من الصحاح
[١٣٩٦] حديث عائشة - ﵂ - كان رسول الله - ﷺ - يصوم حتى نقول: لا يفطر) نقول
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الرواية بالنون، وقد وجدت في بعض النسخ بالتاء، على الخطاب، كأنها قالت: حتى تقول أيها السامع لو أبصرته، كقولها لسعد بن هشام، لا تشاء تراه قائما من الليل [١٦٣/ب] إلا رأيته، والمعنى صحيح، ولم نجد الرواية تساعده، والرواية في قوله (حتى تقول) النصب بحتى، وهو أكثر كلام العرب، ومنهم من رفع المستقبل في مثل هذا الموضع إذا حسن أن يجعل فعل موضع يفعل، ومن هذا الباب قراءة نافع فى قوله - سبحانه: ﴿حتى يقول الرسول﴾ بالرفع، وكذلك مع تطاول الفعل الذي قبل (حتى) كقولك: سرت نهاري حتى أدخلها، فدخلتها فصارت (حتى) عاملة، فالرفع في قولها: (حتى يقول) حسن، وإتباع الرواية أولى.
[١٣٩٧] قوله في حديث عمران بن حصين: (اصمت من سرر شعبان؟). السرر والسرار، آخر الشهر، وسمي سرارًا؛ لاستررار القمر فيه [أى خفي ليلة السرار]، وقد أولوه على أن المخاطب به، إما أن كان قد أوجبه على نفسه بنذر، فأمره بالوفاء، وإما إن كان ذلك عادة له، فبين له بهذا القول أن صومه غير داخل في جملة القسم المنهى عنه بقوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين).
[١٣٩٩] ومنه: حديث ابن عباس -﵁-، أنته قال: (حين صام رسول الله - ﷺ - عاشوراء).
يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وكذلك العشراء، وكلاهما ممدودان، قيل: وليس فاعولاء بالمد
[ ٢ / ٤٧٣ ]
في كلامهم غيره، وقد يلحق به تاسوعاء، وذهب بعضهم إلى أنه من العشر الذي هو من إظماء الإبل، ولهذا زعموا أنه اليوم التاسع، والعشر ما بين الوردين وذلك ثمانية أيام؛ وإنما جعل التاسع؛ لأنها إذا وردت الماء ثم لم ترد ثمانية لم ترد ثمانية أيام فذلك العشر، [] اليوم الثامن، وفلان يجم ربعًا إذا جم اليوم الثالث، وعاشوراء من باب الصفة، التي لم يرد لها أفعل والتقدير: يوم مدته عاشوراء، أو صفته عاشوراء.
وفيه: (لأصومن التاسع)، جعل بعضهم العلة فيه ما ذكرناه من (الإظماء) وذهب بعضهم إلى أنه كره أن يصومه يومًا فردًا، كما كره صوم يوم الجمعة من غير أن يوصل بالخميس، وذهب آخرون إلى أنه أراد أن يضم إليه يومًا آخر ليكون هدية مخالفًا لهدى أهل الكتاب، وهذا أقرب الوجوه وأمثلها؛ لأنه وقع موقع الجواب؛ لقولهم: إنه يوم يعظمه اليهود.
[١٤٠٩] وحديث أبي هريرة: (لا يصوم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم بعده).
وكلا الحديثين صحيح، [وحديث ابن مسعود] حديث حسن، وقد رواه شعبة ولم يرفعه، ونرى الوجه في
[ ٢ / ٤٧٤ ]
قوله (كان يصوم من غزة كل شهر ثلاثة ايام)، أن نقول: إنه وجد الأمر على ذلك في غالب ما اطلع عليه من حال النبي فحدث بما كان يعرف من ذلك، واطلعت عائشة - ﵂- من ذلك على ما لم يطلع هو عليه، فحدثت بما علمت، ولا تناقض بين الأمرين.
وأما قوله: (وقلما كان يفطر يوم الجمعة).
فالوجه فيه أن نقول: لا يلزم من قوله هذا أنه كان يختص يوم الجمعة بالصوم حتى يخالف حديث أبي هريرة وحديث غيره في النهى؛ بل كان يصوم منضمًا إلى ما قبله أو إلى ما بعده ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن نقول: يجوز أن يراد بالإفطار بعد الإمساك في بعض النهار؛ فإن الصوم قد يطلق ويراد به الإمساك في بعض النهار، ويؤيد هذا التأويل قول سهل بن سعد الساعدي: (ما كنا تقيل ولا نتغدى إلا عد الجمعة).
وقد سئلت عن وجه النهي عن صوم يوم الجمعة منفردًا، فأعلمنا الفكر فيه مستعينًا بالله سبحانه، فرأينا الشارع - صلوات الله عليه- لو يكره ان يصام منضما إلى غيره، وكره أن يصام وحده؛ فعلمنا أن علة النهي ليست للتقوى على اتيان [١٦٥/أ] الجمعة، وأقام الصلاة والذكر، كما رآه بعض الناس إذ لا ميزة في هذا المعنى بين من صام الجمعة وحده، وبين من صام الجمعة والسبت، فعلمت أنه لمعنى آخر وذلك المعنى والله أعلم لا يخلو من أحد الوجهين على ما يستبين لنا: أحدهما: أن نقول كره تعظيمنا يوم الجمعة باختصاصه بالصوم؛ لأن اليهود يرون اختصاص السبت بالصوم تعظيمًا له، ولما كان موقع الجمعة في هذه الأمة موقع أحد اليومين من إحدى الطائفتين أحب أن يخالف هدينا هديهم فلم يشأ أن يخصه بالصوم.
والآخر: أن نقول إن النبي - ﷺ - لما وجد الله ﷾ قد استأثر الجمعة بفضائل لم يستأثر به غيره من الأيام على ما ورد في احاديث الصحاح، وجعل فيه للصلاة فرضًا مفروضًا على العباد في البلاد ثم غفر لهم ما اجترحوه من الآثام من الجمعة إلى الجمعة وفضل ثلاثة أيام، ولم نر في باب فضيلة الأيام مزيدًا على ما خص الله به الجمعة، فلم تر أن نخصه بشيء سوى ما خصه الله به، ثم إن
الأيام والشهور فضل بعضها على بعض، ثم خص بعضها بعمل دون ما خص به غيره ليخص كل منها بنوع من العمل، ولو شرع جماع تلك الوسائل في يوم واحد أو شهر واحد لأقضى ذلك إما إلى الارتهان به وإما إلى تعطيل ما دونه، ومنهما ينشأ داعية الإفراط والتفريط، فلما وجد الجمعة مخصوصة بتلك الفضيلة العظمى، ورأى الاثنين والخميس أفضل الأسبوع سوى الجمعة لاختصاص الاثنين بولادته وبعثته وهجرته ووفاته، واختصاص الخميس بعرض الأعمال على الله تعالى جعل لهما من باب الفضيلة ما
يمتازان به عن غيرهما فشرع اختصاصهما بالصوم على الإنفراد ليمتازا عن غيرهما.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
[١٤١٢] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث عبد الله بن عمرو: (لا صام من صام الدهر).
فسر هنا من - وجهين: أحدهما: أنه على معنى الدعاء؛ زجرًا له عن صنيعه، والآخر: على سبيل الإخبار، والمعنى: لو يكابد سورة الجوع وحر الظمأ؛ لاعتياده الصوم حتى خف عليه، ولم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به الثواب؛ فصار كأنه لم يصم.
وفيه: (وإن لزورك عليك حقا) (الزور: يكون جمعًا لزائر يقال رجل زائر، وقوم زور مثل: سافر وسفر، وقد يقال: رجل زور فيكون مصدرًا موصوفًا به نحو ضيف [كثير] ما يوضع المصادر مواضع الأسماء والصفات كقولهم: صوم ونوم، وفي حديث أبي رافع (أنه وقف على الحسن بن علي - ﵁- وهو نائم، فقال أيها النوم)، يريد: أيها النائم.
(ومن الحسان) [١٤١٦] حديث عب الله بن مسعود - ﵁- قال: (كان رسول الله - ﷺ - يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة).
قلت: قد وجدنا هذا الحديث يخالف عدة أحاديث، فمنها حديث عائشة - ﵂- حين سئلت: (أكان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام قالت: نعم، فقيل: من أى أيم الشهر؟ فقالت: لم يكن يبالي من أى الشهر يصوم.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
[١٤٢١] ومنه حديث أخت عبد الله بن يسر المازني ﵁ عن النبي - ﷺ - (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم لحديث).
أخت عبد الله بن يسر اسمها بهية، وتعرف الصماء، وقيل بهيمة بزيادة ميم، ومعنى المنهي عنه، قد أشير إليه، وهو كون الصوم فيه راجعًا إلى تعظيم السبت، وفي ذلك اتباع اليهود، وقد نهينا عنه، ويحمل النهي فيه على تخصيصه بالصوم منفردًا، وذلك في التطوع الذي لا نجد له نظيرًا في السنه، فأما ما وردت به السنة، كصوم داود وصوم عاشوراء، وصوم يوم عرفة إذا اتفق في يوم سبت، فإنه غير داخل في جملة المنهي عنه؛ لثبوت ذلك بالأحاديث الصحاح التي لا مقاومة أمثال هذا الحديث ويجعل قوله (في غير ما افترض عليكم) على قضاء الفرض أو الصوم الذي وجب عليه بالنذر.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وقد ذهب قوم إلى ظاهر هذا الحديث فكرهوا صوم يوم السبت على الإطلاق، إلا في القسم المستثنى عنه، وليس لهم أن يتركوا ما سبق إليه الإشارة من أحاديث الصحاح لهذا الحديث الشاذ مع ما بلغنا فيه عن الزهري، وهو أنه شيءل عن هذا الحديث، فقال: ذاك حديث حمصى يشير إلى ضعفه والذي ذهبنا إليه في تأويله، قول لا محيد عنه لموافقته السنن الثابتة، فتقرر كل في [قضائه].
وفيه: (إلا لحاء عنية) اللحاء ممدود وهو قشر الشجر، والعنبة هي الحبة من العنب، وبناؤها من نوادر الأبنية وأريد بالعنبة - ههنا- الحبلة او القضاية منها على الاتساع.
[١٤٢٤] ومنه حديث عامر بن مسعود القرشى - ﵁- عن النبي - ﷺ - (الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء). هذا حديث مرسل، فإن عامر بن مسعود لم يدرك النبي - ﷺ - والغنيمة الباردة هى: التى يحوزها صاحبها عفوًا وصفوًا، لا يمسه ولا يصيبه قرح، والعرب تصف
سائر ما تستلذه بالبرودة والمعنى أن الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش أو يصيبه لذعة الجوع، وإنما قال: (الغنيمة الباردة الصوم في الشناء)، ولم يقل: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، تنبيهًا على معنى الاختصاص، اى: يبلغ الصوم في هذا المعنى ما لا يبلغ غيره.
[١٤٢٩] ومنه حديث أم هانى - ﵂- عن النبي - ﷺ - (الصائم المتطوع أمير نفسه).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
قلت: روى هذا الحديث من غير وجه واحد عن شعبة، وفي سائرها: أمير أو: أمين نفسه.
[١٦٥/ب] على الشك، ورواء أبو داود: (أمين نفسه) بالنون من غير تردد، ووجه قوله أمير بالراء مبين بما بعده من الحديث، وأما وجهه بالنون فهو أن الأمين إذا كان أمين نفسه فله أن يتصرف في أمانة نفسه على ما يشاء، وإذا كان أمين غيره فليس له ذلك، فالصائم من الفريضة، وما وجب عليه إذا أفطر من فريضة، فقد خان أمانة الله، والمتطوع في فسحة من ذلك غير منسوب إلى الخيانة، وقد استدل من لا يرى القضاء على المتطوع بهذا الحديث، وبقوله - ﷺ - في حديث أم هانئ أيضًا: (فلا يضرك إن كان تطوعًا) ويدل قوله: (إن شاء صام، وإن شاء أفطر) على أن له أن يفطر نظرًا إلى ما يبدو له من الأمور التي ائتمن عليها كالذي يضيف قومًا، أو ينزل بقوم، وهو يحبون أن يفطر، ويرى هو في ترك الإفطار استيحاشًا من جانب صاحبه، فله أن يساعده على ما يؤنسه من غير حرج وتبعة، وهو أمين على نفسه فيما يراه راعيًا شرائط الأمانة فيما يتوخاء، وهذا معنى قوله: (لا يضرك)، وليس في أحد القولين دليل على أن القضاء واجب عليه بعد الإلزام، لاسيما، وقد ورد الحديث بالأمر بقضائه، وهو حديث عائشة الذي يتلو هذا الحديث.
فإن قيل: هو حديث لا يكاد يصح من جهة إسناده. قلنا: نعم، وقد روى الترمذي أيضًا حديث أم هانئ: (لا يضرك إن كان تطوعًا) ثم قال: في إسناده مقال، وقد روت عائشة بنت طلخة عن عائشة انها قالت: دخل على رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله إنا قد خبانا لك حيًا، فقال: (أما إنى كنت لأريد الصوم ولكن قريبه سأصوم يومًا مكانه) وهو حديث اتصل سنده مع اختلاف الرواة، في قوله:
[ ٢ / ٤٧٩ ]
(سأصوم يومًا مكانه) والقول بذلك أولى من جهة النقل؛ لأنه لم يخالف حديث أم هانئ ثم إنه قول جامع بين الحديثين، والقول الذي يخالفه منه نفى الحديث آخر، وأما ما يؤيده من طريق النظر فذلك قد أتى عليه في كتب أهل هذه المقالة وقصدنا في ذلك بيان الحديث.
(من الصحاح) [١٤٣٣] حديث ابن عمر - ﵁- (أن رجلًا من اصحاب النبي - ﷺ - أروا ليلة القدر أروا من الرؤيا أى: قيل لهم في المنام ما يتصورون به كينونة القدر فى اى ليلة هى والقدر والتقدير تبيين كمية الشيء وإنما سميت ليلة القدر؛ لأن الله - تعالى- يبين فيها لملائكته الأمور التى تجرى على أيديهم من تدبير بنى آدم محياهم ومماتهم إلى مثلها من القابل قال الله تعالى: ﴿فيها يفرق كل امر حكيم﴾، ويحتمل أنها سميت ليلة القدر تقدير الله ما كان ينزل فيها من القرآن أيام حياة النبي - عليه
[ ٢ / ٤٨٠ ]
السلام - إلى مثلها من العام المقبل وإنما جاء القدر بتسكين الدال وإن كان الشائع في القدر الذي هو قرينة القضاء بفتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك فإن القضاء سبق الزمان وإنما أريد به تفصيل ما قد جرى به القضاء وتبيينه وتحديده في المدة التي بعدها إلى مثلها من القابل ليحصل ما يلقى إليهم مقدرًا بمقدار يحصره علمهم فسكن منه الدال للامتياز بين الأمرين وقيل: سميت بها لخطرها وشرفها على سائر الليالي
وفيه: (أرى رؤياكم قد تواطت) المواطأة الموافقة وأصله أن يطأ الرجل برجله موطأ صاحبه وقد رواه بعضهم بالهمز وهو الأصل وجاء في عامة نسخ الجامعين الصحيحين وغيرهما بغير همز فلعلَّ بعضهم لم يكتب الهمزة ألفًا فترك بعضهم همزها فأقرّت على ذلك.
وفيه (فمن كان متحريها) تحرّى الشيء: إذا قصد حراه أي جانبه قال الله تعالى: ﴿تحروا رشدا﴾ أي توخوا وعمدوا. والتحري بالياء [بالياء] من طلب ما هو أحرى بالاستعمال. والمعنى: من كان يتوخى تلك الليلة فليتوخها في السبع الأواخر ويكون معناه: فمن كان يريد طلبها في أحرى الأوقات بالطلب فليستعد له في السبع الأواخر والسبع الأواخر يحتمل أنه أراد بها السبع التي تلى آخر الشهر، ويحتمل أنه أراد به السبع الأول بعد العشرين؛ لأن السبع إنما يذكر في ليالي الشهر في أول العدد [١٦٦/ ب]، ثم في سبعة عشر، ثم في سبع وعشرين. وحمله على السبع التي بعد العشرين أمثل لتناوله إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، ووله: (فليتحرها في السبع الأواخر)، أخص من قوله (فالتموها في العشر الأواخر) وتنافى بين القولين.
قلت: وكل ما ورد في هذا الباب من الأحاديث فإن بعضها يعاضد بعضا على أنها إحدى ليالي أوتار العشر الأواخر ثم إن الروايات قد اختلفت في تفسير ذلك الوقت اختلافًا لا يرتفع معه الخفاء إذ لم يثبت فيما يَقُول عليه من النقل عن أحد من الصحابة أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحدث بميقاتها مجزومًا به وإنما ذهب كل واحد إلى ما ذهب مما تبيّن له من معاريض الكلام التي سمعها من رسول الله - ﷺ - والفهم يبلغ تارةٌ ويقصرُ أخرى والمجتهد يصيب ويخطئ. اللهم إلا أن يكون في الرواة من أخبره الرسول - ﷺ - بميقاتها، ولم ير أن يزيل عنه الخفاء ولم يؤذن له فعلى هذا تنوع اختيار كل فريق من أهل العلم والذاهبون إلى سبع وعشرين هم الأكثرون ولا تناقض بين تلك الروايات على هذا التقدير ويحتمل أن فريقًا منهم عَلِم بالتوقيف ولم يؤذن له بالكشف عنه، لما كان في حكمة الله البالغة في تعميتها على العموم ونرى أولى الروايات بذلك رواية أبي بن كعب فإنه حلف ولم يستئن والآخرون حدّثوا بما وقع لهم من الفهوم. فإن قيل: كيف يصح فيه التوقيف وقد نال النبي - ﷺ -: (أريت هذه الليلة ثم أنيتها)؟
قلنا: يحتمل أنه أنسيها في عامة ذلك ثم كوشف بها بعد فأخبر بها. فإن قيل: رأى كثير من أهل
[ ٢ / ٤٨١ ]
العلم وذوي النظر في دين الله أن الإنساء الواقع من قبل الله كان رعاية لمصلحة العباد ليُعمَّى عليهم خير تلك الليلة لئلا يتكلوا وليزدادوا جدا واجتهادًا في طلبها. وهذا هو الظاهر من أمره والمفهوم من سياق حديثه وقد قال بعضهم: إن نبي الله كان مجبولًا على أكرم الأخلاق وأحسنها، وقد علم الله منه الرأفة بأمته وعلم أنه لو سئل وعنده علم ذلك عز عليه أن يبخل عليهم بذلك فأنساه. وقال آخرون: لما أرادالله تعميتها أنساها النبي لئلا يكون كاتم علم إذا سئل عنه لم يخبر به. وقد روى عن أبي ذر - ﵁ - أنه سأل رسول الله - ﷺ - وأقسم عليه ليخبرنّه بها حتى أغضبه فقال: (لو أذن [١٦٧ / أ] الله لي أن أخبركم بها لأخبرتكم) فكيف السبيل إلى القول بالتوفيق مع هذا الحديث ومع ما ذكرنا من أقاويل علماء الأمة.
قلنا: التخصيص في ذلك ليس بمتنكر فنقول: أنسيها في أول الأمر ليخبر بالإناء فينتهي العموم عن السؤال عنها لما تضمنه الإنساء من المصالح ثم بينها كرامة له فخص هو بذلك بعض أصحابه المستعدين لعلم ذلك كما خصّ حذيفة بن اليمان بأعلام المنافقين والتخصيص إنما يستنكر في الأحكام والحدود التي تعبد بها المكلفون فأما في الأخبار التي لم يتعبد بها فلا نكير فيها وما أكثر نظائر ذلك في السنة.
فإِن قيل: أفلا يحتمل أن يقال إن تلك الليلة لا توجد على وتيرة واحدة في الأعوام؛ فربما كانت في عام إحدى وعشرين، وربما كانت في آخر ثلاثٍ وعشرين، وعلى هذا إلى تمام الأوتار، ولهذا اختلف فيها أقاويل الصحابة؟
قلنا: يحتمل، وإليه ذهب بعض أهل العلم، غير أنا لم نجد أحدًا من المخبرين عزم فيما حدث به إلا أبيّا - ﵁ - فإن قيل: فإنه ذهب أيضًا إلى ما ذهب بنوع من الاستدلال غير مبدٍ بصريح المقال؛ لأنه سئل فقيل له: بأي شيء تقول ذلك؟ قال: بالعلامة التي أخبرنا رسول الله - ﷺ - الحديث).
قلنا: يحمل أمره في ذلك على أنه لم يؤذن له في التصريح؛ فعدل عنه إلى التعريض بما سمعه من الوصف الزائد على مقدار الضرورة وإنما نميل إلى هذا القول؛ لأن الصحابة - ﵃ - هم الأمناء في سائر ما حدثوا به عن النبي - ﷺ - وقد شهد التنزيل بصدقهم وعدالتهم، وبأن الله - ﷾ - ارتضاهم لهذا الدين فلا يجوز لنا أن نظن لهم أن يحلفوا على القطع بما لم يعلموا، فضلًا عن الحكم به. فهذا الذي ذكرناه في هذا الباب هو السبيل في تخريج معاني أحاديث ليلة القدر وتمهيد قواعدها. والله أعلم.
[١٤٣٩] ومنه: حديث عائشة - ﵂ - كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل العشر شدّ مئزره) المئزر:
[ ٢ / ٤٨٢ ]
الإزار كقولهم: ملحق ولحاف، ولما كان من شأن من يأخذ في العمل بجد وعزيمة أن يشدّ مئزره استعير ذلك للتشمير والانكماش في الطاعة والدأب في العمل، ويحتمل أن المراد به اعتزال النساء وترك النكاح بدواعيه وأسبابه.