فيه حديث أبي هريرة [٣: ٣٣، ٢]:
(قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين»).
جاء هذا الحديث من هذا الطريق- طريق ابن شهاب- تامًا أغر اللفظ؛ إذ وقع فيه: «فتحت أبوا السماء».
ووقع من طريق إسماعيل [٢: ٣٢، ٢٠]: «فتحت أبواب الجنة»، ووقع في رواية مسلم [٢: ٧٥٨، ٩]: «فتحت أبواب الرحمة». ولا أحسب لفظ النبي - ﷺ - إلا «أبواب السماء»؛ لأنه أشمل وأوجز، ولأنه يحاكي به قوله تعالى: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
والسماء في التعاليم الدينية هي مقر الخيرات الروحانية، والفيوضات الربانية، والتركيات النفسانية، فمعنى فتح أبوابها تهيئتها لاكتساب المؤمنين من خيراتها على حسب أعمالهم ومراتبهم ورضى الله تعالى عنهم بقبول أعمالهم ودعائهم ومكاشفة أرواحهم، فالأبواب استعارة لسوائل الوصول إلى الخير، والسماء حقيقة عرفية في مقر الخيرات وخزائن الرحمات؛ ولذلك كثر إثبات الارتفاع والصعود للفضائل؛ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
وليس المراد بالسماء الجنة، فقد دل على عدم قصدها عطف الجنة عليها في قوله تعالى: ﴿تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وما وقع من الروايتين الأخيرتين من أبواب الجنة وأبواب الرحمة فهو من الرواية بالمعنى.
واعلم أن الذي دلت عليه عدة ظواهر من الكتاب والسنة أن الأجرام العلوية فوق هذا العالم ذات أسرار ومنابع خيرات وصلاح، ولأهل الإشراق أقوال كثيرة في هذا،
[ ٥٤ ]
ويسمونها عالم الملكوت، قال في «هياكل النور»: «النفوس الناطقة من جوهر الملكوت، وإنما شغلها عن عالمها القوى البدنية ومشاعلتها؛ فإذا قويت النفس الناطقة بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوى الدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر (يعني الصيام وقيام الليل) تتخلص أحيانًا إلى علم القدس وتتصل بالنفوس الفلكية وبلوازم حركاتها» إلخ.
وفي الحديث: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلةٍ في ثلث الليل الأخير ».
وأما قوله: «وسلسلت الشياطين» فهو منع مخصوص من بعض الوساوس الشيطانية، فالكلام تمثيل لحال الشياطين في غل أيديها عن كثير من أعمالها بحال المصفود في سلسلة، فإنه لا تنقطع حركته تمامًا، وإنما يذهب نشاطه ومقدرته، فالتمثيل فيه عكس التمثيل في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وإن شئت فاجعل جميع ما في الحديث تمثيلًا مكنيًا ينحل إلى ثلاث تمثيلات مكنية، وذلك بأن شبه شأن إكرام الله تعالى الصالحين وقبوله أعمالهم بحال الكريم إذا ورد عليه الضيوف أن يفتح أبواب منزله ويغلق أبواب مواقع الأذى والضرر مثل الرابط ويسلسل كلبه أن ينالهم بنبحه، كما قال النابغة في تمثيل لسانه:
سأكْعَمُ كَلْبي أنْ يَريبك نبْحهُ وَلَوْ كُنْتُ أرْعَى مُسْحلان فحامرا
وقد رمز إلى الهيئة المشبه بها بذكر فتح وغلق الأبواب والسلاسل، وهذا التشبيه المركب صالح لمقابلة كل جزء من الهيئة المشبهة بجزء من الهيئة المشبه بها، فالسماوات مشبهة بمنزل الكريم، والشياطين مشبهة بالكلاب، وهذا أحسن التمثيل وهو الذي يصح معه تشبيه أجزاء المركب بأجزاء المركب الآخر، كقوله بشار:
كأن مُثار النَّقْع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبُه
* * *