فيه عن ابن عمر عن أبيه [٣: ١٤٠، ٦]:
«أن النبي - ﷺ - أرى وهو في معرسه بذي الحليفة في بطن الوادي فقيل له: إنك ببطحاء مباركةٍ».
* * *
[٣: ١٤٠، ١٢]: (عن ابن عباس عن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الليلة أتاني آتٍ من ربي، وهو بالعقيق أن صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرةٌ في حجةٍ»).
قد أشكل على جميع الشارحين جعل هذا الباب كالتبع لـ «باب من أحيا أرضًا مواتًا»، وتخريج هذين الحديثين فيه، وحاولوا إبداء مناسبة في ذلك على آراء أربعة، بعضها أقرب من بعض، استقصاها ابن حجر في «فتح الباري»، وقال العيني في «عمدة القاري» بعد أن أشار إليها إجمالًا: والكل لا يشفي العليل ولا يروي الغليل فلذلك تركناه.
وإن كل ما أبدوه من التوجيهات يبطله أمران مهمان:
أحدهما: أن لا وجه لتخصيص معرس ذي الحليفة ووادي العقيق بالتنبيه على هذا الحكم لهما؛ إذ كان يقتضي أن يذكر كل ما ورد في مكان أنه لا يجوز إحياؤه أو أنه قد أرصد لجميع المسلمين لا يجوز لأحد منع مكان منه.
ثانيهما: أن ليس في الحديثين ما يستدل منه على ذلك.
والذي بدا لي من دقيق صنيع الإمام البخاري هنا: أنه ترك الباب بلا ترجمة، وأحسب لأنه لم ينفصل على وجه العمل في هذا، ولا على استخلاص الفقه فيه، فتركه بلا ترجمة إلى أن يتضح له فيه قول فصل، ولعله حال دونه وفاة المؤلف ﵀.
وقد اختلف العلماء في مكة وما حولها أفتحت عنوة م صلحًا؟ وكان الذي عليه رأي أهل السداد، منهم: مالك بن أنس وموافقوه: أنها فتحت عنوة، وكيف
[ ٦٥ ]
تكون صلحًا وقد دخلها رسول الله - ﷺ - والجيش، ولاذت قريش بالفرار ودخلوا دار أبي سفيان، والمسجد الحرام طلبًا للأمان، وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام عن عائشة قالت: (قلت يا رسول الله، ألا نبني لك بيتًا أو بناءً يظللك من الشمس تعني بمكة، فقال: «لا، إنما هي مناخ من سبق»).
وروي عن مجاهد: أراه رفعه: «مكة مناخ لا تُباع باعها ولا تؤخذ إجارتها ولا تحل ضالتها إلا لمنشد»، وقد كان عمر بن الخطاب ينهى أن تغلق دور مكة دون الحاج، وأنهم يضطربون فيما وجدوا منها فارغًا، وعن ابن عباس «الحرم كله مسجد»، وعن عطاء: «الحرم كله مقام إبراهيم».
ومعنى ذلك كله أن أرض الحرم لها حكم المساجد، ويعضده قول رسول الله - ﷺ - «أنه أوحي إلي في الرؤيا أن بطن الوادي بطحاء مباركة، وأن صلِّ في العقيق فإنه وادٍ مبارك» فأراد أن مواضع المناسك لها حكم المساجد، فليست هي من الموات، فلا يجوز فيها إقطاع ولا إحياء ولا احتجار ولا منع، ولكن يجوز الانتفاع فيها بما لا يعطل مقاصد المسلمين من التبرك بالمواضع المباركة منها.
وذلك أخص من أرض العنوة وأرض الصلح كلتيهما، فلعل البخاري يقصد تفسير قول من يقول: إن مكة فُتحت عنوة، أنها لا ملك فيها لأحد، بخلاف أرض الصلح، وأنها لا يجوز إقطاعها، ولا إحياء مواتها إحياء تملُّك؛ لأنها كالمساجد.
وفيه الرد على ما نسبه أبو يوسف في «كتاب الخراج» إلى الخوارج أنهم جعلوا القرى العربية بمنزلة القرى العجمية، والله أعلم.
* * *