(من الحسان)
[١٢٤٣] حديث عبد الله بن عمرو﵂- عن النبي - ﷺ -: (لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي)، المرة: القوة. من قولهم: أمررت الحبل: إذا فتلته، والمرير والممر: المفتول. وفلان ذو مرة: أي قوي محكم القتل. وسوي: أي قويم الخلق معتدله، كأنه المستوي في الخلقة على طريق الاستقامة، المصون عن الإعوجاج في طرفي الإفراط والتفريط.
فأما تأويل الحديث وتقرير معناه عند من لا يرى القوة على الكسب محرمة للصدقة على الفقير، فإنه يقول: أمر رسول الله - ﷺ - معاذًا، لما بعثه إلى اليمن، أن يأخذ الصدقة من أغنياء المسلمين، فيضعها في فقرائهم، فكان الأغنياء منهم هم المأخوذ منهم، ومن سواهم ممن لم يؤثر بالأخذ منهم غير أغنياءهم الفقراء، فأخذنا بذلك؛ لأنه آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - وقد كان - ﷺ - يعطي الصدقة فقراء أصحابه، وأكثرهم أصحاء أقوياء، لا زمانة بهم. في حديث زياد بن الحارث الصدائي أنه قال: (أمرني رسول - ﷺ - على قومي، فقلت: يا رسول الله: اعطني من صدقاتهم، ففعل وكتب لي بذلك كتابًا، فاتاه رجل فقال: يا رسول الله، اعطني من الصدقة، فقال: (إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزاها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك) فالنبي - ﷺ - أمر الصدائي وأعطاه من الصدقة، ولم يكن ليؤمره إلا وهو صحيح البدن، سوي الخلق، ثم لم يمنعه ذلك (١٤٦/أ)
[ ٢ / ٤٣٠ ]
عن دفع الصدقة، ولم يكن ليأمره إلا وهو صحيح إليه. ثم سأله رجل آخر، فقال: إن كنت من الأصناف الثمانية .. الحديث، فرد بذلك حكم الصدقات إلى مارده الله إليه، فكل من وقع عليه اسم صنف من تلك الأصناف، فهو من أهل الصدقات، زمنا كان، أو صحيحا، شهد بذلك التنزيل، وحكم بصحته السنة، فقوله: (لا تحل الصدقة .. الحديث) ينزل منزلة الكراهة والتغليظ له؛ لئلا يتكل على صدقات الناس، ويزاحم ضعفاء الفقراء فيما هم أحق به منه، أي: لا تحل له من جميع الوجوه والأسباب التي يتكامل بها الاستحقاق.
قلت: وقد يقال: لا يحل لمسلم أن يبيت شبعان وجاره غرثان، وإلى نحو ما ذكرناه أشار الطحاوى في كتابيه: مشكل الآثار، وشرح الآثار، وقد رأيت تخريج معنى هذا الحديث على غير هذا الوجه أيضا وهو أن نقول حديث عبد الله بن عمرو﵁- هذا رواه شعبة ولم يرفعه، ورواه سفيان مرفوعا.
وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو﵁- عن النبي - ﷺ -: لاحق في الصدقة لغنى، ولا لقوى مكتسب وروى أيضا عنه: (لاحظ) وقد روى عن النبي - ﷺ - بطرق كثيرة وأسانيد صحيحة: (لا تحل المسألة لغنى، ولا لذي مرة سوى) وقوله: (لا تحل الصدقة) لم يوجد إلا في الحديث الذي أوردناه، فلعل الراوي، أو بعض من سمعه من الرواة لم يفرق بين قوله: (لا تحل المسألة) وبين أن يقال: (لا تحل الصدقة) فرواه كذلك. وذكر أبو عيسي الترمذي في كتابه- بعد روايته هذا الحديث وذكره، اختلاف شعبه وسفيان- أن وجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة.
قلت: وتحريم المسألة غير تحريم الصدقة، فنقول: إذا حرم المسألة على القوى المكتسب؛ لئلا يتخذ السؤال كسبا، ولا يتسع فيه، فإن السؤال مذلة، وليس للمؤمن أن يذل نفسه، إلا إذا لم يجد منه بدا، وقد كان النبي - ﷺ - يأمر الفقراء بالتعفف ثم يسهم لهم من الصدقات، ولما كان القوم حديثي عهد بجاهلية، لم يتمرنوا على ترك الحظوظ العاجلة، ثم إن النفوس- لما جبلت عليه من حب المال- لو وكلت إلى ما في طباعها من الركون إلى الدنيا، لاسترسلت في الطمع، واشرأبت إلى السؤال واتخذته دأبا، ثم لم يزه ذلك إلا شرها ودناءة، اقتضى النظر النبوي أن يردعهم عن هذه الردغة، ويمنعهم عن هذه الردهة، لئلا يذهب بهم الهوى كل مذهب، فزجرهم عن السؤال كل مزجر، وأخبرهم أن السؤال شين في الوجه، وكدوح خموش يوم العرض الأكبر، ثم أوجب على أولى الأمر وذوى الأموال أن يوصلوا إليهم حقوقهم؛ لئلا يكون على المعطى حرج ولا على الآخذ منقصة.