى قوله: فضيع هو الذي بقي قمئًا لا يشب ولا يزداد، يقال فضع الله شبابه، وغلام مفضوع وقد فضع فضاعة فهو فضيع، وقال النضر بن شميل: رجل نعاشي أي قصير وقلطي وهو فوق النغاشي ولم يذكر أحد شيئًا في أصل هذا الحرف من الاشتقاق اللغوي، ولم نجد كلمة من هذا البناء إلا قولهم لكل شيء من الطير والهوام إذا خف وتحرك في مكانه: قد تنغش، ومنه حديث محمد بن مسلمة الأنصاري - ﵁ (لما كان يوم أحد وقال رسول الله: من يأتيني بخبر سعد بن الربيع قال فمررت به وسط القتلى صريعًا في الوادي فناديته فلم يجب) فقلت: إن رسول الله؟ أرسلني إليك قال: فتنغش كما يتنغش الطير) ومنه حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ (خرجنا مع رسول الله؟ من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبًا من عزوزا) الحديث. عزوزا: اسم موضع بين الحرمين سميت بذلك إما لصلابة أرضها، وإما لقلة مائها، والعزاز بالفتح الأرض الصلبة، وقد أعززنا فيها أي وقعنا وسرنا فيها، وأرض معزوزة أي شديدة، والعزوز من النوق الضيقة الإحليل التي تجهد حتى ينزل لبتها، والعزوز من الشاة البكية.
وفيه بعد ذكر السجدات الثلاث (إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي) إلى آخر الحديث، أي أعطانيهم فلا يجب عليهم الخلود فتنالهم شفاعتي فلا يكونون كالأمم السالفة فإن من عذب منهم وجب عليه الخلود وكثير منهم [١٢٤/ب] لعنوا بعصيانهم الأنبياء فلم تنلم الشفاعة، والعصاة من هذه الأمة من
[ ١ / ٣٥٦ ]
عوقب منهم نقي وهذب ومن مات منهم على الشهادتين يخرج من النار وإن عذب بها ويناله الشفاعة وإن اجترح الكبائر [كلها] وأعطاهم إياه بأن تجاوز عنهم ما وسوست به صدورهم ما لم يعملوا به أو يتكلموا إلى غير ذلك من الخصائص التي خص الله تعالى بها هذه الأمة كرامة لنبيه المكرم وجهه بالمقام المحمود؟.