فيه حدثنا ابن عباس وأبي هريرة [٢: ١٢٥، ١١]:
(سئل رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين فقال: «الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين»).
فقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» معناه: الله أعلم بحالهم، وهو إمساك عن الجواب المبين لحالهم.
فالمراد بالعمل الحال، كما يقال في شأن الغائب: ليت شعري ماذا صنع فلان؟ أي ما حاله؟
وفي الحديث [٨: ٣٧، ١٧]:
«يا أبا عمير ما فعل النغير»، فيحتمل أن هذا الجواب كان قبل أن يطلع الله رسوله - ﷺ - على أنهم غير معذبين، ويحتمل أن الإبهام مقصود هنا؛ لئلا يكون بيان حالهم تنفيسًا على أهاليهم، إذ يكونون قد استراحوا من الفكرة في شأن ذرياتهم،
[ ٣٦ ]
فيقلل ذلك من تأملهم في الفوز بالنجاة بالإسلام؛ لأن كثيرًا من الآباء يهتم بمصير أبنائه أكثر ما يهتم بمصير نفسه.
وقوله: «إذ خلقهم» (إذ) فيه تعليلية، أي أنه اعلم بهم، فهو خالقهم، كقوله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، [الكهف: ٢١] ويدل لذلك ما رواه أحمد عن ابن عباس: «ربهم أعلم بهم هو خلقهم وهو أعلم بما كانوا عاملين».
* *
ووقع فيه قول النبي - ﷺ - في رؤياه [٢/ ١٢٧، ٣]: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم - ﵇ - والصبيان حوله فأولاد الناس».
* *
ووقع في كتاب التعبير في هذا الحديث من رواية عوف عن أبي رجاء عن سمرة: [٩: ٥٨، ٣]:
(«وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم - ﵇ - وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «وأولاد المشركين»).
وهذا يفسر معنى قوله في رواية جرير بن حازم عن أبي رجاء عن سمرة: «أولاد الناس»: أنهم أولاد جميع الناس الذين يموتون في سن الصبا؛ وذلك لنماء معنى الفطرة فيهم، وإبلاغهم مبلغ أهل الفضائل والكمال منهم، على مراتب يعلمها الله تعالى، ويقدرها بحسب ما أودع فيهم من مقادير صفاء القوى النفسية، فكونهم عند إبراهيم الخليل - ﵇ - هو كون استمداد وتلق لإفاضات روحانية تفيضها عليهم روح الخليل تزكية لهم وترقية؛ كيلا تفوتهم مراتب الكمال التي هي أكبر النعم فيستعدوا بها لمزاولة النعم الأخروية ودرجاتها.
والظاهر أن هذا التلقي بتطور أطوارًا مناسبة لآماد الأعمار المعروفة في الدنيا، ولم يبين في السنة هل تكون هذه الكفالة مستمرة أم تنتهي عند أمد محدود، فيجتاز بهم إلى مجاز الأرواح الكاملة ويخلفهم غيرهم عند إبراهيم من الأطفال المتوفين بعدُ؛ وهكذا لأن اللفظ النبوي لم يقتض استغراق جميع أطفال المسلمين في وقت واحد.
* * *
[ ٣٧ ]
وهذا المعنى هو الذي يشرح ما وقع في بعض الروايات أن إبراهيم يعلم أطفال المسلمين فيحمل على هذا المعنى من التعليم، ولا أدري الآن صحة هذه الزيادة فحققها أنت.
* * *