(من الصحاح)
[٨١٦] قول ابن عباس في حديثه (فأطلق شناقها) الشناق خيط يشد به فم القربة، يقال: أشنقت القربة إذا شددتها به، والشناق: أن يؤخذ في الصدقة من الشنق، وهو ما يفصل بين الفريضتين، ومنه الحديث: (لا شناق ولا شغار) أي لا يؤخذ من الشنق شيء حتى يتم، وقيل: أي لا يشنق الرجل إبله أو غنمه إلى ماشية غيره ليبطل الصدقة، وهو مثل قوله: (لا خلاط).
[ ١ / ٣٠٥ ]
وفيه (فتتامت) أي توافرت حتى بلغت ثلاث عشرة ركعة من قولهم: تنام القوم إذا جاءوا كلهم.
وفيه (اللهم اجعل في قلبي نورًا) إلى آخر الدعاء، وجه تخصيص كل عضو أو جزء في المألة بالذكر، مع استدعاء نور يختص به سوى ما فيه من استكثار الخيرات الإلهية، وإظهار الضراعة في مواقف العبودية هو أنه إنسان ذا سهوً وطغيان، أحاطت به ظلمات الجبلة معتورة له من قرنه إلى قدمه، ورأى الأدخنة الثائرة من نيران الشهوات محتفة به، ورأى الشيطان يأتيه من الجهات بوساوسه، وشبهاته ظلمات بعضها فوق بعض فلم ير للتخلص منها مساغًا، إلا بأنوار سادة لتلك الجات، مقترنة بتك الأجزاء، فسأل الله سبحانه أن يمده بها ليحسم مادة تلك الظلمات ويستأصل شأفتها فلا يتخلف في مسالك الطاعة عن العبد ذرة، ولا ينخزل في مواقع الرضاء عنه شعرة. وكل هذه الأنوار راجعة في المعنى إلى هداية وبيان وضياء للحق.
وقال بعضهم: يحتمل أن يريد به الرزق الحلال حتى تقوى به هذه الأعضاء.
[٨١٧] ومنه حديث زيد بن خالد الجهني - ﵄ - (لأرمقن اللية الحديث) إنما كرر طويلتين ثلاثًا تأكيدًا لطول الركعتين الموصوفتين، ويحتمل أنه كرر اللفظ، ليدل كل واحد على ركعتين (١٠٨/ب) سوى الأوليين فتكون ست ركعات، وهذا القول أشبه بما يدل عليه نسق الكلام أولًا [] ثم بحرف العطف في الثانية والثالثة. وقوله "فذلك ثلاث عشرة ركعة" يدل على أنه أوتر بثلاث؛ لأنه صلى عشر ركعات في خمس دفعات ثم أوتر.
[٨١٨] ومنه حديث عائشة - ﵂: (لما بدن رسول الله؟ وثقل .. الحديث) بدن أي أسن (وثقل) عبارة عن الضعف وبطء الحركات وقد اختلفت الرواة في قولها: لما بدن: منهم من يرويه
[ ١ / ٣٠٦ ]
مخففاَ بضم الدال من قولهم: بدن يبدن بدانة، وبدن بفتح الدال يبدن بدنًا، والتبدن والبدن مثل عشر وعشر. السمن والاكتناز. ومنهم من يرويه بفتح الدال وتشديدها من التبدين، وهو من الكبر.
قال الشاعر:
وكنت خلت الشيب والتبدينا والهم مما يذهل القرينا
وهذه الرواية هي التى يرتضيها أهل العلم بالرواية؛ لأن النبي؟ لم يوصف بالسمن فيما وصف به وعلى هذا النمط حديثه الآخر (إني قد بدنت فلا تبادروني بالركوع والسجود): أي كبرت وأسننت. فإن قيل: فقد روي عن عائشة - ﵂ - قالت: (لما ثقل رسول الله؟ وأخذ اللحم) وروي عنها أنها قالت: كان يصلي بعض صلاته جالسًا وذلك بعدما حمل اللحم.
فالجواب: أن الأكثر من أهل المعرفة بالحديث يروونه على غير هذا السياق وقد روي عن عبد الله بن شفيق وهو اصوب الروايتين عن عائشة قال: قلت لعائشة: أكان النبي؟ يصلي جالسًا قالت: (نعم بعدما حطمته السن) وإذ قد علمنا أنه لم يكن موصوفًا بالسمن، ورأينا العلماء بالرواية اختاروا تشديد الدال، حكمنا بأن من خفف فقد صحف. والظاهر أن قول من يروي (أخذ اللحم) من تصحيف بدنت ثم روى الحديث بالمعنى فقال: أخذ اللحم، مع أن قول القائل أخذ اللحم غير دال على السمن والاكتناز الذي هو التبدين وإنما هو خلاف النحافة، والإنسان أكثر ما يكون في سن النماء والنشوء وهو نحيف؛ فإذا بلغ سن الكهولة أخذ اللحم فليس إذن في قولها: "أخذ اللحم" حجة على من نفى عنه البدانة.
[٨١٩] ومنه حديث ابن مسعود (﵁) (لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن
[ ١ / ٣٠٧ ]
بينهن الحديث) أراد بالنظائر السور المتماثلة في الطول والقصر ونظير [التي] مثله. وقول الراوي: فذكر عشرين سورة من المفصل قد فصل تلك السور في غير هذه الرواية، والحديث أورده أبو داود في كتابه "مستوفي" من علقمة والأسود قالا: أتى ابن مسعود رجل فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أهذا كهذ الشعر ونثرًا كنثر الدقل؟ لكن النبي؟ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة الرحمن والنجم في ركعة واقتربت والحاقة في ركعة والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونو في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة.
قال ابو داود: هذا تأليف ابن مسعود - ﵁ - قلت: وأراد بالمفصل السبع الآخر من كتاب الله تعالى وسمي مفصلًا، لقصر السور والآي فمن قائل: إنه سورة محمد؟ إلى آخر القرآن، ومن قائل: إنه من سورة الفتح، ومن قائل: أنه من [التقدم]، ومنهم من قال: أول المفصل قاف، وهذا القول أكثرها.
[٨٢١] ومنه قوله؟ في حديث عبد الله بن عمرو - ﵁: (كتب من المقنطرين) المقنطر: صاحب القناطير كأنه جمع المال وقنطرها ميني من القنطار. وبه ورد التنزيل قال الله تعالى ﴿والقناطير
[ ١ / ٣٠٨ ]
المقنطرة﴾ وعنى بالمقنطرين عمال الله في أرضه إما لأنهم بلغوا في حيازة المثوبات مبلغ القنطرين في حيازة الأموال؛ أو لأن نسبتهم في كثرة الأعمال لوجه الله إلى غيرهم نسبة المقنطرين في مثرة العرض إلى سائر الأغنياء.