[من الصحاح]
[١٢٧٩] أبي هريرة﵁، عن النبي - ﷺ - (من تصدق بعدل تمرة) بفتح العين وهو ما يعادل تمرة، والعدل بالكسر: المثل، وبالفتح أصله مصدر قولك عدلت بهذا عدلا حسنا تجعله اسما للمثل، لتفرق بينه وبين عدل المتاع، كما قالوا: امرأة رزان وعجز رزين، وقال الفراء: العدل بالفتح ما عدل الشيء من غير جنسه، وبالكسر المثل وربما كسر بعض العرب في غير الجنس وكأنه منهم غلط.
(فإن الله يتقبله بيمينه)، المراد من التقبل باليمين: حسن القبول من الله ووقوع الصدقة منه موقع الرضا وفيه.
(ثم يربيها لصاحبها) كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل)، الفلو: بتشديد الواو: المهر؛ لأنه يفتلى أي: يعظم. وقيل هو العظيم من أولاد ذوات الحافر وقد قالوا للأنثى: فلوه مثل: عدوة والجمع أفلاء مثل عدو [١٥٠/ب] وأعداء، وفلاوى مثل خطايا.
قال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرت خففت فقلت: فلو مثل جرو؛ قال مجاشع بن
جرول يا فلو بنى الهمام فأين عنك القهر بالحستم؟
فالرواية في الحديث بفتح الفاء وتشديد الواو، وإنما ضرب المثل بالفلو؛ لأنه يزيد زيادة بينة، ولأن الصدقة نتاج عمله، ولأن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده ويتولى تربيته، ثم إن النتاج أحوج ما يكون إلى التربية وهو فطيم إذا أحسن القيام وأصلح ما كان منه فاسدا انتهي إلى حد الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لا سيما الصدقة التي يجاذيها الشح ويتشبث بها الهوى ويقتفيها الرياء ويكدرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى الله إلا موسومة بنقائص لا يجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا تصدق العبد من كسب طيب مستعد للقبول، فتح دونها باب الرحمة، فإذا تصدق فلا يزال ينظر الله إليها يكسبها نعت الكمال ويوفيها حصة الثواب حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم من العمل، وقوع المناسبة بين التمرة والجبل.
[ ٢ / ٤٤١ ]
[١٢٨١] ومنه: حديثه الآخر عن النبي - ﷺ - (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء ..) الحديث، فسر قوله زوجين بدرهمين أو دينارين أو مدين من طعام وبما يضاهي تلك الأشياء.
قلت: ويحتمل أن يراد به تكرار الإنفاق مرة بعد مرة، ففسر الإنفاق بما تنفقه؛ لأنه إذا أنفق درهما في سبيل الله ثم عاد فأنفق آخر يصير زوجين، ومعنى الكلام: الإنفاق بعد الإنفاق أي: يتعود ذلك ويتخذه دأبا.
وفيه (فقال أبو بكر﵁- يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة معناه ما على أحد يدعى من باب من تلك الأبواب كلها من ضرورة إن لم يدع من سائرها، فإنه إذا دعي من باب واحد فقد حصل له الفوز بدخول الجنة فلا ضرورة به إن لم يدع من غيره، وقوله هذا نوع من تمهيد قاعدة السؤال في قوله فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ أي: سألت عن ذلك بعد معرفتي بأن لا ضرورة بمن يدعى من باب واحد في الدعاء من سائر الأبواب. وفي رواية: قال أبو بكر: يا رسول الله ذلك الذي لا توى عليه أي ضياع عليه، ولا خسارة من قولهم: توى عليه المال إذا أهلك يتوى وتوى إذا ذهب توى وهو مقصور وقد ذكر بعض أصحاب الغريب: توى وتواء. ولا أعرف للمهموز أصلا [١٥١/أ].
[١٢٨٢] ومنه حديثه الآخر عن النبي - ﷺ - (من أصبح منكم اليوم صائما قال أبو بكر: أنا ..) الحديث، ذهب طائفة من أهل العلم، وفرقة من الصوفية إلى كراهية إخبار الرجل عن نفسه بقوله أنا، حتى قال بعض الصوفية: كلمة أنا لم تزل مشيءومة على أصحابها وأشار هذا القائل إلى أن إبليس إنما لعن لقوله أنا، وليس الأمر على ما قدر بل الذي نقض عليه أمره هو النظر إلى نفسه بالخيرية، ونحن لا ننكر إصابة الصوفية في دقائق علومهم وإشاراتهم في التبرى عن الدعاوى الوجودية، ولكنا نقول إن الذي أشاروا
[ ٢ / ٤٤٢ ]
إليه بهذا القول راجع إلى معاني تعلقت بأحوالهم دون ما فيه من التعلق بالقول؛ كيف وقد ناقض ظاهر قولهم هذا نصوصا كثيرة، وهم أشد الناس فرارا عن جميع ما يخالف الكتاب والسنة، ولم يأت القوم في الكراهة بمتمسك إلا بحديث جابر﵁- أتيت النبي - ﷺ - في دين كان على أبي فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: (أنا أنا) كأنه كرهها. وهو حديث صحيح.
وقد أورده مؤلف هذا الكتاب في باب الاستئذان، ولو أخذنا بظاهر الحديث كما أخذوا كنا كمن حفظ بابا وضيع أبوابا كثيرة، وأنى يصح القول بظاهر هذا الحديث وقد وجدنا فيما حكي عن الأنبياء الله في كتابه أنهم كانوا يستعملونها في كلامهم ولاسيما فيما أمر الله به رسوله نحو قوله ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾، وقوله ﴿وأنا أول المسلمين﴾، وقوله ﴿وما أنا من المتكلفين﴾، وقوله ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾ وقد قال - ﷺ - (أنا سيد ولد آدم وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأنا أول شافع، وأنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي، وأنا المقفي) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، وقد تلفظ بها السابق في الخيرات صديق هذه الأمة﵁- بين يدي رسول الله كرة بعد أخرى فلم ينكر عليه ولم ينهه، ولو شيءنا لآتينا من كتاب الله وسنة رسوله من نظائر ما ذكرنا بما يتجاوز فلا وجه إذا للذهاب إلى كراهة ذلك. ونظرنا إلى حديث جابر فوجدناه قد ذكر الكراهة على سبيل البيان، ثم إنه لم يصح بالأمر المكروه، فالوجه أن نقول رأينا النبي - ﷺ - استعمله ليخبره عن نفسه، فيعرف من الوارد عليه فيرتفع الإبهام. فلما قال: أنا، لم يأت بجواب يفيده المعرفة بل بقي الإبهام على حاله فكره ذلك للمعني الذي ذكرناه لا لتلفظه بتلك الكلمة، فلو قال: أنا جابر يكن - ﷺ - ليكره [١٥١/ب] قوله أو ينكر عليه. هذا وجه في الحديث ليمكننا التوفيق بين النصوص التي ذكرناها، والله أعلم.
[١٢٨٤] ومنه قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة﵁- أيضا (يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، لا بد من إضمار في قوله يا نساء المسلمات؛ لأن إضافة الموصوف إلى الصفة غير
[ ٢ / ٤٤٣ ]
جائز، فتقدير الكلام يا نساء الطوائف المسلمات، وفي قوله: (لا تحقرن جارة لجارتها) اختصارا لمعرفة المخاطبين بالمراد منه منه، أي لا تحقرن أن تهدى إلى جارتها ولو أن تهدى فرسن شاة، والفرسن للبعير كالحافر للدابة، وقد يتعار فيقال فرسن شاة والفرسن وعن كان مما لا ينتفع به فإنه استعمل ههنا على المعتاد من مذهب العرب في كلامهم إذا بالغوا في الأمر وحثوا عليه، وفي معناه قوله - ﷺ - (ولو بظلف محرق).
ومن هذا الباب قوله - ﷺ -: (من بني لله مسجدا ولو كمفحص قطاة) ومقدار المفحص لا يمكن أن يتخذ مسجدا وإنما هو على سبيل المبالغة في الكلام من مذاهب العرب.
[١٢٩١] ومنه حديثه الآخر عن النبي - ﷺ -: (نعم الصدقة اللقحة الصفي منحة) اللقحة بكسر اللام: الناقة الحلوب وهي اللقوح بفتح اللام، والصفى الغزير الدر وصفايا الإبل الغزار منها، والمنحة في هذه الصورة تجرى مجرى الصدقة وهى في الأصل عارية لشرب درها ورد رقبتها.
ومنه الحديث (هل من أحد يمنح من إبله ناقة أهل بيت لا در لهم؟) قال أبو عبيد: المنحة عند العرب على معنيين أحدهما: العطية التي نالها المعطى له. والآخرة: أن يمنحه ناقة أو شاة يستنفع بلبنها ووبرها زمانا ثم يردها، وهو تأويل قوله - ﷺ - (والمنحة مردودة).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
قلت وأكثر ما يقول العرب في العارية المنيحة، وفي البخاري: (نعم المنحة اللقحة الصفي)، قال أبو عبيد: وللعرب أربعة أسماء تضعها موضع العارية: المنيحة والعرية والإفقار والإخبال.
[١٢٩٣] ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - (غفر لامرأة مومسة) الحديث. المومسة: الفاجرة المجاهرة. قال الحبان: الومس تحكك الشيء بالشيء حتى ينجرد، ولعل المومسة منه، وقد أومست أمكنت من الومس، وفي حديث جريج الراهب: (لاتمته حتى ينظر في وجوه المومسات)، وفي حديث أبي وائل: (أكثر تبع الدجال أولاد الموامس)، والموامس جمع التكسير من المومسة.
وفيه (في كل ذات كبد رطبة أجر)، قيل: إن الكبد إذا ظمئت ترطبت وكذا إذا ألقيت على النار، وقيل: هو من باب وصف الشيء بما يئول إليه فمعناه في كل كبد حرة لمن سقاها حتى تصير [١٥٢/أ] رطبة أجر، والأول أوجة؛ لأن الرطبة قد وردت في الحديث بدل الحارة فيجب أن يكون بمعناها، وفي حديث سراقة: (ومخول حرى) أو حارة بدل رطبة واللفظان معا- أعنى حرى ورطبة- لم تجمعهما رواية، وفي هذا الحديث تهميد قاعدة الخير وعن كان يسيرا.
[١٢٩٣] ومنه حديثه الآخر عن النبي - ﷺ - (عذبت امرأة في هرة حبستها) الحديث فيه تفخيم أمر الذنب وإن كان كان صغيرا وفيه (فتأكل من خشاش الأرض) الخشاش بالكسر: وقد يفتح.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
[ومن الحسان]
[١٢٩٩] قوله - ﷺ - في حديث أنس﵁- (وتدفع ميتة السوء) الميتة بكسر الميم: الحالة التي يكون عليها الإنسان وهي الموت، وأراد بميتة السوء مالا يحمد عاقبته ولا يؤمن غائلته من الحالات التي يكون عليها الإنسان عند الموت كالفقر المدقع، والوصب الموجع والألم المقلق والآمال التي تقضي به إلى كفران النعمة ونسيان الذكر، والأحوال التي تشغله عما له وعليه، وموت الفجاءة التي هو أخذة الأسف ونحوها، أعاذنا الله منها.
[١٣٠١] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث جابر﵁- (كل معروف صدقة) قلت: المعروف اسم
[ ٢ / ٤٤٦ ]
لكل فعل يعرف حسنه بالشرع أو يعرف بالعقل من غير أن ينازع فيه الشرع، وكذلك القول المعروف، وقد قيل الاقتصاد في الجود: معروف؛ لأنه مستحسن بالشرع، وفي العقل.
والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة وذلك لأن عليه أن يتحرى الصدق فيها، وقد استعمل في الواجبات وأكثر ما يستعمل في المتطوع به، ويستعمل أيضا في الحقوق التي يتجافي عنها الإنسان، قال الله تعالي: ﴿والجروح قصاص﴾ ﴿فمن تصدق به كفارة له﴾ أي: تجافي عن القصاص الذي هو حقه، وقد أجرى في التنزيل ما يسامح به المعسر مجرى الصدقة، قال الله تعالي: ﴿وان تصدقوا خير لكم﴾ فقوله: ﴿كل معروف صدقة﴾ أي: يحل فعل المعروف محل التصدق بالمال، ويقع التبرع بذلك معه في القربة، فالمعروف والصدقة وإن اختلفا في اللفظ والصيغة فإنهما يتقاربان في المعني ويتفقان في الأمر المطلوب منهما وقد عرفنا الاختلاف بينهما [١٥٢] من الكتاب قال الله تعالي: ﴿إلا من أمر بصدقة أو معروف﴾ وعرفنا الاتفاق بينهما في المعني من السنة ومن قوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد الخدري﵁- كساه الله من خضر الجنة، الخضر جمع أخضر، أي من ثيابها الخضر، أقام الصفة مقام الموصوف. وأشار بذلك إلى ما في التنزيل: ﴿ويلبسون ثيابا خضرا من سندس﴾ وفيه (سقاه الله من الرحيق المختوم) الرحيق فيه: الشراب الخالص الذي لا غش فيه وهو صفوة الخمر، والمختوم الذي يختم أوانيه بمسك مكان الطينة، وتلك العبارة عن نفاستها وكرمها، وعليه يدل سبحانه: ﴿ختامه مسك﴾ وقد ذهب جمع من أصحاب المعاني إلى معنى قوله تعالي: (مسك) أي آخره؛ لأن آخر ما يجدون رائحة المسك. قالوا: والشراب يجب أن يطيب في نفسه فلما ختمه بالطيب فليس فيما يفيده ولا ينفعه طيب ختامه ما لم يطب في نفسه وكلا النوعين يستقيم، وإلى الأول ذهب أكثر المفسدين؛ لأنه مناسب لقوله: (مختوم).
قلت: وإن ذهب ذاهب إلى أن معنى الختم ههنا بلوغ الآخر، من قولهم ختمت الكتاب أي: انتهيت إلى آخره، فله وجه، ويكون المراد أنه رحيق ينتهي الشارب في شربه إلى آخره فلا يسئر منه شيئا كما يسار من الشراب الذي يشوبه الكدر ويمنع من شرب آخره السعيط. وجاء الرحيق في الحديث معرفا وهو في الكتاب منكرا؛ لأنه أراد به الرحيق الذي وعد الله عباده في كتابه فاللام فيه للعهد.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
[١٣٠٧] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث جابر﵁: (وما أكلت العافية)، العافية: كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر وعافية المكان واردته.
[١٣٠٨] ومنه: حديث البراء بن عازب﵁- عن النبي - ﷺ - (من منح منحة ورق) الحديث. الورق الأدام خاصة، وفيه ثلاث لغات ورق، وورق، وورق على مثاله كبد وكبد وكبد، والرواية في هذا الحديث بكسر الراء، والمنحة عند العرب على معنيين: إحداهما: أن يعطى الرجل صاحبه صلة فيكون له، والآخر: أن يمنحه ذات در فينتفع بمنافعها أو يمنحه أرضا [١٥٣/أ] فيزرعها.
وفي هذا النوع قوله - ﷺ - (والمنحة مردودة) وهي في هذا الحديث محتملة للوجهين وتقع في الوجه الثاني مشبهة بالمنحة؛ لأنها مردودة وإن كان العرض هو المردود لا العين؛ لأن الانتفاع بها وهي قائمة في يد من منح غير معقول، وإلى هذا الوجه ذهب أحمد في هذا الحديث فقال هو القرض. قلت لو جاءت الراوية بفتح الراء كانت المنحة على ما ذكرنا من الانتفاع بها: جمع بقاء العين وردها؛ لأن الورق بفتح الراء كانت المنحة على ما ذكرنا من الانتفاع بها: جمع بقاء العين وردها؛ لأن الورق بفتح الراء هو المال فيتناول إذا سائر أنواع ما لم يمنح ولم ترد الراوية به.
وفيه أو (هدي زقاقا) يروى هدا بالتخفيف أي هدي السابلة إلى السبيل، ويروى بالتعدية أي (أهدي) وتصدق بزقاق من النخيل؛ وهي السكة والصف من أشجارها.
[١٣٠٩] ومنه حديث أبى جرى جابر بن سليم الهجيني التميمي﵁- رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه الحديث، يريد أن الناس ينصرفون عما يراه يستصوبه ويحكم به، يقال صدر عن المكان أي:
[ ٢ / ٤٤٨ ]
رجع عنه، وصدر إليه أي جاءه، فالوارد: الجائي، والصادر: المنصرف، شبه المنصرفين عن حضرته بعد توجههم إليها ليسألوه عن أمر دينهم وعما يهمهم من مصالح معادهم ومعاشهم بالواردة إذا صدروا عن المنهل بعد شرى.
وفيه: (لا تقل عليك السلام. عليك السلام تحية الميت) لم يرد بقوله هذا أن الميت ينبغي أن تكون تحيته على هذه الصيغة، فإن النبي - ﷺ - كان يسلم على الأموات تسليمه على الأحياء فيقول (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين) وإنما أراد به أن هذه التحية يصلح أن يحي بها الأموات لا الأحياء، وذلك لمعنيين أحدهما: أن تلك الكلمة شرعت لجواب التحية ومن حق المسلم أن يحي صاحبه بما شرع له من التحية، فيجيبه هو بما شرع له من الجواب، فليس له أن يجعل الجواب مكان التحية، وأما في حق الميت فإن الغرض من التسليم عليه أن تشمله بركة السلام، والجواب غير منتظر هنالك فله أن يسلم عليه بكلا الصيغتين.
ووجه آخر [١٥٣/ب] وهو أن إحدى فوائد السلام: أن يسمع المسلم أخاه المسلم ليجعل له الأمن من قبله، وإذا بدأ بقوله عليك لم يحصل له المن حتى يلحق به السلام بل يزداد به استيحاشا ويتوهم أنه يدعو عليه [فأمر بالمسارعة إلى إيناس الأخ المسلم بتقديم السلام، وهذا المعنى غير مطلوب في الميت فساغ للمسلم أن يفتتح من الكلمتين بأيتهما شاء].
وفيه (فإنها من المخيلة) يقول اختال الرجل فهو ذو خيلاء، وذو خال وذو مخيلة وذو كبر.
[١٣١٢] ومنه قوله - ﷺ - في حدثي أبي ذر﵁- (فتخلف رجل بأعيانهم) كذاك رواه النسائي في كتابه، والمعني أنه ترك القوم المسئول عنهم خلفه وتقدم فأعطاه والمراد من الأعيان: الأشخاص. ويحتمل أنه أراد بذلك أنه سبقهم بهذا الخبر فجعلهم فجعله. وقد وجدت الحافظ أبا القاسم الطبراني رواه.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
في بعض طرقه في كتابه المرسوم بالمعجم الكبير: (فتخلف رجل عن أعيانهم) وهذا أشبه وأعدل من طريق من طريق المعنى وإن كانت الرواية الأولى أوثق من طريق السند. والمعنى: أنه سافر عن أصحابه حتى خلا بالسائل فأعطاه سرا.
[١٣١٣] ومنه: حديث أنس﵁- عن النبي - ﷺ - قال: (لما خلق الله الأرض جعلت تميد؛ فخلق الجبال فقال بها عليها) أي ضرب بالجبال على الأرض حتى استقرت، ذكر عن ابن الأنبارى أنه قال: يقول العرب: قال بمعنى تكلم وبمعنى أقبل وبمعنى أقبل وبمعنى مال وبمعنى ضرب وبمعنى استراح وبمعنى غلب.
وقال غيره: العرب تجعل القول عبارة عن كثير من الأفعال نحو قال برجله فمشى، وقال بيده فأخذ.
ومن هذا الباب قول القائل:
وقالت: له العينان سمعا وطاعة
أي: أومأت.
وفيه (يارب هل خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم تصدق صدقة بيمينه يخفيها من شماله) معناه- والله اعلم- أن نفس الإنسان جبلت على غرائز لا تملك النار حرها، ولا الماء بردها، وطبعت على ضرائب لا تستطيع الريح قهرها، ولا تقوى على مقاومتها الجرام، ولا تلين عريكتها الأركان، ولا تحمل على ما تأباه بالتشدد، ولا تمنع عما ترومه بالاحتيال، فهي أشد من كل شديد [١٥٤/أ] وأصعب مراما من كل متمرد، ومن طبعها إيثار السمعة وحب الثناء، وطلب التفوق على النظراء، فتظهر ما كان منها من البر لإدراك تلك الأغراض، فإذا سخرت تلك النفس لصاحبها تسخيرها يغلبها في تصرفاتها وردها عن طلباتها، كان الذي غلبها على تلك الخلال وزجرها عن مواقع الخلاف أغلب من كل غلاب، ومن طبعها إظهار الصدقة فإذا ملكها ابن آدم بحيث ما يخفي إظهارها بالطبع كان أشد من الريح. وقوله: (تصدق صدقة بيمينه يخفيها عن شماله) من مجاز القول الذي يقع موقع المبالغة في الإخفاء والله أعلم.