بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلَّى اللهُ على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلّم.
حمدًا لله تعالى على ما علّم، وشكره على ما هدى إليه من سبيل الرشد وألهم، وأعَان عليه من حَمَلَ سنّةَ نبيّه محمَّد - ﷺ -، التي هي عن هداه تبسم، وعن مشداه تنسم. والصلاه والسلام على نبيّه محمَّد، الداعي بعزمه الأقوى إلى صراطه الأقوم، على بصيرة تجلو ما ادْلهمّ، وتوضِّح ما أُبهم، وآله وصحبه الذين استضاؤوا من سناه بأنور معلم، واستماحوا ما أضفى عليهم ثوب الثواب العلم، والرضى عن تابعيهم بإحسان على المنهج المبهج، والمسلك الأسلم. ومَنْ خَلَفهم من سلفِ العلماء الذين تُعزى إليهم معرفةُ السننِ وتُسلَّم.
فأولى ما صُرِفَتْ العنايةُ إليه ووجب الاعتماد عليه: ما وقَف الحائر به حسيرًا؛ ليرتد إليه طَرْف بصيرته بصيرًا، فَيَثْني من أَغصانه عنان عطفه، ويجني من أفنانه ثمار قَطْفِهِ -بعد كتاب اللهِ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- مِن رياض السنن النبوية التي أبدعت الحكمة الإلهية في إنشائها أَحسن الإبداع، وأودعت الأسرار النبوية في خزائنها ما شاءت من الإيداع، ذخائر تستخرجها العقول من مكامنها، وتستنبطُها العلومُ مِن معادنِها، وتغوص في طِلابِها لُجَّة عبابها؛ فتبوء من دَرِّ سحابها بِدرِّ سِخابِها متحلية بحمله، متخليّة لصونه إلّا عن أهله، وطالما جاب أربابُها القفار في اقتفاء الآثار، واقتناء سُنة النبي المختار، فتؤم فريقها لتلمّ تفريقها،
[ ١ / ٧ ]
وتسَهِّل على المسالك طريقها، وتُبَيِّن مَهْجورَها من مسلوكِها، وتُعيِّن مقبولَ السنن -لمن رامها- مِن متروكِها، وما حمله العدلُ مما نقله الجريح؛ ليميز السليم الصحيح من السقيم.
وأين الجامح على عنانه ممن هو بذات الطلح مليح، حماية لحمى المصطفى، ودراية ترفع ذلك الشقاء عمَّنْ هو على شفا، وعناية يلمح آمالهم نجح سعايتها، ويُوضح أنهم أوتوا السنن فرعوها حقّ رعايتها.
وإذا كانت هذه الطريقة المُثلى للشريعة الفُضلى، فأولى ما ثَنى طالبها إليه عنانه، وأفنى في تطلبه زمانه، ما جمع له مِن فنونها، وشرفه بغني أسانيدها ومتونها، ونزه طرفه في أساليبها، وصرفه بين صحيحها وحسنها وغريبها، وعرفه مردودها من مقبولها، ومقطوعها من موصولها وأهدى إليه إرسال مرسلها، أو علة معلولها، وأبدى لديه ما تضمنته السنن من نسخ وإحكام، ومعان أحكام، إلى غير ذلك مما يأتي الإشارة إليه، والتنبيه بحسب الإمكان عليه.
ولمّا كان كتاب "الجامع" للإمام أبي عيسى الترمذي الحافظ -﵀، ورضي عنه- هو الذي أبدع جامعه وما أبعد، والذي حظي بتعداد هذه العلوم، فكان بها من غيره أَقعد؛ فذلل جوامحها، وسهَّل طوامحها، وأرسل لواقحها، وأسال بأعناق المطِيِّ أباطحها، واستلان صعبها، وأبان لمن ظنّ بُعْدَها قُرْبَها؛ كان حقًّا على طالب هذا الشأن أنْ يلحظ من حقوقه واجبها، ويحفظه حفظ الأكف رواجبها، فاتفق من مُدةٍ أنَّه قُرِئ رواية فلم يخلُ مجلس الرواية والسماع من فائدة تُستفاد، ونكتة ربما تُستجاد، مما نقلتُه مِن كتابٍ أعزوه إليه، أو سمعته مِن عالم أرويه عنه، مما حضرني ذكْرُ قائله، أو غاب عني -لبعد العهد به- اسم ناقله، أو مما جاء به الذهن الركود، وجادت به القريحة وقل أنْ تجود، أو مما أنتجته المذاكرة واستحضرته المحاضرة،
[ ١ / ٨ ]
فكنت أرى مِن ذلك تقييد ما أَسْتحسِنُه، ولست أضمن أنْ يَمُرّ بي داء وَرِم يمر بي فأستسمنه، ثم عنّ لي أنْ أضمّ لتلك الفوائد ما يضارعها، ليشفع ماضيها مضارعها ويجمعها تعليق من طلبها به ألفاها، ومن نَشَدَها وَجَدَ عنده مُغَيّاها.
فكثيرًا ما تمر الفائدة بمن يسمعها أو يطلبها فينأى عنها مغزاها، ومن قَيد العلم بالكتاب أمِنَ مِن هذا اللّبس والارتياب.
ولنقدم بين يدي هذا المرام مقدمتين:
* من التعريف بأبي عيسى الترمذي، وبمن بيننا وبينه في إسناد هذا الكتاب إليه، على سبيل الاختصار.
* ثم من التعريف بكتابِهِ، وثناء الناسِ عليه، وتعظيمهم له؛ تقريظًا يجلو على ذي العلم فضلَه، ويحلّه من ذهنِ المقلد محلّه.
نبدأ الشروع فيما نحونا إليه وقصدنا، والله المسئول أنْ يعصمنا فيما أوردنا مما أردنا، بمنه وكرمه.
* * *
[ ١ / ٩ ]