(من الصحاح)
[٦٦٦] حديث معاوية بن الحكم السلمي﵁- (بينما أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس
[ ١ / ٢٦٣ ]
رجل من القوم الحديث) قوله (فرماني القوم بأبصارهم) المراد منه سرعة الالتفات والتحاق البصر به (٩١/ب) ونفوذه فيه؛ استعير من رمى السهم وغيره.
وفيه (فبأبي هو وأمي) بأبي هو أي أفدي به المذكور وهو محله النصب بالمفعولية وهي كلمة تطلق في التوقية والتفدية عند التعظيم والتعجب.
وفيه (والله ما كهرني) أي لم يزجرني، والكهر: الانتهار. وفي حرف ابن مسعود﵁- ﴿فأما اليتيم فلا تكهر﴾ وقد قال الكسائي: كهره وقهره بمعنى.
وفيه (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) فيه دليل على أن الكلام في الصلاة يقطع الصلاة وإن كان متضمنا لمصلحة من مصالح الصلاة، ويستدل به أيضا من يرى أن الكلام في الصلاة ناسيا لا يفسد الصلاة ويقول إن النبي - ﷺ - علمه أحكام الصلاة وبين له تحريم الكلام فيها ثم لم يأمره بإعادة الصلاة، وأجاب عنه من يرى خلافه بأن الحجة لم تكن قامت عليه بنسخ ذلك فلهذه لم يأمره بإعادتها ويحتمل أنه أمر بالإعادة ولم يذكره الناقل.
وفيه (ومنا رجال يتطيرون) يقال تطير فلان واطير وأصله التفاؤل بالطير ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم وكان من مذهب أهل الجاهلية التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحو ذلك، وكانوا يتطيرون بأصوات الطير وكان ذلك يصدهم عن المسير ويردهم عن مقاصدهم، فأخبر النبي - ﷺ - بقوله: (ذلك شيء يجدونه في أنفسهم) أي ليس لها تأثير في البدن من نفع أو ضر وإنما هو وهم ينشأ عن نفوسهم. وقوله (فلا يصدنهم) أي لا يصدنهم التطير عما يتوجهون إليه من المقاصد ويحتمل وجها آخر وهو أن يراد به: فلا يصدنهم التطير عن سواء السبيل والصراط المستقيم.
وفيه (ومنا رجال يخطون الخط) الذي كان أهل الجاهلية يخطون فينظرون فيه ويقولون به وأن يأتي
[ ١ / ٢٦٤ ]
أحدهم العراف في حاجة فيعطيه حلوانا فيخط في الرمل أو في أرض رخوة خطوطا متتابعة على استعجال لئلا يلحقها العدد، وغلام له بين يديه يقول على وجه التفاؤل: ابني عيان أسرعا البيان. ثم إن العراف يمحو على مهل خطين خطين، فإن بقى زوج فذلك عنده علامة النجح وإن بقى فرد فذلك علامة الخيبة واليأس. هذا هوا المشهور من خط العرافة من العرب وهذا النوع، لا يدخل له في جملة العلوم المرئية وإنما هو من باب الكهانة التي ورد الشرع ببطلانها وأبى أن يكون بها عبرة. وأما قول من يدعي أن السائل (٩٢/أ) أشار بالخط علم الدجل الذي يتعاطاه العرافون فإن مبنى قوله على الظن والتخمين، والنبي - ﷺ - لم يبين صفة خط ذلك النبي حتى يتكلم هذا الزاعم في المناسبة بين الخطين، وقد ذكر أبو سليمان الخطابي- شكر الله سعيه- في بيان قوله - ﷺ - (فمن وافق خطه فذاك) يشبه أن يكون أرد به الزجر عنه وترك التعاطي له إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي ولا يهتدون إلى صفته؛ لأن خطه كان علما لنبوته؛ وقد انقطعت نبوته فذهب معالمها.
قلت: وقوله - ﷺ - (فمن وافق خطه) هو بنصب الطاء فيما أعلمه من طريق الرواية، والمعنى فمن وافق فيما يخطه خط ذلك النبي فذاك يصيب، وفي بعض الروايات فمن وافق خطه علم، ورفع الطاء من خطه محتمل ولا أحققه رواية فإن وردت به الرواية فالتقدير فمن وافق خطه خط ذلك النبي - ﷺ - أصاب وعرف، ويحتمل على الرفع وجها آخر وهو أن يراد به تفخيم ما كان أوتي ذلك النبي من ذلك وتوهين ما سواه، والمعنى فمن وافق خطه الصواب فذاك، وذلك مثل قول القائل: إذا حدث بأناس يزعمون تسخير الجن واستخدامه. كان سليمان﵇- يستخدمهم ويستعملهم فمن أمر حكمهم وملك أمرهم فذاك؛ يريد به تفخيم أمره وتقريره واستقصار ما يدعيه غيره، فإن قيل: فإذا كان الأمر على ما ذكرت فلما أبهم النبي - ﷺ - في الجواب وأعرض عن الرد عليه بتصريح المقال وأضرب عن الإبانة ولم يبين الحكم فيه كما بين في الطيرة والكهانة؛ قلنا: إن الطيرة والكهانة لم يزالا من شأن المشعوذين وولاة الشياطين فأنكرهما كل الإنكار، ولما انتهى الأمر إلى الخط لم يقابل قول القائل بصريح الإنكار لما بين الخطين من الاشتراك في التسمية فذكر أن الحق من هذا الجنس [ما أدى من ذلك النبي مشيرا إلى ما سواه باطل لا طائل تحته].
[٦٦٩] ومنه: حديث أبي هريرة﵁- (نهى النبي - ﷺ - عن الخصر في الصلاة) فسر الخصر
[ ١ / ٢٦٥ ]
في هذا الحديث بوضع اليد على الخاصرة وقيل أنه من صنيع اليهود فنهى عنه وذكر أن إبليس أهبط إلى الأرض وهو في تلك الهيئة. والخصر لم يفسر على هذا الوجه في شيء من كتب اللغة ولم أطلع عليه إلى الآن في شيء مما يعتمد عليه من كتب أصحاب الغريب والحديث على هذا الوجه أخرجه البخاري في جامعه غير أنه لم يذكر فيه النبي - ﷺ - وإنما رواه عن أبي هريرة وسياق حديثه (نهى عن الخصر في الصلاة) وهذا الحديث على هذا الوجه لم نصادفه في شيء من كتب الأحكام إلا في كتاب البخاري ثم إنه روى هذا الحديث في كتابه من طريق آخر عن أبي هريرة﵁- ولفظه (نهى أن يصلي الرجل مختصرا) ثم ذكر (٩٢/ب) بعده أن أبا هريرة يرويه عن النبي - ﷺ - ورواه مسلم أيضا عن أبي هريرة﵁- ولفظه: عن أبي هريرة (أن النبي - ﷺ - نهى أن يصلي الرجل مختصرا) وكذلك رواه الدارمي والترمذي والنسائي في جوامعهم، ورواه أبو داود عن أبي هريرة أنه قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الاختصار في الصلاة)، فتبين لنا من هذه الأحاديث أن المعتبر من اللفظين هو الاختصار لا الخصر ولعل بعض الرواة ظن الخصر يرد بمعنى الاختصار. والاختصار هو وضع اليد على الخاصرة، وقد قيل: هو اتخاذ المخصرة في الصلاة متكئا عليه، وهذا المعنى وإن كانت اللغة العربية تقتضيه، فإن التفسير الذي اشتهر فيه عن الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم يحكم بخلاف ذلك، وقد
ذكر النسائي في كتابه بعد- حديث النهي عن الاختصار- حديثا يبين معنى الاختصار، وهو: ما رواه بإسناده عن زياد بن صبح، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خصري، فقال لي هكذا ضربة بيده، فلما صليت، قلت لرجل: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر. قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما رابك مني؟ قال: هذا الصلب، وإن رسول الله - ﷺ - نهانا عنه).
قلت: وإنما سمي صلبا لأنه شبه الصلب، وذلك أن المصلي إذا وضع يديه على خاصرتيه صار كالمصلوب، الذي يمد باعه على الجذع.
[٦٧٢] ومنه: حديث أبي قتادة الأنصاري﵁- (رأيت النبي - ﷺ - يؤم الناس، وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه الحديث) بين أبو سليمان الخطابي وجه هذا الحديث، وحاصل كلامه: أنه لا يكاد يتوهم عليه أنه كان يتعمد لحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى؛ لأن العمل في ذلك قد يكثر فيتكرر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته، ثم ليس فيه شيء سوى قضائها وطرا لا طائل تحته، ولا فائدة فيه، فالتأويل: أن الصبية لطول ما ألفته واعتادته في ملابسته في غير الصلاة، كانت تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة، فلا يدفعها عن نفسه، فإذا أراد أن يسجد وهي على عاتقه وضعها: بأن يرسلها إلى الأرض، حتى يفرغ من سجوده، وإذا أراد القيام عادت إلى مثل حالها الأولى، فصارت
[ ١ / ٢٦٦ ]
موضوعة في حال انحطاطه، مرفوعة في حال استوائه، فأضيف الوضع والرفع إليه لتعلقها بفعله الصادر عنه.
[٦٧٣] ومنه: حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (إذا تثاءب أحدكم في الصلاة الحديث) يقول: تثاءبت، على بناء: تفاعلت، إذا فتحت فاك وتمطيت، لكسل أو فترة، والاسم منه الثؤباء، ويقال (٩٣/أ) أيضا: تثأبت، على بناء: تفعلت، ولا جائز أن يقول: تثاوبت؛ قلت وإنما كره ذلك لأنه دأب من يتسع في المطاعم، حتى تكتظ معدته، فتتملكه الغفلة، ويستحوذ عليه الشيطان (فليكظم ما استطاع) أمر بالمدافعة، لئلا يسترسل فيه فيتعود، فيتمكن منه الشيطان، وهذا يعني الدخول، إذ المتمكن من الشيء هو الداخل فيه، أو كالداخل فيه.
[٦٧٤] ومنه: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة﵁-: (إن عفريتا من الجن تفلت علي
[ ١ / ٢٦٧ ]
البارحة) العفريت من الجن: هو العارم الخبيث، ويقال للرجل الخبيث الداهي: العفر، والعفر: الخنزير الذكر، سمي به لخبثه، والعفريت من كل شيء: المبالغ، يقال: عفريت نفريت، ويستعار ذلك للإنسان استعارة الشيطان له، والتفلت والإفلات والانفلات: التخلص والتملس من الشيء فلتة وفجأة من غير تمكن. ومنه الحديث: تدارسوا القرآن، فلهو أشد تفلتا من اللقاح من عقلها)، والمعنى: يعرض لي بغتة يخلبني في صلاتي. وفيه: (فرددته خاسئا) أي: صاغرا مهينا، من قولهم: خسأت الكلب فخسأ، أي: زجرته مستهينا به فانزجر، وذلك إذا قيل له: اخسأ.
(ومن الحسان)
[٦٨٤] حديث دينار الأنصاري﵁- رفعه قال: (العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة
[ ١ / ٢٦٨ ]
والحيض والقيء والرعاف من الشيطان) قلت: هذه خصال طبيعية ترد على الإنسان من غير اختيار، ومنها ما لا مدفع له، ومنها ما إذا غلب على الإنسان لم يستطع مقاومته، ثم إن الكسل بإيجاد من الله سبحانه الذي خلق كل شيء، فأضافها إلى الشيطان من حيث إنه يرتضيها ويستحسنها، ويجد بها إلى السبيل إلى ما يبتغيه من قطع الصلاة على المصلي، أو قطع القراءة، والحيلولة بينه وبين ما ندب إليه من الحضور بين يدي الله، والاستغراق في لذة المناجاة، والله أعلم.
ودينار راوي هذا الحديث هو: أبو ثابت جد عدي بن ثابت، وقد انفرد بالرواية عنه ابنه ثابت، وقد روى عنه حديثين لا غير، هذا الحديث وهو حديث لا يكاد يصح إسناده، وحديثا آخر في المستحاضة وقد مر في باب الاستحاضة، وهو أيضا حديث يضعفه علماء النقل.
[٦٨٥] ومنه حديث ابن الشخير﵁- (ولجوفه أزيز كأزيز المرجل) أزيز المرجل: صوت
[ ١ / ٢٦٩ ]
غليانه، ومنه الأز، وهو: الإزعاج والتهييج والإغراء، وفي معناه قوله سبحانه: ﴿تؤزهم أزا﴾ أي: تهيجهم. تهيج القدر: إذا اشتد غليانها.
[٦٩٢] ومنه: حديث عائشة﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا أحدث أحدكم في صلاته، فليأخذ بأنفه، ثم لينصرف) قلت: إنما أمره أن يأخذ بأنفه، ليخيل إلى غيره أنه مرعوف، وهي من المعاريض الفعلية، رخص له فيها وهدى إليها، لئلا يسول له الشيطان أن يمضي في صلاته، استحياء من الناس، وفيه أيضا تنبيه على إخفاء الحدث في تلك الحالة.