وقع فيه قول النبي - ﷺ -[١: ٣١، ٥]:
(«بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب» قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم»).
قوله: «حَتَّى إِنِّي لأرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أظْفَارِي» هو نظر في رؤيا المنام، حيث تتمثل للمرء أشياء غير معتادة في عالم اليقظة، وهذه رؤيا وحي رمزية تمثل فيها أمر معنوي وهو الريُّ بالأمر الحسي، أي أنظر إلى الري يسري تحت جلدي أو في جسدي حتى ملأه فخرج من الأظفار، وهي أطراف البدن. فليس قوله: «يَخْرُجُ
[ ١١ ]
في أظْفَارِي جاريًا على استعارة مألوفة في كلام العرب؛ إذ ليس الري بالذي يخرج من الجسد ولا بالذي يشاهد سريانه في الجلد أو الأصابع، فخروج الري من الأظفار رمز معنوي لامتلاء الجسد، بحيث لم يبق موضع فيه محتاج لزيادة الري. وهذا رمز لعموم تعلق العلم بذات النبي - ﷺ -.
ومن دقائق هذه الرؤيا أن كان تمثيل العلم فيها باللبن؛ لأنه غذاء للجسم لطيف، وكذلك العلم غذاء للعقل لطيف؛ ولأن اللبن هو غذاء الإنسان في الفطرة، والعلم الذي أتيه النبي - ﷺ - هو علم الدين وآدابه الذي هو ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
وفيه أن عمر بن الخطاب اكتسب من صحبة النبي - ﷺ - علم الشريعة وآدابها كما يكتسب شارب اللبن تغذية. وقد قصر شراح الصحيحين في إعطاء هذا الحديث حقه من البيان.
* * *