وقع فيه قول ابن عباس [٢: ٢٦، ١٧]:
(شهِدتُ الْعِيدَ مَعَ رسول الله - ﷺ - وَلَوْلا مكانِي مِنَ الصَّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ).
فالمكان فيه بمعنى القرب. يقول العرب: لفلان مكان عند فلان، ويقولون: مكانه أيضًا، كما يقال: دار ودارة، فهو مجاز مرسل عن الملازمة والقرب. والمراد: مكاني من النبي - ﷺ - كما ثبت في رواية أخرى: «ولولا مَكَانِي منه».
وقوله: «مِنَ الصِّغَر» متعلق بـ «شهدتُه»، و(من) فيه تعليلية للفعل المنفي، أي ما شهدتُ العيد، إذ لا يشهده الصغار. والمعنى: أنه شهده لما له من التقرب إلى رسول الله - ﷺ -.
* * *
[ ٢٤ ]
أبواب سجود القرآن [٢: ٥٠، ١١]
(عن عبد الله بن مسعود قال: قرأ النبي - ﷺ - النجم بمكة فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا).
جعل الله سجود من كان حاضرًا من غير المسلمين عند سجدة النبي - ﷺ - معجزة من معجزات رسول الله - ﷺ - إذ سخَّر له معانديه، فسجدوا لسجوده، اقتداءً به، مع أنهم لم يكن السجود من عادتهم، فإنه لمَّا تلا قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، ظهرت دلائل من نبوة رسول الله - ﷺ -، وتجلت عظمة الرب الذي أرسله، وطرقت الخشية المعاندين، فسجدوا كلهم.
وقول ابن مسعود: «غيرَ شَيْخ» هو أمية بن خلف، فقد شاء الله أن يظهر تصلُّبه في كفره، وبعده عن أن يلين قلبه من تسخيره للنبي - ﷺ -؛ فلم يستطع أن يترك السجودمن أصله، ولكنه تكبر بأن رفع التراب إلى جبهته، وكفى بذلك تسخيرًا له مخلوطًا بإيماء من الله تعالى إلى أن ذلك الشيخ أشدُّ كفرًا.
وقد اهتدى ابن مسعود إلى هذا الإيماء فقال: «فَلَقَدْ رأيتُه بَعْدَ ذلك قُتل كافرًا»، فأشار ابن مسعود إلى أن الله ختم لذلك الشيخ بسوء الختام تبعًا لتلك الإشارة الإلهية، وتنبيهًا على أن الاقتداء برسول الله - ﷺ - سبب للخير، حتى للذين كانوا كافرين به يومئذ.
وينبئ كلام ابن مسعود على أن بقية الذين سجدوا ساعتئذ قد ماتوا على الإسلام، وإلا لما خصَّ ذلك الشيخ بأنه قُتل كافرًا، فهم قد ظهر فيهم شيء قريب من معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وهذا كله من دلائل التيسير وضده، ولا تعلُّق له بالتكليف ولا بالمؤاخذة؛ لأن أولئك لو تركوا السجود من أصله لما أو خذوا به، فإن كفرهم يقتضي ذلك وزيادة.
واعلم أن ما روي من أن الشيطان ألقى في آذان المشركين مزجًا في قراءة رسول الله - ﷺ - فتوهَّموا أنه كما قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، الآية.
[ ٢٥ ]
سمعوا أنه قال: «تلك الغرانيق العلى وأنَّ شفاعتهن لتُرتجى». ذلك خبر موضوع مكذوب وضعه القصَّاصون تكملة لسبب سجود المشركين بسجود الرسول - ﷺ - فتبينوا؛ وكيف قد قال عقبه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣].
وأن الله تعال لم يغادر موضعًا يتطرق منه الشك إلا سدَّه في وجوه أهل الضلال، أل ترى إلى قوله: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٨]، فإنه لما أجرى عليهم من مقام التهكم ما يوهم أنهم بحيث ينصرونهم ولا يضلون عنهم لو أرادوا عقب ذلك بالاحتراس بقوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨] ليظهر الاستعارة التهكمية نارًا على علم.
* * *