فيه حديث حارثة بن وهب [٢: ١٣٥، ٤]:
(سمعت النبي - ﷺ - يقول: «تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل لو جئت بها بالأمس لقبلتها فأما اليوم فلا حاجة لي بها»).
المقصود من هذا الكلام التحريض على المبادرة بالصدقة، وأن لا يؤخروها خشية فوات حصولها، فيفوتهم بفواتها فضل عظيم، وهو فضل الصدقة، فالكلام في صريحة تحريض، وهو كناية عن فضل الصدقة وعظيم شأنها، حتى إنها إذا تعذرت تعطل خير كثير، كما دل عليه حديث أبي هريرة عقب هذا: «حتى يهم رب المال من يقبل صدقته»، فإن الصدقة تطهير للمال وزكاة له، فمن حق الغني أن يحرص على إخراجها.
وصريح الكلام هي هنا صدقة التطوع؛ لأنها التي تحتاج إلى التحريض على الإكثار منها والمبادرة بها، وكناية الكلام شاملة للصدقة الواجبة؛ لأن فوات الفضل الحاصل بسد خلة الفقير عند تعذر قبول حاصل في الصدقتين.
وليس الكلام تهديدًا حتى يقال: إذ تعذر قبول المتصدق عليهم للصدقات فقد سقط الوجوب وبرئت الذمة، كما درج عليه الشارحون فأقصوا عن مهيع الحديث.
[ ٣٩ ]
وقوله: «يأتي عليكم» الضمير فيه للأمة لا للصحابة، أي يجيء زمان على الأمة الإسلامية، وذلك في آخر الزمان، كما وقع التصريح به في حديث عدي ابن حاتم بعد هذا: «فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه»، فالمقصود أن ذلك يصير حالًا شاملًا لسائر الناس، وليس المراد أن يوجد آحادٌ من الناس هذه صفتهم لزهد ونحوه مثل حكيم ابن حزام - ﵁ - فإن ذلك لا يخلو عنه زمن في الإسلام.
وفيه حديث عدي بن حاتم [٢: ١٣٥، ١٢]:
(كنت عند رسول الله - ﷺ - فجاءه رجلان: أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقابلها منه ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له ثم ليقولن له: ألم أوتك مالًا؟ فليقولن: بلى، ثم ليقولن: ألم أرسل إليك رسولًا؟ فليقولن: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار» إلخ).
يحتمل أن الرجلين جاءا يشكيان حالهما بأن يكون أحدهما عائلًا، والآخر قد تعرض له قطاع الطريق.
ويحتمل أن يكونا شاكيين كثر ذلك في قبيلتهما، أو في الناس، فهما يتمنيان سلامة الأمة من ذينك.
فعلى الأول فقد أجاب رسول الله - ﷺ - كليهما ببشارة وتسلية، فبشر من اشتكى قطع الطريق بقرب زوال ذلك، فيحصل الأمن قريبًا، وبشر صاحب العيلة برجاء أن تزول عنه العيلة؛ لأنها ستزول من الأمة تدريجًا حتى لا تقوم الساعة وفي الأمة عائل عوض فيطمع المشتكي منها أن يكون ممن يشمله زوال العيلة في التدرج الأول، أو قريب منه، كما هو المناسب للبشارة، ففي الكلام مع العائل إيجاز حذف، دل عليه المذكور؛ لأن قوله: «لا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم» يشير إلى أن ذلك
[ ٤٠ ]
يحصل شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ تلك الغاية، وهي زوال العيلة من أصلها، وإلا لم يكن في الجواب ما ينفع المشتكي.
وعلى الاحتمال الثاني يكون الجواب لهما: بأن هذين الأمرين اللذين أهمهما سيرفعهما الله عن الأمة، على أنا في أحدهما، وهو العيلة، منفعة لأهل الأموال سيتحصلون بها ثواب الصدقات، وللفقراء إن كانوا سببًا في حصول فضائل المتصدقين.
وقوله: «ثم ليقفن أحدكم بين يدي الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان » إلخ، هو تسلية لصاحب العيلة على الاحتمال الأول، أي فلعل العيلة التي أحرجته في الدنيا يحمد مغبتها في الآخرة، حين يرى ما ينال أهل الأموال المقصرين في شكر نعمة المال.
وهو تحريض على الصدقة على الاحتمال الثاني؛ لدفع العيلة المشتكي منها على الاحتمال الثاني، يقول لهم: استعينوا على دفع العيلة بكثرة الصدقة.
وفيه تهويل للتقصير في شكر نعمة المال؛ لأن قوله: «ألم أوتيك مالًا» تقرير، وقوله: «ألم أرسل إليك رسولًا» تقرير أيضًا، حصل بهما تقرير على حصوله النعمة، وتقرير على بلوغ الإرشاد في وجه شكرها؛ قطعًا لمعذرة الممسك عن شكر نعمة المال.
* * *