(من الصحاح)
[٧٨٣] حديث عائشة﵂-: (لما ثقل رسول الله - ﷺ -) الثقل هاهنا: عبارة عن اشتداد المرض وتناهي الضعف، وركود الأعضاء عن خفة الحركات.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وفيه (يهادى بين رجلين). أي يمشي بينهما معتمدا عليهما، يقال: جاء فلان يهادي بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله، وكذلك المرأة إذا تمايلت في مشيتها من غير أن يماشيها أحد قبل: تهادي ولعل هذا اللفظ أخذ من الهادي وهو العنق؛ لأن الماشي بين اثنين يصغي عنقه تارة إلى ذاك وتارة إلى هذا، وكذا المتمايلة في مشيتها تصغي عنقها إلى يمين وشمال.
والرجلان هما علي والعباس﵄- والمشكل من هذا الحديث ما اختلف فيه من إمامة أبي بكر﵁- وما نقل عن بعض العلماء في تأويله، ومعارضتهم هذا الحديث بالحديث الذي تقدمه من حديث أنس وسنحكي عنهم قولهم، ثم نبذل المجهود ما أمكن في نفي التضاد.
فنقول ومن الله المعونة: أنكر جمع من أهل الحديث (نسخ حديث أنس بهذا الحديث، ورأوا العمل بالحديثين في موضعيهما، منهم: أحمد وإسحق بن راهويه ونفر من أهل الحديث) ونقل عن أبي عبد الله أحمد أنه قال: إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائما ثم مرض في أثناء الصلاة، فقعد صلى من خلفه قياما لحديث عائشة، وإذا ابتدأ بهم الصلاة جالسا صلوا خلفه جلوسا لحديث أنس.
وقال بعضهم: إن رواية عائشة﵂- في هذا الحديث متعارضة فروى الأسود عنها: (أن النبي - ﷺ - كان إماما) وروى مسروق عنها (أن أبا بكر كان إماما). فلما تعارضت الروايتان، لم يجز ترك حديث أنس في القعود لحديثها، وأول بعضهم قولها: (وأبو بكر) يقتدي بالنبي - ﷺ -. أي: يقتدي أبو بكر بصلاته أي: يختار اللبث في هيئات الصلاة بقدر طاقة النبي - ﷺ - للمرض الذي كان به، واستدل على هذا التأويل بقوله - ﷺ - في حديث عثمان بن العاص الثقفي﵁- (أنت إمام قومك واقتد بأضعفهم).
فالجواب: أن يقول: أما ما ذكروا من اختلاف الرواية عن عائشة﵂- فإن عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن [مسعود] والأسود رووا هذا الحديث عنها وفي حديثهم أن النبي - ﷺ - صلى بهم تلك الصلاة وأبو بكر يقتدي به، وعلى هذا الوجه روى عن ابن عباس﵃-.
[ ١ / ٢٩٩ ]
وقد روي عن مسروق عن عائشة قالت: (صلى رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدا). وحديث مسروق هذا لا يقاوم حديث الجماعة؛ لأن روايتهم (١٠٦/ب) عنها فيما اتفقوا عليه، أولى من رواية المتفرد مع ما روي عن ابن عباس على نحو ما رووه عن عائشة﵂- ومع هذا فلا حاجة بنا إلى ذا القول، فنحن نقدر على التوفيق بين الحديثين، وذلك أن نقول: قد ثبت أن أبا بكر كان يصلي بالناس تلك الأيام. فنحمل حديث مسروق عنها على أن صلاة النبي - ﷺ - مقتديا بأبي بكر﵁- كانت في صلاة أخرى من تلك الصلوات التي صلوها في تلك الأيام. والتي اقتدى فيها أبو بكر النبي - ﷺ - على ما رواه ابن عباس وعائشة في رواية عروة وعبيد الله والأسود عنها هي التي صلاها رسول الله - ﷺ - في الكرة الآخرة، ويحقق هذا التأويل ما روي في حديث ابن عباس وعائشة﵃-: (أنه جلس عن يسار أبي بكر) وهو موقف الإمام، وقد كان موقف أبي بكر موقف الإمام؛ لأنه كان عن يمين النبي - ﷺ - ويحققه أيضا ما رواه أرقم بن شرحبيل في حديثه عن ابن عباس أنه قال: فاستتم لرسول الله - ﷺ - من حيث انتهى أبو بكر من القراءة. ومما يشهد لهذا القول بالصحة أن عائشة﵂- من جملة من روى صلاة النبي - ﷺ - جالسا، حين سقط عن فرسه، فلو لم تعلم بالنسخ لم ترو خلاف ذلك في الحديث الآخر، وعلى هذا الذي ذكرناه، فالتأويل الذي ذكرناه ونقلناه عن بعض أهل العلم في قول عائشة﵂- وأبو بكر يقتدي بالنبي - ﷺ - غير مستقيم بل هو في قولها: والناس يقتدون بأبي بكر صحيح أي يصنعون كما يصنع (ومثله قوله - ﷺ - تقدموا وائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم أي اصنعوا كما أصنع وليصنع) من بعدكم كما تصنعون، وقد قيل لبعض العلماء- وقد حدث بهذا الحديث فعلى هذا يجوز أن يدخل القوم في الصلاة قبل أن يدخل الإمام، فكان من جوابه أن الإمام كان أبا بكر قبل النبي - ﷺ - فلما جاء انتقلت الإمامة إليه فكان فيما بعد هو الإمام.
قلت: لو كان الداخل في الصلاة غير النبي - ﷺ - لكان السرد في الانتقال محتملا لبسط المقال، لكن أمره - ﷺ - في أبواب الفضيلة والخاصية ممتاز عن أمر غيره ثم إنا وجدنا لانتقال الإمامة سنادا في حديث سهل بن سعد﵁- لما خرج النبي - ﷺ - إلى بني عمر بن عوف ليصلح هو بينهم، وهو حديث صحيح، لا اختلاف فيه، وقد قال فيه سهل: (فصلى أبو بكر، فجاء (١٠٧/أ) النبي - ﷺ - والناس في الصلاة [فخلص] حتى وقف في الصف فصفق الناس وساق الحديث إلى أن قال: ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي - ﷺ - فصلى).
قلت: وليس في هذا الحديث أن القوم استأنفوا تكبيرة الإحرام؛ بل كانوا على ما هم عليه من صلاتهم، ويدل عليه قوله - ﷺ - حين انصرف عن الصلاة: (مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق من فاته في صلاته شيء فليسبح) وإذ قد صح أن حديث أنس: (فإذا صلى قاعدا فليصلوا قعودا أجمعون). متقدم على هذا الحديث حكم بأن الآخر ناسخ للأول، وقد أخذ بهذا الأعلام من أهل الاجتهاد، والقياس يشهد لهم بصحة ما ذهبوا إليه وهو أن الإمام لا يحيل الكوع والسجود الإيماء، فكذلك لا يحيل القيام إلى
[ ١ / ٣٠٠ ]
القعود وكانت صلاة النبي؟ جالسًا في الكرة الأولى حين سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن، فصلى جالسًا في بيته، وقال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
وذكر علماء السير أن ذلك حين ركب إلى الغابة في ذيي الحجة من السنة الخامسة وقد رواه أنس وجابر وعائشة، وأبو هريرة، والأظهر أن أبا هريرة سمعه من بعض الصحابة على ما ذكرناه من التاريخ، لأن إسلامه كان في السنة السابعة، وفي أحاديثه نظائر لما ادعينا، والله أعلم.