(من الصحاح)
[١٥٣١] حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه ) الحديث، العهد ههنا: الأمان؛ قال الله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾، والمعنى: أسألك أمانا لن تجعله خلاف ما أترقبه وأرتجيه؛ بأن تجعل ما بدر مني مما يناسب ضعف البشرية، إلى مؤمن من أذية أنحو بها نحوه، أو دعوة أدعو بها عليه - قربة تقربه بها إليك، (فإنما أنا بشر أتكلم في الرضا والغضب)، وفي غير هذه الرواية: (اللهم إنما أنا بشر، آسف كما يأسفون) أي: أعضب كما يغضبون، (فلا آمن أن أدعو على مسلم فيستضر به). وهذه هي الرأفة التي أكرم الله بها وجهه حتى حظي بها المسيء، فما ظنك بالمحسن؟! قال الله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص
[ ٢ / ٥١٣ ]
عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ وقال: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. قلت: وإنما وضع الاتخاذ موضع السؤال تحقيقا للرجاء، بأنه حاصل، إذ كان موعودا بإجابة الدعوة، ولهذا قال: (لن تخلفنيه) أحل [العهد] المسئول محل الشيء الموعود؛ ثم أشار إلى أن وعد الله لا يتأتى فيه الخلف، فإن الألوهية تنافيه، وفيه: (صلاة وزكاة) صلاة: أي رحمة ورأفة، يخصه بها، والصلاة ترد بمعنى الحنو والتعطف، ووضع ههنا موضع الترحم والرأفة؛ قال الله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ جمع بينها وبين الرحمة ليفيد معنى التكرار؛ أي كرة بعد أخرى، قال كعب بن مالك، ﵁:
صلى الإله عليهم من فتية وسقى عظامهم الغمام المسبل
وزكاة: أي طهارة لهم من الذنوب، ونماء وبركة في الأعمال. [١٨١ م/ب].
[١٥٣٧] ومن الحسان حديث النعمان بن بشير - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ .. الآية.
قلت: ذكر الآية بعد الحديث على وجه البيان له؛ لأن في الآية الأمر بالدعاء، والقيام بحكم الأمر هو العبادة، والعبد إذا سأل ربه وشكا إليه ضره، ورفع إليه حاجته فقد علم أن ربه مرغوب إليه في الحوائج، ذو قدرة على ما يشاء، وعلم أنه عبد ضعيف لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، واعترف بالفقر والفاقة والذلة لمن يدعوه فلذلك قال: (هو العبادة) ليدل على معنى الاختصاص، كما تقول لمن يحمي الحقيقة: هو الرجل، ثم أنه إذا رأى إنجاح الأمور من الله قطع أمله عمن سواه، ودعاه لحاجته موحدا، وهذا هو الأصل في العبادة. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾، وقد يدعى فما يستجيب فما وجه الآية؟
قلنا: المراد من الدعاء في الآية هو المستجمع لشرائطه؛ وقال بعض العلماء: (ادعوني أستجب لكم) أي بحسب نظري لكم، ورحمتي بكم؛ لا بحسب أمانيكم، ولا أهوائكم، صحت أو فسدت، حقت أو بطلت؛ لأن هذه الآية غير منفردة في القرآن عن أخرى فيها تبيانها، وهي قوله تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن﴾، وقوله: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا﴾. فربما دعا الإنسان ما يتضمن شرا ولا يشعر به، فدل الآيتان على أنه يستجيب الدعاء المستجمع بشرائطه.
وفي معنى هذا الحديث حديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (الدعاء مخ العبادة) فإن مخ الشيء خالصه، ومخ العظم نقيه، وكذلك مخ الدماغ، ومخ العين شحمها.
[ ٢ / ٥١٤ ]
[١٥٣٩] ومنه: حديث سلمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (لا يرد القضاء إلا الدعاء .. الحديث). القضاء: الأمر المقدور، والذي يهتدى إليه من تأويل هذا الحديث وجهان: أحدهما أن نقول: أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه، ويتوقاه، فإذا وفق العبد للدعاء دفع الله عنه ذلك، ويكون تسميته بالقضاء على المجاز والاتساع على حسب ما يعتقده المتوقى عنه، ويزيد هذا المعنى وضوحا حديث أبي خزامة عن أبيه: يا رسول الله! أرأيت رقى نسترقيها، وتقاة نتقيها، ودواء نتداوى به، أيرد ذلك من قدر الله شيئا؟ قال: (هي من قدر الله). ثم إنا نقول: كما لم يحسن منهم ترك التداوي [١٨٢/أ] مع إيمانهم بالقدر - لم يجز لهم ترك الدعاء وقد أمر الله به، مع علمهم بأن المقدور كائن؛ لأن حقيقة المقدور وجودا وعدما مخفية عنهم.
والآخر أن نقول: إن كان المراد من القضاء الحقيقة فالمراد من الرد تهوينه وتيسير الأمر فيه؛ حتى يكون القضاء النازل كأنه لم ينزل، وقد كنت معنيا بهذا التأويل من غير أسوة، حتى اطلعت على نحوه من أقاويل أهل العلم، منهم أبو حاتم السجستاني، ويدل على صحة هذا التأويل.
[ ٢ / ٥١٥ ]
ومنه حديث ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ -: (الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل) أي: فيسهل عليه تحمل ما نزل به من البلاء فيصبره عليه أو يرضيه به؛ حتى لا يكون في نزوله متمنيا بخلاف ما كان مما لم ينزل، بأن يصرفه عنه، أو يمده قبل النزول بتأييد منه، يخفف معه أعباء ذلك إذا نزل به.
[١٥٤٦] ومنه حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة). يؤول هذا الحديث من وجهين: أحدهما أن يقال: كونوا أوان الدعاء على حالة تستحقون معها الإجابة، وذلك بإتيان المعروف، واجتناب المنكر، وغير ذلك من مراعاة أركان الدعاء وآدابه؛ حتى لا تكون الإجابة على قلبه أغلب من الرد، وقد مر نظير هذا القول في تأويل قوله - ﷺ -: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله). والآخر أن يقال: أراد: ادعوه معتقدين لوقوع الإجابة؛ لأن الداعي إذا لم يكن متحققا في الرجاء لم يكن رجاؤه صادقا، وإذا لم يكن الرجاء صادقا لم يكن الدعاء خالصا، والداعي مخلصا؛ فإن الرجاء هو الباعث على الطلب، ولايتحقق الفرع إلا بتحقق الأصل.
[١٥٤٨] ومنه: حديث سلمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا) أي لا يفعل ذلك؛ لأن المعهود أن المستحيي من الشيء لا يفعله، بل يتركه، ومعنى قولنا: لا يفعل أي: لا ينبغي للسائل أن يضمر غيره لأن ذلك هو الأحسن، وحسن الظن بالله في الجملة هو الأولى، فليكن ظن الداعي بربه أنه داخل في هذا الوعد، وإن كان ذلك خبرا يحتمل إطلاقه من الخصوص والتقييد بالشروط ما يحتمله الأمر والنهي [١٨٢/ب].
ثم إن قوله: (أن يردهما صفرا) لا يثبت أن دعوته مستجابة؛ بل يشعر بأنهما لا تردان بغير شيء: من قضاء حاجة أو ثواب، أو نحو ذلك. وقوله (صفرا) أي: خالية، يقال: صفر الشيء - بالكسر - أي: خلا، والمصدر الصفر بالتحريك، ولا يدخلون فيه تاء التأنيث؛ بل يستعملونه على صيغته هذه في المؤنث والمذكر، والتثنية والجمع، قال الشاعر:
لدار صفر ليس فيها صافر
وقال آخر: [أراد] صفرا: ليس فيهن صافر.
[ ٢ / ٥١٦ ]
[١٥٤٩] ومنه حديث عمر - ﵁ - (كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه).
قلت: رفع اليدين في الدعاء سنة سار في الأولين والآخرين سائرها، ولما كان الاجتهاد في الابتهال والضراعة بأقصى ما تمكن العبد بين يدي الله من حق الدعاء استحب له أن يجمع فيه - بعد الإخلاص - بين القول والفعل، فكان الثناء على الله تعالى بمحامد صفاته، والاعتراف بالذلة والمسكنة، والقصور عما يبتغيه - ابتهالا قوليا، ومد السيد على سبيل الضراعة ابتهالا فعليا؛ لأنه يصير بذلك كالسائل المتكفف المتعرض لأن يملأ كفه مما يسد خلته؛ ولما كانت هذه الصيغة ضراعة استحب له أن يبالغ في مد اليدين على حسب ما به من الفاقة، فكلما كانت الحاجة أمس كان مد اليد أشد؛ فإنه إذا رفعهما إلى السماء مبالغا في الرفع - كان كالحرص على شيء يتوقع تناوله، فيجتهد أن تكون يده أقرب إليه.
وفي الحديث: (كان رسول الله - ﷺ - لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء) وقد ذكرنا أن المراد به: كل الرفع؛ لما صح عندنا أنه كان يرفع يده حالة الدعاء، وذلك الذي في الاستسقاء للمبالغة في إظهار الفاقة، وامتساس الحاجة، فإن الناس يمتحنون من حبس المطر عنهم بما لا صبر لهم عليه. وفي الحديث: (كان النبي - ﷺ - إذا أصابته شدة رفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه) وأما مسح الوجه بهما في خاتمة الدعاء فنراه من طريق التحين والتفاؤل؛ كأنه يشير إلى أن كفيه ملئتا من البركات السماوية، والأنوار الإلهية، فهو يفيض منها على وجهه الذي هو أولى الأعضاء بالكرامة.
[١٥٥٢] ومنه: حديث عمر - ﵁ - استأذنت النبي - ﵇ - في العمرة فأذن
[ ٢ / ٥١٧ ]
[١٨٣/أ] لي، وقال: (أشركنا يا أخي في دعائك). الرواية في (أخي) - على ما بلغنا - بلفظ التصغير، وليس المراد منه ومن نظائره في هذا الباب معنى التصغير بل الاختصاص بالتلطف والتعطف هو المراد. وفي معناه قول الله سبحانه في عدة مواضع فيما قص علينا من أمر عبده لقمان: ﴿يا بني﴾، وكذلك في قصة يوسف ﵉.
وأما مساءلته عمر - ﵁ - أن يشركه فيما يدعو به لنفسه فإنها محتملة لوجوه: أحدها: استشعار الخضوع وإظهار الفاقة في مواقف العبودية بالتماس الدعاء ممن عرف السبيل بهدايته، وأصاب الرحمة ببركته. والثاني: تحريض الأمة على حسن الرغبة في دعاء إخوانهم من المؤمنين، والتجافي عن الرغبة عنهم لتوهم الاستغناء؛ مع إحاطة العلم بأن رسول الله - ﷺ - كان أغنى الناس عن دعاء عمر وغيره. والثالث: تعليم المؤمنين ألا يرغبوا بأنفسهم في مظان الرجاء، ومواقع الطلب. والرابع: إرشاد المسئول إلى ما هو الأصلح له، والأولى به؛ إذ كان يعلم - ﷺ - أن عمر ينتفع بدعائه له أكثر مما ينتفع بدعائه لنفسه.
والخامس: الإشادة بذكره في مسامع السامعين. والسادس: تعريفه بما أنعم الله عليه؛ ليقوم بواجب الشكر. وأي طريق سلكناه في تأويله فإنه لا يخلو عن الحجة الناطقة بفضل عمر - ﵁ - وفيه: (وقال لي كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا) يحتمل أن تكون الكلمة المذكورة قوله (يا أخي أشركنا في دعائك)، ويحتمل أن تكون قضية أخرى لم يرد يصرح بها توقيا عن استحلاء الطبع وغير ذلك بما لا يؤمن عليه من آفات النفوس. فإن قيل: أوليس قد حدث بما حدث، ولم يحل ذلك عن مثل ما يدعى فيه التوقي قلنا: يحتمل أنه حدث به لأن النبي - ﷺ - حدث به على ملأ من الناس، ثم إنا قدرنا القول على ما قدرنا نظرا إلى علم عمر الله، وخشيته منه، ومعرفته بآفات النفوس وتباعده من حب الثناء والمحمدة، وإلا فالمسألة التي نحن ننقر عنها بمعزل عن هذه [١٨٣/ب] التقديرات سؤالا وجوابا، وذلك لأن الثناء إذا كان من قبل الرسول - ﷺ - كان متجانبا عن مظان الآفات ويحق من صاحبه أن يتحدث به لوجهين: أحدهما: أنه قول صدر عمن أيد بالعصمة في مقاله بل في سائر أحواله فيحق أن يسر به ولا يسر به؛ لأنه الحق الأبلج والبشرى من الله العزيز.
والآخر: أن النبي - ﷺ - عارف بأوضاع الأمة لا يواجه أحدا منهم بتزكية أو ثناء إلا وقد ألهم سلامته عما يتوقع في ضمن ذلك من الآفة، وما أحق هذا الوجه بالصواب وهو الذي سأل الله تعالى أن يجعل لعنه وشتمه وضربه لمن قصده به زكاة ورحمة، فأنى يتوهم أن يعود مدحه ذما، أو يعود ثناؤه وبالا، فأبى الله ذلك، ويأباه من نور الله قلبه بالإيمان.
[ ٢ / ٥١٨ ]
[١٥٥٤] ومنه: حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: (ثلاث دعوات مستجابات، لا تشكو فيهن) قلت: كل ما أخبر عن النبي - ﷺ - فإنه بريء من الشك مبني على اليقين، وإنما قال ذلك على وجه التأكيد ليفيد معنى قوله (لا تشكو فيهن) ثم ليعلم أن الأمر في الإجابة على ما ذكرنا من التقييد بالشروط، والارتهان بالخصوص، واختصاص هؤلاء الثلاثة بإجابة الدعوة لانقطاعهم إلى الله بصدق الطلب، ورقة القلب، وانكسار البال، ورثاثة الحال؛ أما المسافر فلأنه منتقل عن الموطن المألوف، ومفارق عمن كان يستأنس به، مستشعر في سفرته من طوارق الحدثان، فلا يخلو ساعتئذ عن الرقة والرجوع إلى الله بالباطن. وأما المظلوم فإنه متقلب إلى ربه على صفة الاضطرار. وأما الوالد فإنه يدعو لولده على نعت الخير والرقة، وإيثار الولد على نفسه بما يستطيع، فيخلص في دعائه مبلغ جهده.