فيه حديث أبي بكرة - ﵁ -[٣: ٣٥، ١٣]:
(عن النبي - ﷺ - قال: «شهران لا ينقصان شهرًا عيد رمضان وذو الحجة»).
يحتمل أن النقص مراد به نقص عدد الأيام وهو أن يكون الشهر تسعًا وعشرين ليلة، ويحتمل أن يكون المراد نقص الثواب.
وذكر البخاري عن محمد بن سيرين أنه قال: لا يجتمعان كلاهما ناقص، قال أحمد ابن حنبل: إن نقص رمضان تم ذو الحجة، وإن نقص ذو الحجة تم رمضان، وبه أخذ المازري، وذكر عن إسحاق بن راهويه: وإن كان ناقصًا فهو تام، وبه أخذ الخطابي.
ثم يحتمل أن يكون انتفاء النقص عن مجموعهما، أي إذ نقص أحدهما كان الآخر كاملًا، وأن يراد انتفاء النقص عن كل واحد من الشهرين.
وتعيين موقع الشهرين أهو في سنة واحدة فبدؤها المحرم، أم هو على الإطلاق كلما كان أحدهما ناقصًا كان الآخر تاما؟
وقد تردد الأفهام في هذا كله، وأقوال العلماء في تأويله موزعة على هذا الضابط، وقد استقصاه الشارح العيني.
والذي ينبغي الاعتماد عليه أن انتفاء النقص عن مجموعهما، فإذا ثبت نقص أحد الشهرين ثبوتًا محققًا بالرؤية المحققة، أي كان تسعًا وعشرين فإن الشهر الآخر الآتي بعده يكون كاملًا ثلاثين ليلة.
وهذا لا يترتب عليه أثر في الصوم ولا في الحج، فلعل ذكره جرى لبيان أن أشهر
[ ٥٧ ]
السنة تتخالف بالزيادة والنقصان على التعاقب، فإذا كان أحد الأشهر تسعة وعشرين كان الشهر الموالي له ثلاثين، وهذا مطرد في كل شهر كيفما ابتدئ حساب الأشهر؛ لأن في حساب ظهور الأهلة كسرًا تجتمع منه ليلة شهرًا غب شهر.
فيقتضي هذا أن العالم بحال أحد الشهرين رمضان أو ذي الحجة يغني عن تطلب رؤية الهلال للشهر الأخر.
ولولا احتمال تعلق الزيادة بالأجر لوجب المصير إلى هذا الضابط.
وأرى أن يجعل هذا أصلًا في تكذيب شهادة من يشهد برؤية الهلال على ما يخالف هذا الضبط على نحو ما قال مالك: «إن لم يُر هلال الشهر الموالي لشهر الصوم بعد ثلاثين صحوًا كذب شاهدًا رؤية هلال ذلك الشهر».
* * *