من الصحاح
[١٣٨٦] حديث جابر -﵁كان رسول الله - ﷺ - فى سفر فرأى زحامًا
[ ٢ / ٤٧٠ ]
الحديث) قال الخطابي: هذا كلام خرج على سبب، فهو مقصور على من كان في مثل حاله، كأنه قال: ليس من البر أن يصوم المسافر، إذا كان يؤد به إلى مثل هذه الحال، بدليل صيام النبى - ﷺ - في سفره عام الفتح، وبدليل خبر حمزة الأسلمى وتخييره إياه بين الصوم الإفطار ولو لم يكن الصوم برًا لم يخيره فيه.
فإن قال قائل: إنما كان يصلح لكم هذا الاستدلال لو بين لكم تأخر حديث حمزة بن عمرو عن حديث جابر.
قلنا: قد عرفنا - من أحاديث عدة- صوم الصحابة في السفر بعد رسول الله - ﷺ - فمنها حديث أنس ان [] وبعده أربعين سنة، وقد صام حمزة الأسلمى مع رسول الله وبعده، ومن المستبعد أن يرد الصحابي الصوم في السفر، وهو يعلم ان النبى لم يره برا ثم لا ينهاه من يحضره من الصحابة، ولا يظهر له النكير. وممن روى من الصحابة الصوم في السفر ابو سعيد الخدري، وفي حديث عن النبي - ﷺ - ثم قال: إنكم تصبحون عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا) وكانت [١٦٣/أ] عزيمة من رسول الله - ﷺ - قال أبو سعيد: (ولقد رأيتنى أصوم في رمضان مع النبي - ﷺ - قبل ذلك وبعد ذلك).
(ومن الحسان) [١٣٨٩] حديث أنس بن مالك -﵁- مالك رجل من بني كعب إخوة بني قشير﵁- عن النبي - ﵇-: (إن الله تعالى وضع شطر الصلاة والصوم عن المسافر الحديث) (والصوم): منصوب، والعامل فيه وضع شتان بين الوضعين، فإن الموضوع عن الصلاة ساقط لا إلى قضاء، ولا كذلك الصوم، وإنما ورد البيان على تقرير الرخصة، فأتى بقضايا منسوقة في الذكر، مختلفة في الحكم؛ وذلك لاتكاله على بيان التنزيل من قوله ﴿فعدة من ايام أخر﴾ ثم على علم المخاطبين بذلك.
[١٣٩٠] ومنه: حديث سلمة بن المحبق عن النبى - ﷺ - (من كانت له حمولة تأوى إلى شبع-
[ ٢ / ٤٧١ ]
الحديث) الحمولة بفتح الحاء - الإبل التي يحمل عليها وكذلك كل ما يحمل عليها من حمار وغيره.
و(فعول) يدخله الهاء، إذا كان بمعنى (مفعول) وقوله: (تأوى) يرويه بعض من لا مؤنة له بصرف الكلام بالياء، نسقًا على (من) وليس ذلك يقويم، أو كان الأمر على ما تخيله لقرن واو النسق، وإنما هو بالتاء، لتأنيث الحمولة، وأوى لازم ومستعد، على لفظ واحد، وإن كان الأكثر في المتعدي بالمد، وقد ورد في الحديث (لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين) أى: يؤويه في حديث آخر: (لا يأوى الضالة إلا
ضال) اى: لا يؤويه. وكذلك في هذا الحديث: (تأوى إلى شبع) أى: تؤوى صاحبها. والمعنى: أن من كانت له حمولة، ولم يكن مشقوقًا عليه في الزاد، بل ترده الحمولة إلى حال شبع ورى ورفاهية وخفة من وعثاء السفر، فليصم رمضان حيث أدركه، وليس ذلك على معنى الوجوب بل على وجه الاستحباب والنظر له، جعل الصوم اولى به وأفضل له؛ لما يسره الله عليه من أسباب، حتى صار من الرفق الذي آتاه الله كالمقيم الذي يصبح في اهله وذويه.