فيه حديث أبي سعيد [٢: ١٥١، ١٨]:
(إن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: «ما يكون لي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله»). الحديث.
ترك رسول الله - ﷺ - موعظتهم حتى نفد ما عنده، ليعلموا أنه ما أراد حرمانهم مما عنده، وإنما أراد تزكية نفوسهم بتربيتها على التعفف والقناعة؛ لأنه لو وعظهم قبل نفاد ما عنده لأعرضوا عن إعادة المسألة فكان سببًا في حرمانهم.
واعلم أن رسول الله - ﷺ - لم ينههم عن السؤال كما في أحاديث أخر، ولكنه
[ ٤٥ ]
علمهم فضيلة الصبر والتعفف من أجل أن سؤال الرسول وولاة الأمر من مال الله ليس بمنهي عنه، إلا إذا أريد به التكثر والحرص والاستئثار به عن مستحقيه.
وقع فيه قول رسول الله - ﷺ -[٢: ١٥٢، ٣]:
«والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبلة فيختطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه».
فقوله «خير» تفضيل لا محالة، لوجود (من) التفضيلية معه، والتفضيل ظاهر: وهو أن في السؤال خيرًا مرجوًا، وهو حصول العطاء، وفي الاحتطاب خير أفضل؛ لأنه حصول نفع محقق ومعه عزة النفس.
وقوله: «أعطاه أو منعه» حالان مقدران، أي مقدرًا أنه يعطيه، وتلك حالة خير في الجملة.
وقوله: «أو منعه» ارتقاء في التحذير من السؤال، وهو أنه قد يكون معه المنع فلا يحصل فيه خير للسائل، وتحصل له مذلة السؤال وخيبة المنع.
* * *