قوله في حديث وفد عبد القيس [١: ٢١، ٥]:
(فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع؛ أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تغطوا من المغنم الخمس». ونهاهم عن أربع؛ عن الحنتم والدباء والنقير والمزفت إلخ).
[ ٩ ]
فيه إشكالان:
أحدهما: أنه ذكر أنه أمرهم بأربع فلما عدَّ المأمورات عدَّ خَمْسَا.
وثانيهما: وجه الاقتصار في المنهيات عن الأواني المنتبذ فيها.
والذي يبدو لي في وجه دفع الإشكال الأول أن القوم كانوا قد آمنوا، فالإيمان حاصل لهم، فليسوا بمأمورين به، وإنما المأمور به مَن وراءهم الذين لم يؤمنوا بعدُ، فالأشياء المأمور بها هي ما عدا الإيمان؛ لأنها التي يشترك في الائتمار بها المخاطبون وغيرهم، وهي الأعمال التي قد يتهاون الناس في إقامتها، وهي: الصلاة، والصيام، والزكاة، وإعطاء خمس المغنم؛ فالابتداء بذكر الإيمان للاهتمام بأمره، إذ الأعمال فرع عنه، فهو كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، بعد قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] الآية.
وفي دفع الإشكال الثاني أنَّه جواب عن سؤالهم المحكي في الرواية بقوله: «وسَألوه عن الأشربة». ولعل من لطائف انحصار المنهيات منها في الأربع مقابلتها بالأربع المأمورات ليحصل في الكلام من التنظير ما يؤثر وعي الحفظ له.
واعلم أن الوجه أن يكون قوله: «وأقام الصلاة» مجرورًا عطفًا على قوله: «أمَرهم بالإيمانِ بالله» وليس مرفوعًا على قوله: «شهادةُ أن لا إله إلا الله».
وهذا يخالف رأي البخاري إذ ترجم بقوله: «أداء الخُمُس من الإيمان». وإنما عدلت عنه إتباعًا لاستقامة نظم الحديث. على أننا لا نوافق البخاري في اعتبار الأعمال من الإيمان. وليس على ذلك رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀.
* * *