(من الصحاح)
[١٢١٢] حديث أبي سعيد الخدري﵁- قال رسول الله - ﷺ -: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة .. الحديث).
الوسق: ستون صاعًا، وقال الخليل: الوسق حمل البعير، والوقر حمل البغل أو الحمار.
قلت: الوسق من أوسقت الشيء، أي: جمعته وحملته فالمعنيان في الوسق مبنيان على ما ذكرنا في معنى وسقت الشيء.
وفيه: (وليس فيما دون خمس أواق) الأوقية أربعون درهمًا، يقال: أوقية وأواقي، كما يقال بختية وبخاتي غير مصروفة لأنها على زنة جمع الجمع، ولك أن تخفف الياء، ويقال أيضًا في جمعها: أواق بلا
[ ٢ / ٤١٨ ]
ياء كما يقال: أضحية وأضاح، وذكر الخليل أن الأوقية سبعة مثاقيل، وقيل: سبعة ونصف، وليس في هذه الأقوال تضاد؛ لأن ذلك مما يختلف باختلاف [١٤١/أ] البلدان والأزمان، وقد كانت الأوقية فيما مضى أربعون درهمًا على ما في الحديث فأما اليوم فما يتعارفه الناس ويقدر عليه [الأطباء] وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وهو استار وثلثا استار ومن عوام المحدثين من يرويها بمد الألف، كأنها جمع أوق وهو لحن.
وفيه: (وليس فيما دون خمس ذود). الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، وهو مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والكثير أذواد، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام هي ما بين ثنتين إلى تسع من الإناث دون الذكور وأنشد:
ذود صفايا بينها وبيني ما بين تسع إلى ثنتين
والمراد من خمس ذود خمسة من الإبل لا خمس أذواد، وإنما أضاف خمسًا إلى ذود لإفادة التعريف، وقد ذكر أبو عمرة بن عبد البر أن بعض الشيوخ رواه في (خمس ذود) على البدل لا على الإضافة.
قلت: وفيه وهن لمخالفته رواية الإثبات، ثم لما وجدناه في الحديث: (أعطانا خمس ذود) ولا وجه فيه [على] الإضافة، وقوله: (من الإبل) تأكيد في البيان.
[١٢١٥] ومنه حديث أنس﵁- أن أبا بكر﵁- كتب له هذا الكتاب لما
[ ٢ / ٤١٩ ]
وجهه إلى البحرين الحديث. أشار بلفظ: (هذا) إلى الكتاب إما لأنه كان مكتوبًا عند المتحدث به عن أنس وهو ثمامة بن عبد الله بن أنس، أو أشار بن ثمامة أو أنس إلى ما تحدث به؛ لأنه افتتح أن يحدث به فكان في حكم الحاضر.
وفيه: (فرض رسول الله - ﷺ -) أي: قدرها، ويجوز أن يراد به الإيجاب وأضيف إلى رسول الله - ﷺ -؛ لأنه كان هو الآمر به من قبل الله تعالى.
وفيه: (بنت مخاض) المخاض: الحوامل من النوق، واحدتها خلفة، ولا واحد لها من لفظها.
قال الأصمعي: إذا حملت النوق لتمام سنة من يوم [] ومخاضًا، وولدها ابن مخاض، وذلك إذا استكمل الحول، ودخل الثانية، وقبل ذلك يسمى فصيلًا، وقال غيره: هن شول ما داجر منها الفحل، وابن المخاض الذي حملت أمه أو حملت الإبل التي فيها أمه، وإن لم تلقح هي وهذا هو المعنى في قولهم: ابن مخاض، وبنت مخاض؛ لأن الناقة الواحدة لا يكون ابنه نوق، فلكون أمها في نوق حوامل وضعت حملها معهن قبل ذلك سميت بنت مخاض فنسبت إلى الجماعة لحكم مجاورتها أمها، وابن مخاض نكرة، فإذا أردت تعريفه أدخلت عليه الألف واللام، إلا أنه تعريف جنس فإذا وضعت أمه غيره فصار لها لبن، قيل له: ابن لبون، وهو نكرة تعرف بالألف واللام.
فأما وجه قوله: (بنت مخاض أنثى وبنت لبون أنثى) فلم أجد أحدًا من أصحاب المعاني ذكر فيه شيئًا يشفي الغليل وقد سئلت عنه فكان جوابي فيه: أن الابن والبنت إنما يختصان بالذكر والأنثى عند الإطلاق في بني آدم، وأما في غير بني آدم فقد استعمل على غير هذا الوجه فقيل: ابن عرس وابن آوى، وابن دأية وابن قترة وابن الماء وابن الغمام وابن ذكاء وابن الأرض وبنت الأرض وبنت الجبل وبنت الفكر [١٤١/ب].
وما أشبه ذلك من الأسماء، وكل ذلك مستعار لمعان غير الذي يختص بالإنسان وكذلك نقول في ابن مخاض وابن لبون وبنت مخاض وبنت لبون، ويدلك على صحة ما ادعينا قولهم: بنات مخاض وبنات
[ ٢ / ٤٢٠ ]
لبون وبنات آوى، ولم يقولوا: أبناء لبون أو بنو مخاض، وقد ذكر عن الأخفش: بنو عرس وبنو نعش.
فأما ابن مخاض وابن لبون فلم يذكر في جمعها اختلاف، فالتقييد الذي ورد في الحديث بنت مخاض أنثى، وبنت لبون أنثى لرفع الاشتباه بما ذكرناه من النظائر.
وفيه: (ففيها حقة طروقة الجمل)، الحق بالكسر ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين، وقد دخل في الرابعة والأنثى حقة وحق أيضًا سمى بذلك لاستحقاقه أن يحمل عليه وينتفع به.
يقال: هو حق بين الحقة، وهو مصدر وطروقة الحمل التي بلغت أن يضربها الفحل.
وفيه: (ففيها جذعة)، يقال: للإبل في السنة الخامسة: أجذع وجذع، وهو اسم له في زمن ليس بن تنبت، ولا تسقط، والأنثى جذعة.
وفيها: (فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة ..) المراد من الزيادة على ثلثمائة وهو مائة أخرى؛ لأنه علق الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة، ثم قال (فإذا زادت)، تقل أن الزيادة اللاحقة بها مائة كاملة، ولم ينقل خلاف ذلك إلا في قول شاذ متروك.
وفيه: (ولا تخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار). أراد بالهرمة التي نال منها كبر السن، وأخر بها، ولا ذات عوار أي: عيب، يقال: سلعة ذات عوار، بفتح العين، وقد تضم.
وفيه: (ولا تيس إلا ما شاء المصدق). رواه أبو عبيد، بفتح الدال وتشديدها وهو الذي يعطي صدقة ماشيته، وخالفه عامة الرواة فقالوها بكسر الدال والتشديد، وهو الذي يأخذ الصدقات، وأكثر ظني أني وجدته في بعض المرويات بتشديد الصاد، وهو في معنى ما رواه أبو عبيد، وأصله المتصدق فقلبت التاء صادًا فأدغمت في مثلها، وبه ورد التنزيل ﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ وقل من يتابع أبا عبيد في روايته هذه، وقد وجدت أبا جعفر الطحاوي يختار رواية أبي عبيد (وينصرها)، ويقول: هو عندي كما قال أبو عبيد: لأنه [] على الذي وجب عليه، كان حرامًا على العامل أخذه لما فيه من الزيادة على الواجب، وإن كان دونه كان حرامًا عليه أن يأخذه بما عليه، وإن كان مثله في القيمة فهو خلاف النوع الذي أمر بأخذه لوجوبه على رب المال فحرام عليه أخذه بغير طيب نفس من صاحبه، فعلم أنه لم يرد به العامل، وإنما أراد به رب المال لأن [] أو مثل ما عليه من نوع آخر.
قلت: ولعل الذي يأخذ بهذا القول يجعل الاستثناء مختصًا بقوله: ولا تيس لأن رب المال ليس له أن يخرج في صدقته ذات عوار، وأما التيس فإنه وإن كان غير مرغوب فيه لنتنه وفساد لحمه فإنه ربما زاد على خيار النغم في القيمة لطلب الفحولة، ويشهد لهذا التأويل ما ورد في بعض طرق هذا الحديث: (ولا تيس الغنم) [١٤٣/أ] أي الفحل الذي يضربها، والذي ذكرناه من كلام أبي جعفر، وإن كان صحيحًا فإن الرواية التي ذهب إليها الجمهور [] العامل إذا كان [] النظر والمصلحة؛ لأنه أبعد من الشبهة فهو يسعى لغيره ورب المال يسعى لنفسه.
وفيه: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ). اختلف العلماء في تأويله فمنهم من يقول: هو أن يكون للرجل مائة وعشرون شاة، فالواجب فيها شاة فإن فرقها المصدق فجعلها أربعين أربعين كان فيها ثلاث شياه، وكذا إن كانا شريكين متفاوضين لا يجمع بين أغنامها ولا يجمع
[ ٢ / ٤٢١ ]
بين متفرق به، والرجلان بينهما أربعون شاة، فإن جمعها كان فيها شاة وإن فرقها لم يكن فيها شيء وهذا قول أبي حنيفة في تأويله ومنهم من يقول: هو أن يكون لكل واحد منهما أربعون شاة، فإذا أظلهما المصدق جمعوها لئلا يكون فيها إلا شاة واحدة.
(ولا يفرق بين مجتمع) هو أن الخليطين إذا كان لكل واحد منهما مائة شاة وشاة فيكون عليهما ثلاث شياه، فإذا أظلهم المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة [وشاة فيكون عليهما، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة]، وهو قول مالك، ومنهم من يقول: (لا يجمع بين متفرق) رجل له مائة شاة وشاة ورجل له مائة شاة فإذا تزكيا متفرقين ففيهما شاتان وإذا جمعتا ففيها ثلاث شياه، (ولا يفرق بين مجتمع) أي لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة شاة فإنما عليهم شاة فإذا فرقت [] وهو قول الشافعي﵁- قال: والخشية خشيتان، خشية الساعي أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن يكثر. روينا هذا القول عن الطحاوي عن المزنى عن الشافعين وقد قيل غير هذه الأقاويل لم نوردها حذرًا عن الإسهاب.
وفيه: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ..).
معنى هذا الكلام على قول من ذهب إلى أن الخلطة لها تأثير في حكم الصدقة بين ظاهر، وأما من قال لا حكم للخلطة على ما ذكره القائلون بها، وإنما الحكم للأملاك دون ما سواها، فإنه يقول: معنى هذا القول ان يكون الرجلان لهما مائة وعشرون شاة لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث وطالبهما المصدق غير منتظر قسمة تلك الأغنام فإنه يأخذ من جملتها شاتين فما أخذ من الحصتين جائز عن المالكين فصاحب الثلثين يأخذ منه شاه وثلث شاة، وقد لزمه في الصدقة شاة، وصاحب الثلث قد أخذ منه ثلثا شاة، وقد لزمه شاة فيتراجعان بينهما بالسوية، يرجع صاحب الثمانين على صاحب الأربعين في غنمه بثلث شاة الذي أخذ [بحصته] عن الغنم بحصة زكاته حتى يرجع حصة صاحب ثمانين من الغنم إلى تسع وسبعين، وحصة صاحب الأربعين إلى تسع وثلاثين. (وفي الرقة ربع العشر) الرقة: الدراهم المضروبة، وأصله الورق والهاء عوض من الواو [١٤٣/ب] ويجمع على رقين، وفي أمثالهم إن الرقين تغطى أفن الأفين.
[١٢١٦] ومنه قوله - ﷺ - في حديث ابن عمر﵄-: (أو كان عثريًا ..) العثري بالتحريك: العذين وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر.
[١٢١٧] ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (العجماء جرحها جبار .. الحديث).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
العجماء: البهيمة، وإنما سميت عجماء؛ لأنها لا تتكلم، وكل من لا يقدر على الكلام أصلًا فهو أعجم ومستعجم.
وقوله: (جبار) أي هدر، يقال: ذهب دمه جبار، أي هدرًا، والمراد من العجماء التي جرحها جبار: الدابة المنفلتة من صاحبها ليس لها قائد ولا راكب يسلك بها سواء السبيل فمن جرحته أو أتلفته فلا دية فيه ولا غرامة، وإنما يكون ذلك جناية ذات ضمان إذا انضم إليها صنع من صاحبها سائقًا أو قائدًا أو راكبًا، فلا (يصرفها) إلى وجهها ولا يردعها.
وفيه: (والبئر جبار ) أي إذا انهار البئر التي يأمر الإنسان بحفرها في ملكه، أو المعدن على من يعمل فيهما فهلك، لم يؤخذ به مستأجره، وفي البئر وجه آخر، وهو أن يحفر الإنسان بفلاة من الارض بئرًا يستقي منها أبناء السبيل فيقع فيها إنسان فيهلك، لا يلزم الحافر شيء.
وفيه: (وفي الركاز الخمس )، قيل دفين أهل الجاهلية، كأنه ركز في الأرض ركزًا، ومنه نقول: أركز الرجل، إذا وجد الركاز، وهو عند أهل الحجاز المال العادي على ما ذكرناه، وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: المراد منه في الحديث: المعدن، واستدل بحديث عمرة بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا سال رسول الله - ﷺ - عما يوجد في الخراب العادي، فقال: فيه وفي الركاز الخمس، فقال: أخبر بدءًا عن المال المدفون، ثم عطف عليه الركاز والمعطوف غير المعطوف عليه.
وقد ذكر أبو بكر الرازي بإسناده عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: (في الركاز الخمس) قالوا: يا رسول الله، وما الركاز؟ قال: الذهب والفضة الذي خلق الله في الأرض يوم خلقه).
قلت: حديث عبد الله بن سعيد عن أبيه (عن ) غير محتج به، فإن أهل العلم بالجرح والتعديل تكلموا فيه، فأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فصالح، وأكثر أهل الحديث يحتجون به ويثبتونه، لاسيما إذا عرف أن الضمير في جده راجع إلى أبي عمرة لا إلى عمرو إذ ليس فيه مقال إلا من هذا الوجه، وتسمية المعدن بالركاز إن لم يوجد في أهل اللغة فإنها سائغة من طريق المقاييس اللغوية، وقد نقل عن محمد بن الحسن الشيباني وهو مع رسوخه في الفقه يعد من علماء العربية أنه قال: إن العرب تقول: ركز المعدن إذا كثر [١٤٤/أ] ما فيه من الذهب والفضة.
(ومن الحسان)
[١٢١٨] قوله - ﷺ - في حديث على ﵁: (وفي البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة).
[ ٢ / ٤٢٣ ]
التبيع خص بولد البقر إذا اتبع أمه بعد تمام سنة، والأنثى تبيعة، والمتبع من البهائم التي يتبعها ولدها، وولد البقرة في أول سنة عجل ثم تبيع ثم جذع ثم ثنى ثم رباع ثم سديس ثم سالغ، يقالك سلغت البقرة إذا اسقطت السن التي خلف السديس، فهي سالغ وصالغ وكذلك الأنثى بغير الهاء والمسنة هي البالغ، يقال لها: سالغ سنة وسالغ سنتين إلى ما زاد.
[١٢٢٠] حديث أنس﵁- عن النبي - ﷺ -: المعتدي في الصدقة: أراد أن العامل الذي يعتدي في أخذ الصدقة عن مقدار الواجب هو في الوزر كالذي يمتنع عن أداء ما وجب عليه.
[١٢٢٤] ومنه حديث سهل بن أبي حثمة﵁- أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: (إذا
[ ٢ / ٤٢٤ ]
خرصتم فدعوا الثلث الحديث) الخرص: حزر ما على النخل من الرطب تمرًا، وقد خرصت النخل، والاسم الخرص بالكسر، يقال: كم خرص أرضك. وقد روى أبو داود هذا الحديث في كتابه، وفيه: (إذا خرصتم فجدوا ودعوا الثلث) وكذلك رواه أبو عيسى في كتابه، ومن رواة الكتابين كتاب أبي داود وكتاب أبي عيسى من يرويه بالجيم من الجداد، ومنهم من يرويه فخذوا بالخاء والذال المعجمتين من الأخذ، وأراها أولى الروايتين لما رواه أبو عبد الرحمن في كتابه: (إذا خرصتم فخذوا أو دعوا الثلث فإن لم تأخذوا أو تدعوا- شك شعبة- فدعوا الربع، وقد سقط هذا اللفظ المختلف فيه عن كتاب المصابيح أو تركه للالتباس الذي فيه، والحديث لا يقرر معناه في نصابه إلا بعد الإتيان به على نعت التمام مع استيفاء طرقه، وإذ قد أعطينا اللفظ حقه نأخذ في تقرير معناه.
فأما قوله: (فجدوا ..) فالمعنى لا تقدموا على صرام النخل حتى تخرصوها فإذا خرصتموها فجدوا، وأما الرواية الأخرى فمعناها: إذا خرصتم التمرة فخذوا منها ما شيءتم، وأما تأويل الحديث على ما رواه النائي: هو أن نقول: ظاهر هذا الحديث يدل على أن هذا الخرص كان في مال الفيء من أموال خيبر
[ ٢ / ٤٢٥ ]
والنضير دون ما يجب فيه العشر خاصة بحكم الزكاة، وذلك لأن ما وجب فيه العشر لم يؤخذ منه الثلث، فأما أرض خيبر فإن النبي - ﷺ - عامل يهود خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، وما حط عنه الثلث لقوله: (فدعوا الثلث) فإن شطر ما بقى ثلثًا آخر، فسواء في هذه الصورة قوله: (فجذوا الثلث). وقوله (فدعوا الثلث) كان شطر ما بقى آخر، فسواء سمع الراوي كلا الروايتين أو احديهما. وأما وجه الأمر بحط الثلث فلما تختزنه الأكلة [١٤٤/ب] وتنتابه العافية، ولما وقع على الأرض من السقطات، وقد ورد في الحديث أن النبي - ﷺ - كان يقول للخراص- إذا بعثهم- (احتاطوا لأهل الأموال في النابتة والواطئة).
قلت: الواطئة، قيل: إنها السابلة، وقيل: فاعلة بمعنى مفعولة، أي: الموطوءة وهي الساقطة وقد ذكر أبو داود في كتابه بعد هذا الحديث أن الخارص يدع الثلث للخرفة كذلك.
قال يحي القطان: وقد اختلف العلماء في إثبات الخرص والعمل به، فأما الذاهبون إليه فإنهم استدلوا بهذا الحديث وحديث عائشة وابن عمر وعتاب بن أسيد وجابر ﵃، وقالوا: إن الصحابة عملوا به بعد النبي - ﷺ - وأما من أبي تجويزه والعمل به، فإنه يقول: قد روينا عن جابر أن رسول الله - ﷺ - (نهى عن الخرص)، وقد اتفق المسلمون على أن بيع الرطب بالتمر نسيئة غير جائز، وفي ذلك تمليك رب المال ما وجب في ماله من حق الله رطبًا بمكيلته تمرًا نسيئة.
وفي حديث رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة أن رسول الله - ﷺ - (نهى عن بيع المزابنة التمر بالتمر إلا لأصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل تمر بخرصه.
وكان الشعبي ينكر الخرص، وهو من كبار التابعين بالكوفة [] الصحابة.
وفي حديث سهل بن أبي حثمة: (فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع) فكيف العمل به، وليس لرب المال أن يعطي دون ما وجب عليه، ولا للعامل أن يأخذ منه فوق ما وجب عليه.
ثم إنا نرى الأمر بخلاف ذلك في غيره من الحقوق الشرعية، فعلينا أن نأول أحاديث الخرص على وجه نبين به تلك القواعد؛ فمن قائل من أهل هذه المقالة: أن الخرص شرع قبل تحريم الربا، وكان العمل بالظن والتخمين في أمثال ذلك جائزًا يومئذ، فلما حرمت الربا نسخ ذلك، وهذا التأويل غير مستبعد لولا حديث عتاب بن أسيد فإنه من مسلمة الفتح، والربا كانت يومئذ محرمة، وقد قال النبي - ﷺ - يوم فتح مكة في خطبته: (وربا الجاهلية موضوعة).
ومنهم من يقول: إنما أمر بالخرص تخويفًا للأكرة وأجراء النخيل وأحراسها والقائمين بأمرها كيلا يخونوا.
وقد كان - ﷺ - عامل يهود خيبر فكان يبعث إليهم عبد الله بن رواحة ليخرصها عليهم؛ لأنهم كانوا فجارًا خونة يستحلون مال الله، وهذا أمثل المقولين.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: إنما أريد بالخرص الذي أمر به ابن رواحة أن يعلم مقدار ما في أيدي كل قوم فيؤخذ منهم بقدره وقت الصرام، لا أن يملكوا شيئًا مما يجب لله فيه ببدل لا يزول ذلك البدل عنهم، وكيف يجوز ذلك ويحتمل أن يصيب الثمرة آفة فتتلفها فيكون ما يؤخذ من صاحبها بدلًا مما لم يسلم له.
قال: وكذلك نقول في حديث عتاب بن أسيد وغيره [١٤٥/أ].
[١٢٣١] ومنه حديث أورده عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن مرسلًا (أن النبي - ﷺ - أقطع لبلال بن الحارث المزني المعادن القبلية ..) الحديث.
أقطعه الإمام قطيعة أي طائفة من أرض الخراج، والإقطاع يكون تمليكًا وغير تمليك.
وكان عمر﵁- يرى أن الإقطاع من الإمام ليس على وجه التمليك لم يقطع له إنما هو على وجه الإرفاق والإمتاع، ولهذا قال لبلال بن الحارث المزني: ما أقطعك رسول الله - ﷺ - العقيق (لتحتجنه) فأقطعة الناس، ومعنى قوله: (لتحتجنه) أي: تحوزه وتمتلكه، دون الناس.
والمعادن القبلية: المحفوظ عند أصحاب الحديث بفتح القاف والباء، وكسر اللام. وزعم بعضهم أنها منسوبة إلى قبائل العرب، من قولهم: رجل قبلي، إذا نسب إليها، وقيل: القبلية منسوبة إلى ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل: القبلية موضع بعينه من ناحية الفرع، والفرع موضع بأعالي المدينة واسع، وفيه مساجد للنبي - ﷺ -، وبه قرى كثيرة، وهو بين الحرمين، وفي كتاب الأمكنة: القبلية بكسر القاف بعدها باء مفتوحة، والعقيق الذي ذكر في حديث عمر﵁- هو الذي ذكر في هذا الحديث بالمعادن القبلية، وفيه بئر على مقربة منه، وهو من بلاد مزينة، ولفظ الحديث على ما وجدناه: (أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح للزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم).
وحديث بلال هذا سمعناه من كتاب المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني بإسناده إلى بلال بن الحارث، وفي بعض ألفاظه اختلاف.
وقوله: (جلسيها وغوريها) أي ما ارتفع منها وما انخفض. والجليس: الغليظ من الأرض، ومنه جمل جلس وناقة جلس، أي: وثيقة والجلس أيضًا نجد وإياه عنى في الحديث، وقوله: (من قدس) هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة، وقيل: هو جبل.
قال الجوهري: (وقدس) بالتسكين جبل عظيم بأرض نجد، وفي كتاب الأمكنة: (وحيث يصلح الزرع من قريس)، قال: وقرس وقريس جبلان قرب المدينة.
[ ٢ / ٤٢٧ ]