(من الصحاح)
[١٢٤٦] حديث قبيصة بن المخارق الهلالي﵁- قال: (تحملت حمالة) الحمالة بالفتح:
[ ٢ / ٤٣١ ]
ما يتحمله الإنسان عن القوم من الدية والغرامة، وصاحب الحمالة الذي أحل له رسول الله - ﷺ - المسألة في حكم الإسلام- على ما ذكره في هذا الحديث- هو الذي يقع حرب بين فريقين فيسفك فيها الدماء، فيتحمل تلك الديات [١٤٦/ب] رجل ليصلح ذات البين.
وفيه (ورجل أصابته جانحة فاجتاحت ماله) أي: استأصلته. والجانحة: المصيبة تحل بالرجل في ماله، إما من سنة أو من فتنة، من الجوح والاستئصال. يقال: حاجتهم الجائحة، واجتاحتهم. وجاح الله﷿- ماله، وأجاحه: أي: أهلكه بالجائحة.
وفيه: (قواما من عيش) أو قال: (سدادا). قوام الشيء: ما يقوم به. والسداد: ما يسد به الخلل، وبه سمى سداد الثغر وسداد القارورة؛ قال العربي:
أضاعوني، وأي فتي أضاعوا ليوم كريهة، وسداد ثغر
والسين منه مكسورة، ومن فتح فقد أخطأ، فإنه بفتح السين مصدر قولك: سدد، أي فلان يسد، سدادا، وهو الصواب والقصد من القول والعمل. وفي حديث علي﵁-: (من تزوج ذات جمال ومال فقد أصاب سدادا من عوز) فمن الرواة من يفتح سينة اتباعا للراوية عن هشيم بن بشير، فإنه رواه كذلك، وقد لحنوه.
وفيه: (حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجي) أي: من ذوي العقل، فإن قيل: ما وجه التنصيص على: (ثلاثة من ذوي الحجي) في الإعلام بأمر من أصابته الجائحة؟ قلنا: نحن وإن علمنا أن الخلق عبيد الله، يتعبدهم بما يشاء من أمره، فله أن يجعل الحجة في هذه القضية مثبتة بثلاثة كما جعلها مثبتة في هلال رمضان بواحد، وفي الحقوق الواجبة باثنين، وفي الزنا بأربعة، ولكنا وجدنا تلك الصور مثبتة بصريح الحكم، مبنية على النصوص المبنية، ووجدنا الأمر في هذا الحديث معدولا به عن صيغة الشهادة، ثم إنا وجدنا الأحكام الراجعة إلى الدماء والأموال والفروج مثبتة بشهادة اثنين، وليس الأمر فيها بأيسر من الأمر في هذه القضية، بل هذه أقرب- فيما يهتدي إليه من النظر- إلى التسامح والتساهل فيها، فالوجه فيه: أنه جعل الأمر فيه إلى ثلاثة من طريق الاستحباب، لا من طريق الوجوب؛ ليكون ذلك إبراء للسائل عن التهم فيما يدعيه، وأبلغ في الزجر له عن السؤال، يجد بدا عن الخوض فيه، وأصون لغرضه، وأنقى لمروءته، وأدعى الناس إلى قضاء حاجته، وسد خلته، لاسيما إذا كانوا من ذوى الأقدار والعقول حتى يكفى.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
[١٢٤٨] ومنه: حديث ابن عمر﵂- عن النبي - ﷺ -: (ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتى يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) المزعة بالضم: قطعة لحم، ويعبر بها عن القليل. يقال: ما عليه مزعة، وما في الإناء مزعة من الماء، أي: جرعة. والمراد به ما يلحقه في الآخرة من الغضاضة والهوان من ذل السؤال. هذا، وقد عرفنا الله- سبحانه- أن الصور في الدار الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال الله تعالي ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ فالذي [١٤٧/أ] يبذل وجهه لغير الله في الدنيا، من غير ما بأس وضرورة، بل للتوسع والتكثر يصيبه شين في الوجه بذهاب اللحم عنه، ليظهر للناس على صورة المعنى الذي خفي عليهم منه.
[١٢٥١] ومنه: قول حكيم بن حزام﵁- في حديثه: (والذي بعثك بالحق، لا أرزأ بعدك
[ ٢ / ٤٣٣ ]
أحدا شيئا) أي: لا أنقص؛ أراد: إني لا أسأل أحدا شيئا فأنقصه ماله، وأصل هذه الكلمة من قولهم، رزأت الرجل، أرزأه رزأ ومرزئة: إذا أصبت منه خيرا. يقال منه: رزأته ماله، وما رزأته ماله. أي: ما نقصته. ورجل مرزأ، أي: كريم، يصيب الناس خيره. وفي حديث سراقه: (فلم يرزانى) أي: لم يأخذا منى شيئا. وفي حديث المرأة صاحبة الماء: (مارزأناك من مائك شيئا). وفي الحديث: (لولا أن الله لا يجب ضلالة العمل ما رزيناك غفالا) وزعم بعض المتأخرين أن الفصيح رزأناك، ثم قال: وكل مهموز يجوز همزه، وهو من لغة النقل. وظهر لنا من قوله هذا، أن الراوية عنده بإظهار الياء، وليس الأمر على ماتوهمه. فإن العرب تقول: رزأته ورزيته، بفتح الزاي وكسرها.
[١٢٥٦] ومنه: حديث عبد الله بن مسعود﵁- عن النبي - ﷺ -: (من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، أو خدوش، أو كدوح).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
قلت: هذه الألفاظ متقاربة المعاني وكلها يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح، والظاهر أنه قد اشتبه على الراوي ما تلفظ به النبي - ﷺ - من هذه الثلاث، فذكر سائرها؛ احتياطا في مراعاة ألفاظه، ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون النبي - ﷺ - ذكرها على ما في الحديث، وذلك أظهر لفقدان البيان في الوجه الأول، وعلى هذا فيكون دخول (أو) للتقسيم لا على سبيل الارتياب وفي هذا الوجه يفتقر أن نفرق من الألفاظ الثلاثة في المعني ليصح التقسيم، فيقول: الكدح دون الخدش، والخدش دون الخمش، يقال: خمشت المرأة وجهها: إذا خدشته بظفر أو حديدة أو نحوها، والخمش يستعمل على معنى القطع يقال: خمشنى فلان، أي: قطع منى عضوا.
ومنه حديث قيس بن عاصم المنقرى: (كانت بيننا وبينهم خماشات في الجاهلية) قال النضر بن شميل: ما دون الدية فهي خماشات، مثل: قطع يد أو رجل أو أذن.
قلت: ولا يستعمل الخدش مكان الخمش في هذا الموضع، فتبين لنا أن الخمش أبلغ في معناه من الخدش، والخدش أبلغ من الكدح؛ لأن الكدوح يقال للآثار التي تظهر من الخدش والعض ونحوه، وإنما يقال للحمار: مكدح، إذا كان به آثار العضاض. ولما كان الناس في المسألة على ثلاث مراتب: مقل، ومستكثر ومفرط فيها، ذكر هذه الأقسام الثلاثة، ليبين بها منازل هؤلاء الثلاثة، فيما ينالهم من الهوان وسقوط الجاه والمنزلة.
ومما يحتاج إلى البيان من هذا الحديث: أنه فسر ما يغنيه بخمسين درهما، وفي الحديث [١٤٧ ب] الذي يتلوه وهو حديث سهل بن الحنظلية مما يغديه ويعشيه، وبغير ذلك مما سنذكره وقد تكلم الشيخ أبو جعفر الطحاوي في شأن هذه المقادير، ووجه التوفيق بينها، ونحن نذكر زبدة كلامه، ثم نردفها بما قيض لنا من البيان، إن شاء الله.
ذكر أبو جعفر حديث سهل بن الحنظلية، وفيه قال: (وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه) وقد أخرجه أبو داود في كتابه، ثم ذكر حديث الأسدي، وقد أخرجه أيضا أبو داود في كتابه، عطاء بن سيار، عن رجل من بني أسد، قال: (ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - أسأله إلحافا) قال أبو جعفر: والأوقية يومئذ أربعون درهما. ثم ذكر حديث ابن مسعودـ الذي شرعنا في بيانه، ثم روى بإسناد له عن عبد الحميد بن
[ ٢ / ٤٣٥ ]
جعفر، عن أبيه، عن رجل من مزينة، أنه أتى أمه، فقالت: يا بني لو ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - فسألته؟ قال: فجئت إلى رسول الله - ﷺ - وهو قائم يخطب الناس، وهو يقول: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن سأل الناس وله عدل خمس أوراق فقد سأل إلحافا).
قال: فوجه التوفيق أن نقول: أول المقادير التي حرمت بها المسألة، هو المقدار الذي في حديث سهل ابن الحنظلية، ثم تلاه تحريمها بما في حديث الأسدي، ثم بما في حديث ابن مسعود، ثم بما في حديث المزني، فنسخ الثاني الأول، والثالث الثاني، والرابع الثالث، وتناهي تحريم المسألة على ما هو في حديث المزني، وهو القدر الذي يتجاوز به صاحبه عن حد الفقر إلى حد الغنى.
وإنما قلنا: إن الأكثر ناسخ للأقل؛ لأن الله- سبحانه- إنما يرد الأمر من الأخف إلى الأغلظ، إذا كان عقوبة، وإذا كان رحمة رده من الأغلظ إلى الأخف، وإذا لم يذكر تحريم المسألة لذنب استحقوا عليه تلك العقوبة به؛ رأينا أنه رحمة من الله تعالى رد العباد فيه من التغليط إلى التخفيف، ورحم الله أبا جعفر، فإنه لم يزل يجتهد في نفي الإحالة والتناقض عن كلام رسول الله - ﷺ - حتى رفع علما من هذا العلم يهتدي به الدراجون في هذا الطريق إلى معالم المعاني، ونحن نقتفي في هذا الباب ما نرجو إن خالفناه فهو الذي علمنا الخلاف، فمن ذلك ما رأيناه في هذه الأحاديث الأربعة، أن العباد ردوا فيها من الأخف إلى الأغلظ، وأن الأقل ناسخ للأكثر، لما وجدنا في الحديث من الدليل أن السبب في تحريم المسألة سؤال الأعرابي الذي سأل رسول الله - ﷺ - رداءه، وهو حديث حبشى بن جنادة﵁- والحديث مذكور في كتاب المصابيح في هذا الباب، إلا أنه اختصر، وقد رواه أبو عيسي [١٤٨/أ] في كتابه بتمامه، ولفظ حديثه: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في حجة الوداع، وهو واقف بعرفة، أتاه أعرابي، فأخذ بطرف ردائه، فسأله إياه فأعطاه، فعند ذلك حرمت المسألة، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن المسألة لا تحل لغنى ولذي مرة سوي، إلا لذي فقر مدقع، أو غرن مفظع، ومن سأل الناس ليثرى به ماله كان خموشا في وجهه يوم القيامة، ورضفا يأكله من جهنم، فمن شاء فليقل، ومن شاء فليكثر) فتبين لنا من هذا الحديث أن تحريم المسألة كان لأجل إلحاح الأعرابي في السؤال، ومجاوزته حد الأدب في حضرة النبي - ﷺ - لا سيما في ذلك المجمع العظيم الذي لا ينبغي أن يسأل هنالك إلا عفو الله وغفرانه والدار الآخرة، ولم يحرم قبل ذلك، فحرمت لأجل مسألته.
والتحريم على هذه الصيغة إنما يكون على وجه العقوبة، وإذ لم ينتهوا، ضيق عليهم فيها، فلم يزالوا يناقصون في تلم المقادير، حتى أل الأمر إلى تحريمها على من يجد غداء أو عشاء؛ لأنه استغني بذلك في ساعته تلك عن السؤال، وإنما أبيحت المسألة لضرورة ولا ضرورة هنالك، والله أعلم.
ونرى فيه وجها آخر: وهو أن نقول: قد علمنا بالأحاديث الصحاح أن السؤال من غير ضرورة وحاجة ماسة منهي عنه، غير مرضى للمؤمن، فإنه يورث المذلة في الدنيا، والمنقصة في الدين، ثم إن الناس مختلفون في حال السؤال، اختلافهم في الصبر والاحتمال والمؤن والضرورات، فاختلاف بيان المقادير صدر عن النبي - ﷺ - على حسب مراتب الناس في ذلك، وعلى مقدار ما عرف من حال السائل، ونهاية المقادير في ذلك ما تبلغ بصاحبه إلى حد الغني، وهو النصاب، وهذا المقدار لا يحل معه المسألة، ولا الصدقة، والمقادير الآخر على ما بينا من حكم الضرورة لا تحل معها المسألة، وتحل معها الصدقة، فإنه لم يذكر في
[ ٢ / ٤٣٦ ]
شيء منها تحريم الصدقة، وإنما ذكر فيها تحريم المسألة، إلا ما ذكرنا من نهاية المقادير، فإنه يفيد الغني، والغني لا تحل له الصدقة [١٤٨/ب].
وأما تفسير ما في حديث حبشي بن جنادة السلولى، من قوله - ﷺ -: (إلا لذي فقر مدقع) قال بعض العلماء: أصله من الدقعاء، وهو التراب، ومعناه الفقر الذي يفضي به إلى التراب، لا يكون عنده ما يتقي به التراب، فعلى هذا المدقع، أي: الملصق بالدقعاء.
قلت: ويصح أن يقال: المدقع، الذي يفضي به إلى الذل، وهو سوء احتمال الفقر، ويقال: دفع الرجل- بالكسر- أي: لصق بالتراب ذلا.
ومنه الحديث: (إذا جعتن دقعتن) أي: خضعتن. (أو غرم مفظع) فظع الأمر- بالضم- فظاعة، فهو فظيع، وأفظع فهو مفظع، أي: شنيع جاوز المقدار، وأراد به الديون الفادحة التي تهبط صاحبها. وفي غير هذه الراوية: (أو دم موجع) وهو الذي يوجع أوليا المقتول، فلا يكاد نائرة الفتنة تطفأ فيما بينهم، فيقوم له من يتحمل الحمالة، وقد ذكر ذلك.
وفيه: (ليثرى به ماله. أي: يكثر. وأثرى الرجل: إذا كثرت أمواله. وفيه: (ورضفا يأكله) الرضف: الحجارة المحماة. وقد فسرناه في آخر باب التشهد ومن حديثه الذي يليه: (أوشك الله له بالغناء، إما بموت عاجل، أو غنى آجل) أوشك، أي: أسرع. ومعناه: عجل الله له بالغناء، بفتح الغبن- أي: بالكفاية. من قولهم: لا يغنى غناء- بالمد والهمز- ومن رواه بكسر الغين مقصورا- على معنى اليسار، فقد حرف المعنى؛ لأنه قال: يأتيه الكفاية عما هو فيه، إما بموت عاجل، أو بغنى آجل، وهو ضد العاجل.