(عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة». قالَ ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعةٍ من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي).
أي أن رسول الله - ﷺ - سمع سماع مكاشفة في النوم أو اليقظة دفّ نعلّيْ بلال بين يديه في الجنة، فكان ذلك وحيًا يتحقق به دفَّ نعلي بلال بين يديه في الجنة حين دخولها. وقد علم رسول - ﷺ - بوحي أو بإلهام أن تلك الفضيلة ما حصلت لبلال إلا جزاء عن عمل توخاه بلال ورجا به مزية في الجنة ولم يُطلع رسول الله - ﷺ - على تعيين العمل، فأحيل في الاطلاع عليه على أن يتلقاه من بيان بلال عامله، ليحصل بذلك فوائد: هي اطلاع رسول الله - ﷺ - على تعيين العمل، وبشارة بلال بحصول ما رجاه، والشهادة لبلال بصدق حذق فراسته فيما رجاه موصلا لبغيته.
ومعنى كون العمل أرجى: أنه أرحى لصاحبه، لمعنى راعاه عامله من إخلاص وصدق نية وحب للتقرب إلى الله تعالى، فبهذه الاعتبارات تتفاوت أعمال العامل الواحد في رجاه من عمله، فلا تفاضل في هذه الناحية بين أنواع الأعمال، ولكن التفاضل منها بين مراتب الإقبال والإخلاص والنية، ولذلك كان سُؤال رسول الله - ﷺ - بلالًا عن أجرى عمل عمله بلال، فتعلق السؤال بأعمال المسئول؛ لأن نوايا العباد
[ ٢٦ ]
وإخلاصهم في أعمالهم لا يُعرفان إلا من تلقائهم.
ولم يقع السؤال عن أفضل الأعمال في أنواعها كما ورد في حديث السائل:
«أي العمل أفضل؟» فقد نبَّه رسول الله - ﷺ - هنالك بما ليس في عداده إيقاعُ الصلاة عقب كل طهور. على أن أفضل الأعمال في أنواعها يُتلقَّى بيانه من الرسول - ﷺ -، فالرسول يكون مسئولًا عنه لا سائلًا.
ولأجل هذا لم يتوقف بلال في الجواب ولا قال: «الله ورسولُه أعلم» كما هو شأنهم في الأمور الخفيَّة عنهم؛ لأن بلالًا كان على بصيرة من أمره فيما توخَّاه من العمل فلم يتردد أن قال: «ما عَمِلتُ عملًا أَرْجَى عندي» إلخ.
وفي الحديث تعليم للمؤمنين كيف ينبغي لهم أن يتطلبوا مرضاة الله بوجوه كثيرة من الأعمال، والإخلاص فيها، وصدق النية، والافتكار في أسباب النجدة ورفع الدرجات.
* * *