(من الصحاح)
[١٨٣] حديث أبي مالك الأشعري﵁- عن النبي - ﷺ - (الطهور شطر الإيمان الحديث)، الرواة يروون هذا اللفظ- أعني الطهور في هذا الحديث وفي غيره- على فعول بفتح الفاء، ولا يفرقون بين المصدر والاسم، وقد حكى عن سيبويه أنه قال: الطهور قد يكون مصدرا من قولهم: تطهرت طهورا وتوضأت وضوءا، فهذا مصدر على فعول، ويكون اسما غير مصدر كالفطور في كونه اسما لما يفطر به، ويكون صفة كالرسول ونحو ذلك من الصفات، وعلى هذا قوله ﷾، ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾. ونقل عن أبي عمرو بن العلاء ما هو مشعر بالرد على من يزعم كون [٤٠/ب].
[ ١ / ١٢١ ]
[١٨٧] من نسخ المصابيح: (ما لم يأت كبيرة) ولم نجد الرواية فيه. وهذا الحديث على هذه الوجه مما تفرد به مسلم، وفي كتابه (ما لم يؤت) على بناء الفاعل. ومنهم من يرويه على بناء المفعول، والمعنى: ما لم يعمل كبيرة أو لم يعمل كبيرة.
وضع الإتياء موضع العمل لأن العامل يعطى العمل من نفسه؛ قال الله تعالى: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها﴾ أي: لأعطوها ذلك من أنفسهم ويحتمل في بناء المفعول أن يكون المعنى: ما لم يصب كبيرة، من قولهم: أتى فلان في بدنه، أي أصابته علة، وأتيت من قبل فلان، أي كان هو سبب ذلك، ويكون التقدير: ما لم يؤت من فعل كبيرة. والذي يستقيم من جهة المعنى، ويعتمد عليه من جهة الرواية: هو بناء الفاعل، وإن كانت الرواية وردت: ما لم يأت، فإنه وإن كان أصح معنى من قولهم أتى فلان حدا وأتى منكرا؛ فإن إثباته في كتاب المصابيح غير سديد؛ لأن الحديث من مفاريد مسلم، ولم يروه مسلم إلا من الإتياء.
وفيه: (وذلك الدهر كله) يحتمل أن تكون الظرفية متعلقة بتكفير الذنوب، ويحتمل أن يكون متعلقة باتقاء الذنوب.
ومنه- حديثه الذي يتلو هذا الحديث.
[١٨٨] (ثم استنثر)، الاستنثار: نثر ما في الأنف بالنفس، وهو أبلغ في سنن الوضوء من الاستنشاق؛ لأن الاستنثار إنما يوجد بعد الاستنشاق، وقال الهروى: استنثر إذا حرك النثرة في الطهارة، وهي طرف
[ ١ / ١٢٢ ]
الأنف. وقد ذكر الجوهري: أن النشرة هي الفرجة ما بين الشاربين حيال وترة الأنف. وذهب الهروى فيه إلى قولهم نثرت الشاة إذا ماحت من أنفها الأذى، وأكثر ما يستعمل ذلك في الدواب، وهي منها بمثابة العطسة من الإنسان. والوجة هو الأول، لأنه مع استقامته على اللغة العربية، مفهوم من الأحاديث التي وجدت في هذا الباب.
منها قوله - ﷺ -: (إذا استنشقت فانثر)، وقوله: (إذا توضأ أحدكم فليجعل الماء في أنفه ثم لينثر)، ومنها قول الصحابي: (كان يستنشق المثاكل مرة ويستنثر).
[١٩٠] ومنه حديث أبي هريرة﵁- عن النبي - ﷺ - (إن أمتى يدعون يوم القيامة غرا محجلين الحديث)، غرا محجلين، أي: بيض الوجوه بيض مواضع من الأيدي والأقدام، إذا دعوا على رءوس الأشهاد أو إلى الجنة كانوا على هذه الشية، وانتصابها بالحال، ويحتمل أن يقال: غرا مفعول ثاني لقوله يدعون [٤١/أ] كما تقول يدعى فلان عليا، والمعنى أنه يسمون بهذا الاسم لما يرى عليهم من آثار الوضوء، والمعنى هو الأول، ويدل عليه قوله - ﷺ -: (يأتون يوم القيامة غرا محجلين)؛ في حديثه الآخر.
[١٩١] وفيه: (تبلغ الحلية من المؤمن)، قال أبو عبيد: الحلية هاهنا: التحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء، قلت: وإنما عبر عن التحجيل بالحلية لأنه العلامة الفارقة بين هذه الأمة وبين سائر الأمم، ويبين هذا المعنى قوله - ﷺ - (لكم سيماء ليست لأحد غيركم) وقد اعترض بعض الحفاظ في ذلك على أبي عبيد وقال: لو حمله على ما في القرآن من قوله تعالى ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا﴾ لكان أولى. وهذا تأويل غير مستقيم لا قبلية منه في اللفظ، ولا أدرى ما الرابطة بين الحلية والحلى.
(ومن الحسان)
[١٩٢] حديث ابن عمر﵁- عن النبي - ﷺ -: (استقيموا ولن تحصوا)، معناه: الزموا
[ ١ / ١٢٣ ]
المنهج المستقيم ولن تطيقوا توفية حقه، لأن الإصابة فيه شديد، وفي أمره غموض ودقة، فإن قيل كيف يأمر النبي - ﷺ - بما يخبر عنه أنهم لا يطيقونه، فالجواب أنه - ﷺ - أمرهم بالمستطاع منه، فإن الله تعالى يقول ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، ثم بين لهم بقوله (ولن تحصوا) أن توفية حق الاستقامة على الدوام فيه عسر، وكان القصد في هذا القول تنبيه المكلفين على روية التقصير من أنفسهم، وتحريضهم على الجد والانكماش مع دوام اللجأ إلى الله تعالى؛ لأن ما كان هذا سبيله لا ينبغي للإنسان أن يغفل عنه أو بداله في المحافطة عليه فترة. وقد قال بعض أهل اللغة: (ولن تحصوا)، أي: لن تحصوا ثوابة، والإحصاء: التحصيل بالعدد وهو من لفظ الحصى، واستعمال ذلك فيه من حيث أنهم كانوا يعتمدونه بالعد اعتمادنا فيه على الأصابع، والله أعلم.