(من الصحاح)
[١١٠٩] حديث أم عطية﵂-: (دخل علينا رسول الله - ﷺ - ونحن نغسل ابنته الحديث).
قلت: ابنته هذه هي زينب ري الله عنها؛ توفيت سنة ثمان من الهجرة، وقد ذكر ابن عبد البر في
[ ٢ / ٣٨٥ ]
كتاب (الاستيعاب) (أن التي شهدت أم عطية غسلها، وحكت قول رسول الله - ﷺ - فيها: هي أم كلثوم زوجة عثمان ﵄؛ توفيت سنة تسع من الهجرة، والصحيح ما قدمناه؛ روى مسلم في (جامعه) أنها زينب.
وفيه: (أشعرنها إياه).
أي: اجعلنه شعارها، والشعار: ما يلي من الثوب بشرة الإنسان.
[١١١٠] ومنه حديث عائشة﵂-: (بيض سحولية): السحل: الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب المن؛ قال المسيب بن علس- يذكر ظعنا-:
في الآل يخفضها ويرفعها ربع يلوح كأنه سحل
شبه الطريق بثوب أبيض.
وجمع سحل: سحول، ويجمع- أيضًا- على: سحلن ويقال: سحول: موضع باليمن، وهي تنسب إليه؛ وعلى هذا: فالسين منه مفتوحة.
[١١١١] ومنه: حديث جابر ﵁، عن النبي - ﷺ -: (إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه).
معنى ذلك- والله أعلم-: أن يختار لأخيه المسلم من الثياب أثمنها وأنظفها وأنصعها لونًا، على ما وردت به السنة، ولمم يرد ب (التحسين): ما يأثره المبذرون أشرا ورياء من الثياب الرقيق؛ فإن ذلك منهي عنه بأصل الشرع، وهو النهي عن إضاعة المال، وقد قال - ﷺ -: (لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سلبًا سريعًا)، وقد ثبت أن أبا بكر الصديق﵁- قال: (ادفنوني في ثوبي هذين؛ فإنما هما للمهل والتراب)، قد كان ﵁- أعلم الصحابة برسول الله - ﷺ - وأيامه ١٣١] /ب [، وأحرصهم على إتباع سنته.
وفي حديث جابر هذا زيادة مبينة للمعنى الذي ذكرناه، ولم يذكر في (كتاب المصابيح)، وقد ذكر (مسلم) الحديث بتمامه في (كتابه)، وهو حسن السياق للأحاديث، وسياق حديثه: أن النبي - ﷺ - خطب يومًا، فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلًا، فزجر النبي - ﷺ - أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، فقال النبي - ﷺ -: (إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
[١١١٧] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ أنه لما حضره الموت، دعا بثياب جدد الحديث.
ذهب الجمهور من أصحاب المعاني- لاسيما المحققون منهم-: أن الثياب في قوله - ﷺ -: (الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) -: كناية عن الأعمال التي يموت عليها، كقوله - ﷺ -: (يبعث العبد على ما مات عليه) أي: على ما مات عليه من عمل صالح أو سيء؛ والعرب تكنى بالثياب عن الأعمال؛ لملابسة الرجل بها ملابسته بالثياب، ومنه قول الراجز:
لكل دهر قد لبست أثوبا حتى اكتسى الرأس قناعًا أشيبا
واستدلوا بقوله - ﷺ -: (يحشر الناس حفاة عراة)، قالوا: وأبو سعيد فهم من كلامه - ﷺ - ما دل عليه الظاهر؛ فغاب عن مفهوم الكلام.
قلت: وقد كان في الصحابة- رضوان الله عليهم- من يقصر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى] المراد [والناس متفاوتون في ذلك؛ فلا يعد أمثال ذلك عليهم عثرة، وقد سمع عدي بن حاتم الطائي-
[ ٢ / ٣٨٧ ]
﵁- قول الله تعالي: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)؛ فعمد إلى عقالين أسود وأبيض، فوضعهما تحت وساده، ولما سمع به رسول الله - ﷺ - قال: (إنك لعريض الوساد)، وفي بعض طرقه: (لعريض القفا).
وقد رأى بعض أهل العلم الجمع بين الحديثين؛ فقال: البعث غير الحشر؛ فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب، والحشر على العرى والحفا ولم يصنع شيئًا؛ فإنه ظن أنه نصر السنة، وقد ضيع أكثر مما حفظه؛ فإنه سعى في تحريف سنن كثيرة؛ ليسوى كلام أبي سعيد، وأبو سعيد لو سمع بهذا، لم ير إلا إتباعه، كيف وقد روينا عن أفضل الصحابة وأعلمهم وأقربهم إلى رسول الله - ﷺ - منهاجًا ومنزلة؛ انه أوصى أن يكفن في ثوبيه، وقال: (إنما هما للمهل والتراب)، ثم إن النبي - ﷺ - قال: (في ثيابه التي يموت فيها). وليس لهم أن يحملوها على الأكفان؛ لأن الإنسان إنما يكفن بعد الموت.
[١١١٨] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (خير الكفن الحلة).
الحلل: برود اليمن، والحلة ١٣٢] /أ [إزار ورداء لا يسمى حلة حتى تكون ثوبين؛ وبذلك ورد الحديث، وهو أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا عليه حلة قد اتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، وقد اختلف أقاويل الصحابة في اختيار الحلة، والأكثرون على أن الثياب البيض أفضل من الحلة؛ لأن الله تعالى اختارها لنبيه - ﷺ -، ثم إنه أمرهم أن يكفنوا فيها موتاهم؛ فقال: (وكفنوا فيها موتاكم)؛ رواه ابن عباس، وهو حديث حسن صحيح، والعمل به أولى من العمل بحديث عبادة.
ويحتمل: أن النبي - ﷺ - قال: (خير الكفن الحلة)؛ لأنها كانت يومئذ أيسر عليهم، وأراد: أنها من خير الكفن.
وزعم بعضهم: أن النبي - ﷺ - كفن فيها، وليس الأمر على ما توهم، وقد بين ذلك مسلم في (كتابه)؛ فروى بإسناده عن عائشة ﵁؛ أنها قالت: (أدرج رسول الله - ﷺ - في حلة يمنية كانت لعبدالله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، فكفن في ثلاثة أثواب سحول يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص، فرفع عبدالله الحلة، فقال: أكفن فيها، ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله - ﷺ -، وأكفن فيها؛ فتصدق بها)، وفي رواية: (لو رضيها الله لنبيه، لكفنه فيها).
قلت: وعبدالله بن أبي بكر شهد مع النبي - ﷺ - الطائف، فرمي بسهم، وكان -يومئذ- وجعًا يترقب الموت؛ ولهذا قال: (أكفن فيها)؛ فدمل جرحه حتى انتقض به، فمات منه في السنة الأولى من خلافة أبيه -﵄-.
[ ٢ / ٣٨٨ ]