أو مجاوزة الحد الذي أمر به
فيه حديث أبي أمامة الباهلي قال [٣: ١٣٥، ١٦]:
(ورأى سكة وشيئًا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل»).
قال في «فتح الباري»: أشار البخاري بالترجمة إلى الجمع بين هذا الحديث وبين حديث أنس المتقدم في الباب قبله «باب فضل الزرع والغرس» بأن يحمل ما ورد من الذم على عاقبة ذلك، ومحله ما إذا اشتغل به فضيع بسببه ما أمر بحفظه، وإما أن يحمل على ما إذا لم يضيع إلا أنه جاوز الحد فيه. ا. هـ.
[ ٦٢ ]
وأنا أقول: شأن النبي - ﷺ - كالطبيب يعطي الأمزجة ما يصلحها، فإذا رأى من ذلك إفراطًا ينقلب إصلاحه إفسادًا عدله بحالة أخرى، والأشياء التي يوجد في النفوس دافع إليها بالشهوة قد يكون فيها صلاح وقد يشاب صلاحه بفساد، فالاكتساب مطلوب للنفوس، والحرث بخاصة مرغوب لبعض الأمم. وقد أظهر حديث أنس ما في الزرع من الفضل لصاحبه.
وجاء ما في حديث أبي أمامه مشيرًا إلى ما يقتضيه الشغل بالحرث من اعتلاق القلب به والتباعد عن الخصال التي يقتضيها غالب حال أهل البادية العربية من الاكتساب بالرماح، أعني الغارة، فإن الإسلام هذبها بالجهاد، وفي طباع أهل الغارة ما يعين على الإقبال على الجهاد، فلما كان في التعلق بالحرث ما قد يغلب على شجاعة الأمة أشارت رواية أبي أمامة إلى إيقاظ أهل الحرث إلى الحفاظ على ما تقتضيه عزة الأمة من الشجاعة، فإن في طبع التعلق بالكسب أن يثبط صاحبه عن الارتماء بنفسه في الأخطار، وذلك يجر إلى الذل، فعلى المسلم الحفاظ على عزته، وأن يحذر ما يعقبه حب الحرث من الذل الذي يسري في النفس رويدًا رويدًا حتى يُغشى عليها، فأراد الرسول - ﷺ - التنبيه إلى آثار سبب واقعي، ليأخذ المسلم في الحذر من آثاره بتربية النفس على عدم التأثر به، ولا يقتضي ذلك تحريمًا ولا كراهة شرعيين ولكنه تعليم وإيقاظ.
* * *