(من الصحاح)
[٥٤٣] حديث أبي هريرة﵁: (كان رسول الله - ﷺ - يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة) هي إفعالة من السكوت، ومعناها سكوت يقتضى بعده كلاما، أو قراءة مع قصر المدة؛ ألا ترى الراوي يقول للنبي - ﷺ - ما تقول في إسكاتك فقال : اللهم باعد بيني وبين خطاياي الحديث وإنما أراد بهذا السكوت ترك رفع الصوت بالكلام؛ ألا تراه يقول ما تقول في إسكاتك، أي: سكوتك عن الجهر دون السكوت عن القراءة والقول.
وفيه (اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد)؛ قلت: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها؛ تبيانا لأنواع المغفرة التي لا تخلص من الذنوب إلا بها، أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس والأوضار ورفع الجنابة والأحداث. ويحتمل أنه يسأل الله تعالى أن يغسل خطاياه بهذه الأنواع التي يستعملها المتطهرون لرفع الأحداث؛ والمعنى: كما جعلتها سببا لحصول الطهارة فاجعلها سببا لحصول المغفرة؛ وبيان ذلك في حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ -: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر (معها) بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ) الحديث
[٥٤٤] ومنه قوله - ﷺ - في حديث علي﵁: (سبحانك وبحمدك) أي: أنزهك يا رب من
[ ١ / ٢٣٣ ]
كل سوء، وبحمدك سبحتك ووقفت لذلك، ونصب سبحانك على مذهب المصدر أراد سبحتك تسبيحا فوضع سبحان موضع التسبيح.
وفيه (لبيك وسعديك) ألب بالمكان إذا أقام به ولزمه، قال الخليل: ولب لغة فيه، قال الفراء: ومنه قولهم لبيك: أي أنا مقيم على طاعتك ونصب على المصدر كقولك: حمدا لله وشكرا وقال الخليل: هو من قولهم: دار فلان تلب داري: أي تحاذيها، أي أنا مواجهك بما تحب وإنما ثنى على التأكيد، أي إلبابا بك بعد إلباب، وإقامة بعد إقامة أو مواجهة إليك بما تحب بعد مواجهة. وسعديك: أي إسعادا بعد إسعاد، والمعنى ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة.
وفيه (والشر ليس إليك) أي: ليس مما يتقرب به إليك، هذا كقول القائل: فلان إلي بني أسد، إذا كان عداده فيهم أو صفوه معهم أي ليس انتماء الشر إليك.
قلت: وليس المعنى على ما يأوله القدرية ولقد علمنا [٨٢/ب] أهل الدين أن الله خالق كل شيء وإنما المعنى: أنك تملك الخير كله وكل ما تخوله وتنعم به على عبادك فهو خير كله، والشر ليس انتماؤه إليك؛ لأنك تخلق الأشياء على ما تقتضيه الحكم فلا ينتمي إليك الشر، فإنك وإن خلقته فقد نهيت عنه ولا يصح نسبة الشرية إلى أفعالك التي هي جارية على سنن الرشاد متضمنة للحكمة البالغة متعالية عن نسبة القبح إليها، وإنما يضاف ذلك إلى اكتساب العباد إضافة مختصة بهم.
وفيه (أنا بك وإليك) أي أستجير وإليك ألتجى أو بك أحيا وأموت وإليك المرجع والمصير ونحو ذلك من التقديرات.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وفيه (لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك) أي لا مهرب ولا مخلص منك ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك. ومنجا مقصور لا يجوز أن يمد ويهمز والأصل في الملجأ: الهمز ومن الناس من يلين همزه؛ ليزدوج الكلمة التي قبله.
[٥٤٥] ومنه قول أنس﵁- في حديثه (لقد حفزه النفس) أي اشتد به، والحفز حثك الشيء من خلفه.
قال الراجز:
يريح بعد النفس المحفوز
يريد النفس الشديد المتتابع الذي كأنه يحفز: أي يدفع من سباق.
(ومن الحسان)
[٥٤٦] حديث عائشة﵂: (أن النبي - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك ) الحديث.
قد مر تفسير (سبحانك وبحمدك). وفيه (وتبارك اسمك) تبارك هو تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع وتبارك هي بارك مثل: قاتل وتقاتل إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى، ومعناه: تعالى وتعظم وكثرت بركاته في السموات والأرض إذ به تقوم وبه تتنزل الخيرات وفي كتاب الله ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾، ﴿تبارك الذي نزل الفرقان﴾، ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ وكل ذلك تنبيه على اختصاصه سبحانه بالخيرات الإبداعية والبركات المتوالية.
وفيه (وتعالى جدك) أي عظمتك؛ ومنه قول أنس﵁: (كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا) أي عظم وهذا الحديث نجده في كتاب المصابيح وقد رماه المؤلف بالضعف وليس الأمر على ما توهمه إذ هو حديث حسن مشهور أخذ به من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب﵁. والحديث مخرج في كتاب مسلم عن عمر ﵁ وقد أخذ به عبد الله بن مسعود﵁-
[ ١ / ٢٣٥ ]
وغيره من فقهاء الصحابة، ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا [٨٣/أ] بذلك من غير أسوة ولهذا ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم فالظاهر أن هذا اللفظ- أعني: ضعيف- تزيد من بعض الناس، وإن يكن من قبل المؤلف فأراه إنما دخل عليه الداخل من كتاب أبي عيسى؛ لأنه روى هذا الحديث في جامعه بإسناده عن أبي سعيد الخدري مع زيادة على حديث عائشة ولفظ حديثه: أنه قال كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول: الله أكبر كبيرا ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. ثم قال أبو عيسى: كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي.
قلت: وعلي بن علي الرفاعي هو الراوي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، ثم قال أبو عيسى وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث ثم روى أبو عيسى بعد ذلك حديث عائشة﵂- عن الحسن بن عرفة عن أبي معاوية عن حارثة بن أبي الرجال عن عمره عن عائشة ثم قال هذا حديث لا نعرفه من هذا الوجه وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه فظن المؤلف أن هذا الكلام من أبي عيسى طعن في متن هذا الحديث وليس الأمر على ما ظن فإن الذي ذكره أبو عيسى في علي الرفاعي في إسناد حديث أبي سعيد لا يكون حجة على ضعف هذا الحديث؛ لأن سياق حديث أبي سعيد غير سياق حديث عائشة على ما بينا؛ ألا ترى أنه قال: وقال أحمد لا يصح هذا الحديث، وأحمد قد انتهى إليه حديث عائشة﵂- بإسناد موثوق به فأخذ به كما ذكرناه عن مذهبه، وأما ما ذكره الترمذي من أمر حارثة بن أبي الرجال فإنه تكلم في إسناده الحديث من الوجه الذي ذكره ولم يقل أن إسناده مدخول فيه من سائر الوجوه مع أن الجرح والتعديل يقع في حق أقوام على وجه الاختلاف، فربما ضعف الراوي من قبل أحد الأئمة ووثق من قبل آخرين. وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث، وأخذوا به ورواه أبو داود في جامعه عن الحسن ابن علي عن طلق بن غنام عن عبد السلام بن حرب الملائي عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة وهذا إسناد حسن. رجاله مرضيون، فعلمنا أن أبا عيسى لم يرم هذا الحديث بالضعف على الإطلاق، وإنما تكلم في الإسناد الذي أورده.
ثم إني لا أستطيع القول في بيان؛ إلا حذرا من أن يتسارع طالب علم بالطعن إلى هذا الحديث من غير روية وبصيرة اتكالا على ما يجده في كتاب المصابيح؛ فيتأثم به وأعوذ بالله أن أنصر عصبية أو أدعو إلى عصبية والله حسيبي على ذلك.
[٥٤٦] ومنه قوله - ﷺ - في حديث جبير بن مطعم﵁-:نفخه ونفثه وهمزه، أرى والله أعلم أن النفخ كناية عما يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار والخيلاء فتتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - للذي رآه وقد استطار غضبا: (نفخ فيه الشيطان).
[ ١ / ٢٣٦ ]